هل نحن في حاجة إلى ابن طفيل؟
06 اكتوبر 2016 | 0 تعليق

ذوات

كان ابن طفيل أميل إلى النظر الصوفي المشبع بالأفلوطينية، والتي ستلقي بظلالها على تجربته الفلسفية دون أن تجعل منه صوفيًّا على غرار المتصوفة الذين كان يعج بهم، عصره؛ القرن السادس الهجري بالأندلس. فظل عقلانيًّا حتى في أعمق لحظاته اللّاعقلانية، فقد تم توسيع العقل عنده، حيث أصبح عقلاً منفتحًا يتجاوز الحدود الأرسطية للعقل، لكنه لا يلغيه.

وتحاول هذه الدراسة التي أعدها الباحث المغربي الدكتور إبراهيم بورشاشن  و المعنونة بـ "هل نحن في حاجة إلى ابن طفيل؟" والمنشورة على موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث في قسم الفلسفة العلوم الإنسانية، بيان مدى "الحضور القوي والمشعّ الذي تمتعت به قصة ابن طفيل عند المجتمعات غير المشاركة لنا في الملة، لكنها تشاركنا في الهموم الإنسانية والقضايا الفلسفية الخالدة"،  حتى أن موريس حيون جعل ابن طفيل "سباقًا لديكارت ولايبنتز وإسبينوزا، بل لكل الأنوار الأوروبية للقرن الثامن عشر".

وتبين الدراسة أنه لم يكد يمر على وفاة ابن طفيل أكثر من قرنين من الزمن حتى قام يهودي مجهول بترجمة نص ابن طفيل إلى اللغة العبرية، لينكب بعد ذلك موسى النربوني (1300-1362) على شرحه مما جعله يثير "حركة قوية بين اليهود" فذاع في أوساطهم العلمية. بل، ساهم هذا النص، حسب أحد المختصين في الدراسات العبرية، في تغذية كل الفلسفات التي أتت بعده، وأصبح الأساس الذي اعتمد عليه روبنسون كروزو لدانيال دوفو؛ بل اعتبره أحد المختصين مدشنًا للأنوار الوسيطية، أنوار قرطبة اَلْمُعْلِمَةِ بأنوار برلين القرن الثامن عشر.

هناك من يؤكد أنّ رسالة ابن طفيل بدأت تأثيرها، في الوسط العبري، منذ موسى بن ميمون، حيث وجد أوبرفغ في مقارنات بين "دلالة الحائرين" وبين نصوص من "حي بن يقظان" ما يدل دلالة قوية على حضور نص ابن طفيل في سفر ابن ميمون الذي توفي سنة 601هـ، أي بعد عشرين عامًا فقط من وفاة ابن طفيل.

إنّ ما يُحْمد لموسى النربوني وفق الباحث، أنّه جعل نص ابن طفيل في قلب العلوم اليهودية، حيث أصبح منذ نهاية القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، موضع سؤال وبحث متواصلين من علماء الدِّراسات اليهودية [...] وربما يَقِلُّ الآن أن نتصفح مصدرًا أو مرجعًا ألْمانيًّا يتحدث عن تاريخ اليهودية والكتابات حول المقدّس دون أن يجعل ابن طفيل أحد رموز تلك العلوم"؛ أي العلوم اليهودية.

أنشأ ابن طفيل قصة غير واقعية، لكنه أراد لها تأثيرًا في عالم واقعي، حيث أصبحت تغذي الإلهام، من قريب أو من بعيد، عند كل باحث عن نور الفطرة؛ عن العقل الطبيعي، وراء ركام العادات والتقليد. 

بالنسبة إلى العصر الوسيط، وجدنا الأستاذ جيلسون، في كتابه "الفلسفة في العصر الوسيط"، يؤكد أنّ كل من ألبرت الأكبر وتوماس الإكويني قد ذكرا ابن طفيل. ويقترح جيلسون، أن يكون إسبينوزا قد اطلع في وسطه اليهودي على شرح النربوني قبل صدور نسخة بوكوك لرسالة حي بن يقظان؛ إذ إنّ إسبينوزا الذي يقول بوحدة الخالق والطبيعة، وكَتَب أخلاقياته بطريقة هندسية تستعصي على الفهم، تَمُتُّ مواضيعه بسبب قريب إلى موضوعات "حيّ". فهما معًا يشتركان في القول بأهمية العقل الطبيعي، ما دامت توجد طريق عقلي إلى السّلام، إلى الوحدة مع الله، إلى الخلود.

فيمكن القول إنّ رسالة حي بن يقظان نصٌّ قوي وهاج للحداثة؛ إذ عرفت عناية منقطعة النظير منذ القرن السابع عشر بفعل الترجمة، وَوُجِدت داخل النقاشات الدينية والسياسية المختلفة في إنجلترا نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر. فقد وجدت طائفة الكويكرز المسيحية مثلاً في رسالة ابن طفيل موضعًا مشتركًا مع رؤيتها الصوفية المسيحية التي تأخذ المعرفة خارج أي تراتبية كنسية، وتعتبر أنّ نور العقل وحده يقود الإنسان لعلاقة وحدة مع الله.

وتابع المستشرقون الألمان هذا الهمّ، حيث نجدهم يتناولون الرسالة في سياقات أخرى شملت الدراسات التاريخية والفلسفية، بل تجاوز ذلك إلى نطاق الأدب المقارن إلى حد أنّ إحدى ترجمات نص ابن طفيل إلى الألمانية تناولته كأصل أولي لفكرة روبنسون كروزو كما يوحي بذلك عنوان كتاب أوتوبيست الصادر سنة 1987.

كما عرفت قصة حيّ بن يقظان، بحسب الدراسة، بعثًا آخر، مع النّقلة النّوعية التي عرفتها الدراسات حول ابن طفيل، مع ليون غوتييه. فحظي ابن طفيل باهتمام خاص عند هذا المستشرق الفرنسي، فخصّه بدراسة متميزة، أمّا الترجمة الإسبانية فقد قام بها فرانسيسكو بون بويج سنة 1900، ووسمها بـ "الفيلسوف المعلّم نفسه لابن طفيل". وأعاد ترجمتها جونثالثبلانثيا سنة 1934 وظهرت طبعتها سنة 1948.

إنّه احتفاء كبير بنص ابن طفيل، وإنّ هذه الترجمات الكثيرة التي عرفها النص العربي لَتَدلُّ، وفق الباحث، على هذا الإصرار الغريب لجعل نص ابن طفيل نصًّا أوروبيًّا بامتياز؛ حتى إنّ العناوين التي صاغها بعضهم لرسالة ابن طفيل تحمل بصمات تأويلية واضحة تدل على رغبة في الامتلاك الثقافي والحضاري للنص. وتتخذ معاصرة ابن طفيل لنا أوجهًا متعددةً سواء من حيث جرأته الفلسفية أو من حيث منهجه في الكتابة أو من حيث درايته العميقة بتاريخ الفلسفة؛ إذ توسّل بالأدب، منهجًا، في مجال فلسفي خاص، كما سيفعل سارتر من بعده، ففيهما انفلت الأديب "من صرامة الفيلسوف ليترجم تصوراته وأفكاره بواسطة الرواية أو الشعر ...وهكذا يمكن للفيلسوف ـ الكاتب أن يضيف إلى الحقل الأدبي إسهامات لا تأتي من داخل هذا الحقل ذاته، كما يجوز للأديب المتفلسف أن يفتح سبلاً للتساؤل قد تسعف الفيلسوف في تعميق كثير من رؤاه وتصوراته" .

ويثيرنا هذا النص أيضًا بالسلوك الأخلاقي الذي يتجلى بياض النص سواء تعلق بعلاقة الذّات مع نفسها وتعلّقها بالأمل في اكتشاف المجاهيل، وهو ما يميز الإنسان أيضًا ويحقق فرادته أو بعلاقة الذات بالطبيعة أو بالناس؛ سواء من الناس من أدرك لحياته معنًى مثل آسال، أو من نسي أنّ لحياته معنًى، مثل سالامان وجمهوره.

ويخلص الباحث أن ابن طفيل أنشأ قصة غير واقعية، لكنه أراد لها تأثيرًا في عالم واقعي، وقد بلغ قصده، حين نجد هذا الاحتفاء الكبير بها حتى أصبحت ضربًا من إنجيل عند الطائفة المسيحية الشهيرة، وأصبحت تغذي الإلهام، من قريب أو من بعيد، عند كل باحث عن نور الفطرة؛ عن العقل الطبيعي، وراء ركام العادات والتقليد.

 

للاطلاع على الدراسة كاملة انقر هنا

http://www.mominoun.com/articles/%D9%87%D9%84-%D9%86%D8%AD%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D8%A7%D8%AC%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D8%B7%D9%81%D9%8A%D9%84-4253

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق