حسن الشافعي : الدرس الصوفي ليس كُلًا واحدًا منتظمًا في خط الإسلام الرسمي
18 اغسطس 2015 | 0 تعليق

حسن الشافعي
محمد عزت*

الأزهر واحد من أكثر المؤسسات التي تناولها الباحثون في العالم بمختلف مشاربهم، ليس فقط أولئك المهتمون بدراسة الإسلاميات أو بدراسة علاقة الدين بالدولة في العالم الإسلامي وفي مصر تحديدًا، وإنما تقريبًا جل من طرح سؤال "التقدم والتخلف" في العالم الإسلامي، سواء من طرحه بصيغة داروينية تنتظر عصرا ذهبيا جديد لدار الإسلام، أو من طرحه وفق منهج معادي للداروينية التي تم اختراقنا بها كولنياليًا؛ ولا يبتغي سوى اقتفاء أثر نواة الحقيقة، كلا الطارحين للسؤال وجدوا في طريق بحثهم "سؤال الأزهر"، سؤال المؤسسة الإسلامية الرسمية التي تخرج منها رائحة الكهنوت القروسطي، والتي تعقد عليها الدولة، بل وصفوف عريضة من المثقفين الليبراليين آمال القيام بمهمة التحديث من داخل التراث؛ عبر تجريده بمعنى استبعاد بعض خيوط العلاقات التي أنتجته في السابق؛ بغية إعادة إنتاجه في صورة جديدة تلائم تطلعات الدولة وهؤلاء المثقفين، وهي تطلعات مشتملة على عديد التناقضات التي لا تظهر سوى على المدى الطويل في كل الأحوال.

وما نروم أن يفيد كل التيارات الفكرية التي تدرس الأزهر في سبيل كشف الواقع المُعيش، حين نأخذ صورة عن قرب للشيخ حسن الشافعي بالأساس هو فهم ما يجري أسفل غطاء ما يُصّدر للجمهور باعتباره ساكنًا، وكلًا متجانسًا يعلو فوق التاريخ بركيزة معارفه التي تشكلت عبر السنين بتناغم؛؛ كأن التاريخ كائن يعي ويرسم نفسه كما نريد له أن يكون، وأن يساعدنا في رسم أيديولوجيا الحاضر، والحقيقة أن رؤية مؤسسة كالأزهر باعتبارها كلًا ليست هي ما تمثل أزمة النظر، فالمشكلة ليست في رؤية الأزهر كلًا يحمل في داخله تناقضات عديدة، لكن المشكلة تكمن في النظر إليه بوصفه كلًا متجانسًا، وغض النظر عن التفاصيل المتناقضة داخل الكيان الذي يظهر في الأخير بوصفه متجانسًا يلعب دورًا تاريخيًا واحدًا، باعتباره مؤسسة إسلامية رسمية في دولة لها مصلحة واضحة في فرض نسخة معينة من الإسلام.

الشيخ حسن الشافعي هو ذلك الرجل الذي شغل منصب مستشار شيخ الأزهر ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء الصوفية، لكنه لم ينس يومًا آثار التعذيب بالكرابيج الخالدة على ظهره، والتي حددت مسار نظرته للحياة حتى يومنا هذا، حيث تعرض الشيخ للاعتقال والتعذيب عام 1954م؛ حين كان طالبًا بالفرقة الثانية بكلية دار العلوم وبالفرقة الثالثة بكلية أصول الدين في الوقت ذاته، وقد تركت تلك الكرابيج عميق الأثر في نفس الشيخ، فلم تجعله بعد ذلك مثل بقية أقرانه من رواد الدرس الصوفي على منابر شاشات التلفاز في العالم العربي، والذين تكفلوا بالوقوف على ثغر الآلة الأيديولوجية للدولة، تلك الكرابيج كانت العلامة الفارقة بينهم وبينه، فلم يعد الشيخ مثلهم يتباكى أشد البكاء حين يأتي أدنى ذكر لآل بيت الرسول محمد، أو أدنى ذكر لأقطاب الصوفية القابعون في المقابر، ويحمل في الوقت ذاته كما هائلا من القسوة والحياد ومشاعر ادعاء تفهم الحتميات تجاه شباب وطنه المنسيون خلف أسوار المعتقلات والسجون.

فاجأ الشافعي الجميع بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي حين أخذ موقفًا معارضًا للسلطة في “أحداث المنصة يوليو 2013"، وفي أغسطس 2013 تلا الشافعي بيانًا حادًا أذاعته جميع الفضائيات المصرية في أعقاب فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة أنهاه بقوله: “اللهم إني أبرأ إليك مما حدث، وأستنكره من كل قلبي، وأسأل الله لبني وطني العقل والحكمة، وأدعوهم إلى التوبة، وكلُّ الحَول والطَّول والقوة بيد الله رب العالمين".

ليس المهم هنا في موقف الشافعي -الذي اتخذه في وقت ارتفع فيه صوت التخوين والتهديد لكل من يملك رؤية بديلة لما يحدث- إن كان هذا الموقف صائبا أو خاطئا من الناحية السياسية، أي إلى أي حد كان هذا الأمر ذا نجاعة في تحقيق مصلحة الوطن، لكن ما يهم هنا أن هذا الشخص هو واحد ممن يقدمون خطابًا صوفيًا مغايرًا لذلك الخطاب السائد في الأجهزة الأيديولوجية التابعة للدولة، وفي الوقت الذي يشير فيه الجميع إلى خطاب صوفي منتظم في خط الإسلام الرسمي الذي تصدره الدولة، ليكيف الناس مع مصالحها، يلفت الشافعي أنظارنا إلى أن الدرس الصوفي ليس هو الآخر كلًا متجانسًا، فثمة رجل شغل منصب مستشار شيخ الأزهر، وكان قد انسحب في وقت سابق بوصفه ممثلًا للأزهر في الجمعية التأسيسية لإعداد الدستور في 2012  بعد ما اعتبره نوعا من الإهانة لشيخ الأزهر أحمد الطيب، أثناء الحديث عن مادة عزل الأعضاء السابقين في الحزب الوطني، لكنه يحمل في الأخير تلك الرؤية المختلفة عن هذا النسق الذي يُقدم باعتباره صحيح الدين والعقل الوحيد، وأنه النتاج الطبيعي والوحيد لتطوير ركيزة المعارف التي وضع لبنتها الرسول محمد في بلاد الحجاز.

لا يمكن أن نأخذ صورة من قرب للدكتور حسن الشافعي من دون التركيز على إسهاماته في بحثه العلمي، فهو الرجل الذي ابتعد عن ساحات الإعلام ليصب جل حياته في البحث العلمي لا في التعليقات الخاطفة على شاشات التلفاز، فهو الذي حين يتحدث تجد لكلامه دويا كبيرًا في الأوساط العلمية والفكرية، وحتى من يختلفون معه  في المنهج يتفقون قبل أي شيء على عمق معرفته وجدية أبحاثه وكتاباته، فهو من وصف المفكر الكبير عبد المجيد الشرفي كتابه "المدخل إلى علم الكلام" بأنه مرجع في العصر الحديث لا يقارن بغيره من الكتب.

ولد الشيخ حسن الشافعي في عام 1930م، وحفظ القرآن الكريم صغيرًا، والتحق بمعهد القاهرة الديني الأزهري، ثم التحق في عام 1953م، بكليتي أصولِ الدّين بِجامعة الأزهر، ودار العلوم بجامعة القاهرة، وتخصص في دراسة الفلسفة الإسلامية، ليدرس في الكليتين في وقت واحد، وكان مسموحا به في ذلك الوقت، يصفه تلاميذه ومحبيه بأنه فيلسوف ومتكلم وصوفي ولغوي وأزهري درعمي، وأنه إمام متحقق بما يدعو إليه قبل أن يكون عالمًا محققًا، وقد أصدر الشافعي في مسيرة بحثه العلمي منذ عام 1971، عشرة كتب بالعربية في الفلسفة الإسلامية والتوحيد وعلم الكلام والتصوف، وأكثر من 30 بحثًا علميًّا في العديد من المجلات والدوريات العلمية في مصر والخارج، وخمسة نصوص تراثية محققة، وأربعة كتب مترجمة إلى الإنجليزية، هذا فضلاً عن الإشراف والحكم على عشرات من الرسائل الجامعية في مصر والعالم العربي وباكستان وماليزيا.

من مؤلفاته وأبحاثه: الآمدي وآراؤه الكلامية، علم الكلام بين ماضيه وحاضره، فصول في التصوف، التيار المشائي في الفلسفة الإسلامية، أبو حامد الغزالي “دراسات في فكره وعصره وتأثيره”، الإمام محمد عبده وتجديد علم الكلام، المـدخل‌ إلى‌ دراسة علم الكلام‌، وشهادة أزهري معاصر على مسار التحوّل الديمقراطي في مصر.

وقد تقلد الشافعي عديد المناصب الرفيعة ونذكر منها:

رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء الصوفية، ورئيس الجامعة الإسلامية وعميد كلية الشريعة في إسلام أباد، ووكيل كلية دار العلوم، وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة، وكبير مستشاري شيخ الأزهر، وحين تقلد منصب رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة في فبراير 2012، كان هو أول أزهري يعتلى هذا المنصب.

* باحث مصري

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق