"اليزيدية: إشكالية المنهج".. دراسة ونصوص وتعليقات لوليد خالص
07 اكتوبر 2016 | 0 تعليق

منى شكري *

 قامت حول اليزيدية -التي ينتشر معتنقوها في شمال العراق وسورية على الحدود التركية، ولهم حضور أقل في تركيا وإيران والقفقاس وأرمينية وغيرها- العديد من الدراسات بين كتب ومقالات وبحوث وبلغات مختلفة، فضلاً عن المخطوط منها الذي ينتظر من يكشف عنه خاصة باللغة العربية، وقد اضطلع بتلك الدراسات باحثون مختلفو المشارب والأديان، لكل منهم بلا شك وجهته وقناعاته، مما جعل تلك المؤلفات تتفاوت بين الموضوعية وتغليب الهوى والتعصب وهو الأظهر؛ ولعل ما ساعد على تعميق هذا الأمر هو "الكتمان" الذي يحيط به اليزيديون معتقداتهم.

لما كانت القراءة والكتابة من المحرمات عند اليزيدية، فقد ظل "مصحف رش" طي النسيان إلى أن وفد إلى الموصل بعض علماء الآثار الألمان إبان الحرب العالمية الأولى، وسمعوا بوجود هذا الكتاب الأثري فعمدوا إلى سرقته، وهو الآن في متحف "كوبر" في ألمانيا.

ومن هذا المنطلق، جاءت فكرة كتاب "اليزيدية: إشكالية المنهج.. دراسة ونصوص وتعليقات" الذي صدر مؤخراً في جزئين عن دار كنوز المعرفة بعمّان للدكتور العراقي وليد محمود خالص الذي يشير في مقدمة كتابه إلى القلق المنهجي الذي أصابه بعد اطلاعه على تلك الوفرة من الكتب والأبحاث التي كتبت عن اليزيدية "التي غلب عليها الاضطراب والتناقض والتشويه"، بالإضافة- كما يقول- إلى غياب الحس النقدي وآليات المنهجية المفترض حضورها بقوة في أمثال هذه الدراسات ذات الحساسية العالية التي تتطرق لطائفة دينية "غامضة" عند الكثيرين. وفي هذا السياق، يقف المؤلف على الاضطراب في تسمية الطائفة نفسها: اليزيدية، الإيزيدية، الأزدهابية، البازيدية، ويخلص إلى أن التسمية الأولى "اليزيدية" هي الأصح. 

تراث خصب

ويرى أن هذه "الأقلية" وغيرها على قلة عددها تمتلك تراثاً ثقافياً خصباً حين يتاح لها مناخ من الفهم والتسامح، فهو بلا ريب يسند مقولة التنوع الثقافي الذي هو ركن ركين في ازدهار المجتمع ويبث حياة جديدة غنية في أنساغه ومفاصله، وهي طائفة لها معتقداتها الخاصة وطقوسها المتباينة، وإن كنّا نجد فيها، كما يقول المؤلف، تأثيرات من أديان أخرى كما يورد عن الأب أنستاس الكرمي في كتابه "اليزيدية" حول معتقداتهم المتأثرة بالمسيحية مثل طقوس العماد، وهم يعتقدون أن المسيح من أعظم الأنبياء، بل يذكر أن بعض "جهلاء اليزيدية" يعتقدون أن المسيح ويزيد اسمان لمسمى واحد.

وفي سبيل تحقيق غايته بالتعريف العلمي الدقيق باليزيدية، وما حل بها على مدى تاريخها، عمد الدكتور خالص إلى انتقاء ستين نصاً من قرابة أربعين مؤلَّفاً لباحثين مختلفي المشارب والديانات والهويات واللغات بدءاً من القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا، إضافة إلى مخطوطة عن اليزيدية لم يسبق نشرها ظفر بها المؤلف في مكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت.

وقد حرص المؤلف على التنبيه والتعليق على هذه النصوص عندما يلمس أي نوع من الخروج عن المنهجية العلمية لديهم، وهو يعيد سبب اضطراب صورة اليزيدية أيضاً إلى أن اليزيديين أنفسهم لم يشاركوا في الكتابة عن طائفتهم وتجلية معتقداتها وطقوسها كما يعتقدون بها ويمارسونها إلا في النادر، وهو يأمل أن يكون هذا الكتاب فاتحة لدراسات أخرى تتوسم رسم واقع اليزيدية كما يقر بها أهلها ويرتضونه لأنفسهم.

ارتكز المنهج المتبع في الكتاب على أربعة محاور: الأول يتعلق باليزيدية نفسها من خلال الموازنة بين النصوص المكتوبة عن اليزيدية ومع نصوصها المقدسة أو ما تمارسه فعلياً من طقوس وما تتخذه من عادات وأعراف.

أما المحور الثاني، فارتكز على ما لاحظه المؤلف من اتكاء الباحثين المتأخرين على سابقيهم بالإشارة إليهم أو بلا إشارة "بما يرقى أحياناً إلى مستوى السرقة العلمية"، وفق الدكتور خالص، حيث يورد خمسة كتب يجزم أن من جاء بعدهم أفاد كثيراً من دأبهم العلمي، وكشوفهم، وهي: تاريخ اليزيدية لعباس العزاوي، واليزيديون في حاضرهم وماضيهم للسيد عبدالرزاق الحسني، واليزيدية لصديق الدملوجي، واليزيدية للدكتور سامي سعيد الأحمد، واليزيدية لسعيد الديوه جي.

في حين ارتكز المحور الثالث على الكتب المنشورة حول الموضوع في وقت مبكر من القرن العشرين حين كانت الدراسات عن اليزيدية قائمة بدأب على هيئة مقالات لم يطلع هؤلاء المؤلفون على فائدتها الكبيرة باستثناء كتاب د.سامي سعيد الأحمد.

أما المحور الرابع، فمتعلق بما شجع على نشر تلك الدراسات وخصوصاً "المقالات"، وهو مضي زمن طويل على نشرها أول مرة يصل أحياناً إلى قرن؛ مما جعل الحصول عليها عسيراً، وقد بذل المؤلف جهداً كبيراً في تحصيلها ليضعها بين أيدي الدارسين في هذا الكتاب.

حذر النقل

يعالج الجزء الأول، الذي يقع في 364 صفحة، 34 نصاً مستلة من الكتب التي وقع عليها المؤلف، بدءاً من "مخطوطة مكتبة الجامعة الأمريكية" وانتهاء بكتاب "اليزيدية لصدّيق الرمحي" الصادر عام 1949، ومن النصوص التي يوردها أيضاً مقتطفات من كتاب "اليزيدية أو عبدة إبليس" لبروسكي؛ حيث دعا الدكتور وليد خالص إلى أخذ ما ورد فيه بحذر وموازنته بغيره لافتقاره إلى تعيين مصادره، وهو ما نبه إليه أيضاً في حق نص "اليزيدية لإبراهيم اليازجي" الذي لمح فيه سمات التسرع وترك التثبت والنقل من مصدر مجهول.

من المحرمات عند اليزيدية؛ الخس ولحم الخنزير والبصاق والتبول وقوفا، واللون الأزرق، ويعيد خان إسماعيل تحريمها برأيه إلى أسباب صحية.

ومن النصوص المهمة التي أوردها المؤلف مقال بعنوان "اليزيديون أو البازيدية" للشيخ علي الشرقي المنشور بمجلة العرفان عام 1926، وتكمن أهميته في أنه نقل عن مصدر يزيدي قديم كان محفوظاً عند الأستاذ يعقوب سركيس كما نقل عن "المستند" الذي نشره الأب أنستاس ماري الكرمي، وفي هذا النص يذهب الشيخ الشرقي إلى تسمية هذه الفرقة بـ "البازيدية"، وهو ما لم يقل به غيره.

ويورد الدكتور خالص لأحمد تيمور مقالة ورسالة حول اليزيدية ومنشأ معتقدهم (منشورتان في عامي 1916، 1926) وتكمن أهمية الرسالة في قدمها واعتماد الجمهرة من الدارسين المتأخرين عليها. ومن النصوص أيضاً "القول الفصل في أصل اليزيدية" للأب أنستاس الكرمي (1922)، "اليزيدية قديماً وحديثاً" لإسماعيل بك جول، وكتاب في "اليزيدية" لكوركيس عواد.

عادات وفتاوى

في الجزء الثاني من الكتاب، الذي يقع في 496 صفحة، يتابع الدكتور وليد خالص معالجة الستة والعشرين نصاً المتبقية، ومنها: ستة نصوص من كتاب اليزيدية لصديق الدملوجي، تبين جانباً من عادات هذه الطائفة والفتاوى التي صدرت بحقهم مع أحاديث مباشرة مع بعض رموز اليزيدية تكشف شيئاً من عقائدهم وقناعاتهم، وهي على درجة عالية من الأهمية بسبب ورود الكلام على ألسنة القوم أنفسهم كما في العريضة التي رفعها بعض وجهائهم إلى الآستانة عام 1827م لطلب إعفائهم من التجنيد الإجباري ويذكرون فيها 14 سبباً تتعلق بشريعتهم ومعتقداتهم.

ومن النصوص أيضاً: "مقالة في اليزيدية" للراهب بهنام الموصلي، "هذه هي اليزيدية" ليزيد خان إسماعيل بك أمير اليزيدية، "اليزيديون" لهاشم البناء، "رحلة أبي طالب خان إلى العراق وأوربة" سنة 1213هـ/ 1799م، "اليزيدية" لسعيد الديوجي، "مجموعة الرسائل الكبرى" لابن تيمية، كتابا: "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث"، و"مهزلة العقل البشري" لعلي الوردي، وانتهاءً بدراسة حول إشكالية التسمية للدكتور أزاد سعيد سمو، فضلاً عن كتاب "اليزيدية: التاريخ، العقيدة، المجتمع" لأمير اليزيدية، التيار العراقي الذي التقاه المؤلف في عمّان وكشف له الضغوط التي يتعرض لها اليزيديون لطمس عروبتهم ونقلهم إلى الجانب الكردي سواء من حيث اللغة أم التاريخ مدعومة هذه المحاولات بأقلام كثيرة لهذه الغاية كما يذكر في كتابه.

ومن أهم النصوص التي يشير لها خالص النص الأربعون "هذه هي اليزيدية"، ليزيد خان اسماعيل بك أمير اليزيدية؛ وتنبع أهميته وفق المؤلف "لجريان الكلام على قلم أحد أمراء اليزيدية، وهو أدرى بشعابها".

ومما جاء في هذا النص "لما دالت دولة بين أمية في الشام، وقامت على أنقاضها دولة بني العباس، أخذ العباسيون يلاحقون الأمويين في كل مكان، فتفرق شملهم في البلاد، ومن بينهم "الشيخ عدي" بن "الشيخ مسافر" الأموي، الذي التجأ إلى شمال العراق واعتصم بجبل "هكار" حيث أسس زاوية في وادي لالش، مارس فيها طريقته المشهورة بالطريقة العدوية، والتي عرفت فيما بعد باسم اليزيدية فتبعه كثير من المريدين من سائر الأمصار، بين عرب وأكراد، وعاش متقطعاً للعبادة، إلى أن توفي عام 550ه، في لالش، وقد ناهز الثمانينن دون أن يتزوج، فخلفه ابن أخيه "عدي الثاني" بن الشيخ أبي البركات، وفي عهده امتدت الطريقة العدوية إلى حدود الأناضول، ثم خلفه ابنه الشيخ حسن الذي اهتم بتوطيد سلطانه في المناطق التي انتشرت فيها الدعوة، وعين لكل منطقة والياً من أهل بيته، وألف جيشاً قوياً قوامه ثمانون ألف جندي، فخشيه أمراء الموصل، ودارت بينه وبين قوات عماد الدين زنكي، وخليفته بدر الدين لؤلؤ، معارك دامية انتهت بانتصار قوات بدر الدين وانكسار شوكة العدويين وتقلص سلطانهم، ودخلت دعوتهم دوراً من أدوار الصراع".

اليزيديون كانوا مسلمين قبل أن يتحولوا إلى دينهم الجديد الذي وضع الشيخ حسن بن عدي الثاني أسسه ولبناته الأولى.

ولليزيدية كتابان مقدسان، أولهما "مصحف رش" وهو الدستور الديني لهم، وهو مدون على رق من جلد الغزال، بخط الشيخ عدي، وثانيهما كتاب "الجلوة" وهو تفسير لمصحف رش بقلم الشيخ حسن بن عدي الثاني.

ولما كانت القراءة والكتابة من المحرمات عند اليزيدية، فقد ظل مصحف رش  طي النسيان إلى أن وفد إلى الموصل بعض علماء الآثار الألمان إبان الحرب العالمية الأولى وسمعوا بوجود هذا الكتاب الأثري فعمدوا إلى سرقته، وهو الآن في متحف "كوبر" في ألمانيا.

وأما كتاب الجلوة، فتوجد منه نسختان، إحداهما في سنجار والثانية في الشيخان.

واليزيديون قوم موحِّدون يعتقدون بوحدانية الله، ويقولون :"من سجد لغير الله كفر"، وفق ما أورد أمير اليزيدية إسماعيل خان الذي يبين أن الصلاة عندهم فرض، وللصوم عند اليزيديين فترات متفاوتة أهمها فترة "صوم يزيد" وهي عبارة عن ثلاثة أيام في شهر كانون الثاني من كل سنة، وهي فرض على كل يزيدي ولو كان على سفر. وهناك فترات متفرقة يبلغ مجموعها خمسة عشر يوما. أما الصوم الأكبر، فصوم "الجلخانة"؛ أي الأربعينية، فهو عبارة عن صوم أربعين يوماً في أشد أيام الصيف حراً، ومثلها في أشد الأيام برداً. وتنتهي كل من الفترتين بعيد عام عند اليزيديين.

ومن المحرمات عند اليزيدية الخس ولحم الخنزير والبصاق والتبول وقوفا، واللون الأزرق. ويعيد خان إسماعيل تحريمها برأيه إلى أسباب صحية "فالخس مثلا لأنه ينبت في النجاسة ويعيش عليها، ويحمل كثيراً من الميكروبات ولذا يحذر الأطباء من أكله دون تعقيم، والبصاق ينقل العدوى، والتبول وقوفاً مستهجن من الناحية الأدبية، واللون الأزرق يتحمل الأوساخ كثيراً دون أن تظهر عليه دلائل القذارة..".

والزواج عند اليزيدين كالزواج في الإسلام، مع فارق أن الخاطب يدفع مهراً يتراوح بين 200 أو 300 دينار تكون ملكاً لأهل الفتاة. ويحق لليزيدي تعدد الزوجات. ويجوز الطلاق في حالات معينة ولكن لا يجوز استرجاع المطلقة أبداً. كما أن الأبناء الذكور هم وحدهم الذين يرثون آباءهم. أما البنات فلا يرثن شيئاً.

وفي خاتمة الكتاب، يخلص الدكتور خالص "بما لا يقبل أدنى شك أو ريب" إلى أن اسم اليزيدية مأخوذ من نسبتهم إلى "يزيد بن معاوية الأموي"، وأن اليزيديين كانوا مسلمين قبل أن يتحولوا إلى دينهم الجديد الذي وضع الشيخ حسن بن عدي الثاني أسسه ولبناته الأولى، ويؤكد أن اليزيديين كلهم من الكرد وإن كان فيهم قلة يتكلمون العربية.

يذكر أن الدكتور وليد محمود خالص هو أستاذ جامعي وباحث عراقي مقيم في الأردن منذ عشرين سنة، حصل على درجة الدكتوراه في النقد العربي القديم من جامعة بغداد عام 1981، ودرّس في أربع جامعات عربية في الإمارات والأردن وعُمان، وله أكثر من أربعين كتاباً منشوراً، فضلاً عن عشرات البحوث والدراسات، وهو عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق