الإنتاج المعرفي والعلمي العربي: وقفة نقدية
08 اغسطس (آب) 2014 01:00 | 0 تعليق
جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية –(أرشيفية)
الإنتاج المعرفي والعلمي العربي: بين تراث تقليدي ثقيل وعقل علمي مفقود
تقدم لنا كثير من مراكز الأبحاث العربية والدولية -في إحصائياتها وبياناتها السنوية والنصف سنوية (1)- أرقاماً ومعدلات منخفضة مخيفة حول ضعف الإنتاج المعرفي العربي، بما فيه انخفاض نسبة مساهمة العرب في ساحة الإنتاج العلمي والمعرفي العالمي(2)، بما يؤشر على وجود تناقص كارثي رهيب في هذا المجال المهم لتطور الدول والمجتمعات.
بالطبع، هذا التناقص -في هذا الموضوع الحيوي والخطي- ليس ابن اللحظة الراهنة، بل هو وليد أزمان سابقة، ومحصلة لتراكم سنوات وعقود طويلة من حالة اللا إبالية الرسمية تجاه كل مواقع وشؤون مجتمعاتنا العربية، بما فيها العلم والمعرفة والإنتاج.
هذه الحالة الفوضوية طبعت سياسات واستراتيجيات عمل حكومات ونظم العالم العربي منذ عهود الاستقلال الشكلي، حيث اهتمت مؤسسات الحكم العربي الرسمية -التي أعقبت ذلك العهد- بتثبيت أوليات حكمها وملكها العضوض، القائم على الفردية والتسلطية والطغيان، على حساب إضعاف بنية وقوة مجتمعاتها الطبيعية المحركة من موارد وإمكانات وطاقات بشرية وطبيعية، واستثمرت بصورة واسعة وكبيرة في هذا المجال، حتى أنها جيّرت كل شيء في سبيل خدمة مواقع الحكم والكرسي.
ويمكننا أن نعتبر هنا أن ارتفاع معدلات الفساد، والتهرب الضريبي وتهريب الأموال إلى الخارج(3)، وانتشار النهب العاري لثروات النفط والغاز وباقي المواد الخام الهائلة التي يتميز بها وطننا العربي، كان من أكبر أسباب بقاء العرب على حالتهم الرثة علمياً ومعرفياً وتقنياً، حيث أنه وبدلاً من استثمار الأموال الناتجة عن بيع تلك الثروات (المفترض أن تكون نعمة لا نقمة علينا) في أعمال البحث العلمي وتطوير بنية المعرفة العلمية والتقنية والصناعية، يقوم العرب باستثمارها كرساميل طفيلية في السياحة والعقارات وشراء المدن والقرى والفنادق والمولات العالمية هنا وهناك.. بما يعطينا فكرة واضحة عن ضحالة التفكير العقلي العربي، وتغييب أحد أهم أبعاده وأوجهه وهو البعد العلمي البحثي(4) القائم على العلم والمعرفة والتأهيل والخبرة وتراكم التجربة
وبالمحصلة، ماذا يعني ذلك؟..
يعني أننا إذا بقينا على هذه الحال فسنستبعد كلياً من مواقع وساحات الإنتاج المعرفي العلمي والتكنولوجي العالمي قريباً جداً، لأن العالم يسير بسرعة مطردة علماً ومعرفة وإنتاجاً علمياً ومعرفياً ومعلوماتياً، ونحن نكاد لا نلحق به، ولا نتحرك إلا مراوحة في المكان، فنحسب أننا نتحرك معه.
من هنا، ومن موقعنا كمحللين وكمسؤولين غير تنفيذيين، وحتى كمواطنين، نحن ندق ناقوس الخطر الداهم.. ونتساءل ونسأل ونستفهم ونحاسب أيضاً: ماذا فعلت نظم الحكم العربي؟!!.
وماذا قدمت حكوماتنا العربية مجتمعة أو منفردة؟! وأين صرفت تلك الأموال الهائلة القادمة من بيع موارد وثروات بلداننا؟!!.. وبماذا كانت المؤسسات الرسمية التنفيذية منشغلة ومشغولة (أو مشغّلة حالها) عن بناء واستنهاض وتمدين وتحديث بلدانها ومجتمعاتها، وتربية وتنشئة أجيالها على المعرفة والبحث والتنشئة العلمية الصحيحة، وعلى زرع وبث روح وقيم العلم وأوليات البحث العلمي الحقيقي فيها، وليس البحث العلمي المفقر والبائس الذي سبق وأن رأيناه وشاهدناه وكتبنا عنه في مؤسساتنا وجامعاتنا المترهلة التي استغرق القائمون (والقيمون والمؤتمنون) عليها بالحزبية والتسييس والتآمر على بعضهم البعض، ونسوا وظيفتهم العلمية الرئيسية (التي أنفقت الدولة مليارات عليهم من أجلها) في إقامة مجتمع التقدم والتطور، وتحقيق النهضة العلمية التي لا نزال ننعتها ونصفها بالــــ"المنشودة!!!"؟!! نعم لا تزال منشودة، وإلى متى ستبقى منشودة.... الله أعلم!.
فهل من إجابات واضحة وصريحة وحقيقية وشفافة حتى لو كانت جارحة، يمكن أن تقدم في هذا المجال؟ باعتبار أن الحقيقة تجرح، وكثيرون منا لا يرغبون بتاتاً في سماعها؟!!!..
وليعلم الجميع أن الشفافية والوضوح والمكاشفة والنقد والمساءلة والمحاسبة أساس تطور الشعوب والأمم والحضارات..
طبعاً يحاول كثيرون دائماً إلقاء اللوم على الظروف والتحديات الكبيرة والأخطار الداهمة التي تحدق بنا من كل حدب وصوب، ويقولون بأن من أهم أسباب تأخر الإنتاج العلمي العربي هو حيلولة إسرائيل والغرب عموماً دون تطور العقل العربي.. يعني عدنا مرة أخرى لنغمة وعقلية "المؤامرة"، واسطوانة "الدسائس" المشروخة ذاتها لتبرير فشلنا وتقاعسنا وحالة الشلل والعجز التي نعيش ونقبع في داخلها..
ونحن حقيقة لا ننفي وجود شيء اسمه مؤامرة، بل نعتقد أن الأمم والحضارات والدول ليست جمعيات خيرية توزع الهدايا على الناس والأمم الأخرى مجاناً..
لكن استمرارية إلقاء التهم على الآخر كشماعة نعلق عليها أخطاءنا، ولتبرير واقع عجزنا عن البناء والإنتاج والتطوير العلمي والمعرفي هو أمر بات مكشوفاً ومفضوحاً للغاية.
من هنا، أهمية الحديث عن المؤامرة حالياً (التي يعمل الكثيرون على تعميم نظريتها) لا تنبع من وجودها هكذا فجأة بلا مقدمات وعوامل جذب ذاتية داخلية محلية... فهي قائمة وموجودة منذ زمن والكل يعرف ذلك خاصة المنظرون لها، وهذا ليس اكتشافاً للبارود بطبيعة الحال (خاصةً وأن الكل جهّز عدة مجتمعه وبلده منذ زمن على قاعدة مواجهة المؤامرات والدسائس والمخططات الخارجية كماً ونوعاً ومالاً وعدة وعدداً)..
لهذا تنبع الأهمية هنا من كيفية التعاطي مع فكرة وواقعية نظرية المؤامرة، والتعامل السلبي أو الايجابي مع مفرداتها وتصوراتها ومعطياتها ومواقعها وشخوصها ورموزها.. ومواجهة نتائجها وتداعياتها بالوعي والمعرفة والخبرة وبما يؤدي إلى التقليل والحد من أخطارها وآثارها السلبية، وعدم الانخراط -بوعي أو بلا وعي- فيها، وعدم الاستجابة لها بطريقة توحي وكأن المعنيين بمواجهتها قد باتوا من عناصر جذبها وانتشارها وتعميمها.. بدلا من دفعها واسقاطها، أو الابتعاد عن الوقوع في فخاخها سياسياً وعلمياً وعملياً.
وعلى الجميع أن يدرك أن دوام الحديث عن وجود المؤامرات في مجتمعاتنا وأنها سبب لتأخرنا العلمي والحضاري، هو بحد ذاته أكبر مؤامرة على العقل العربي، وهو نوع من الهروب والاستقالة من واجب ومهمة العمل والبناء..
لقد بات عقلنا العربي للأسف مستغرقاً في نظرية المؤامرة حتى أنه بات عقلاً مؤامراتياً اتهامياً بامتياز، يلقي بالمسؤولية عن فشله على كاهل الآخر المتآمر دوماً.. وقد نسي أو تناسى أو أنسي –هذا العقل- مشاكله الذاتية وتعقيداته التاريخية وأزماته الهائلة الداخلية، وتلهى فقط (لدرجة أنه استلذ واستطاب) بنظرية المؤامرة وحكايات المؤامراتيين والمخططات والدسائس التي يحيكها الآخرون لنا.. مع أن هؤلاء الآخرون، نجحوا (ولا يزالون ينجحون) في كل شيء، علماً وعملاً، ونحن فشلنا (ولا نزال) في كل شيء.. وكان ما كان من قصة الفشل التنموي والحضاري المقيم، وضعف الإنتاج المادي والعلمي، وهزالة المعرفة العلمية، وكان ما كان من التحديث القشري والحداثة الكسيحة المغدورة المعروفة للجميع التي هي نتاج نظم سياسية بائسة مفلسة لم تحدث مجتمعاتها جوهرياً، بل رسخت فيها أفكر وسياسات الجمود الفكري والتشدد العقائدي، وعملت على إبقائهم مقتنعين بشكليات الدين وتجلياته دون مضمونه الحقيقي القائم على الحرية والعدل والمساواة.
ولنعلم جميعاً، أن الداخل أساس الخارج، ولا نجاح خارجي حقيقي بلا تنمية داخلية وبناء مواطن سليم معافى قادر على المواجهة والثبات.. أعطوا الإنسان حقوقه الأساسية وواجهوا (وتحدوا) به الأمم كلها..
إن شرط تفعيل قدرات الامة وزجها في معترك الصراع الحضاري البشري يكمن في العمل على تمكين الفرد المسلم من الحضور المؤثر والمنتج في ساحة العمل وهذا التمكين لن يحدث طالما أن هناك تجاهلاً (بمستويات متعددة) لفكره التراثي الذي يعتقد ويؤمن به وبقوته وفاعليته، ويواليه كنص وكسلوك مقدس..
وتبعاً لمنطق القداسة هذا، وللنتاجات الفقهية والفكرية الإسلامية التي أنتجها العقل الإسلامي (مشايخ الإسلام، ومفكروه، ونخبه) أضحت الشريعة الإسلامية من أثقل الشرائع (على عكس باقي الأديان البشرية كالبوذية والمسيحية مثلاً) بحيث أنها تجعل المسلم يصرف وقتاً وجهداً ومالاً في غير طرق وموارد العلم والتنمية والبحث العلمي الحقيقي.. واهتمام المسلم يصبح على الدوام متمحوراً ومتركزاً في قضية واحدة وهي عمله الحثيث وسعيه وقيامه الدائم بواجب تنفيذ وتطبيق تعاليم وحيثيات وضوابط ومعايير تلك الشريعة المنتجة تاريخياً في عصور مضت من قبل العقول الفقهية الوعظية المسجدية العتيقة.. مع أن كثيراً جداً من تلك التعاليم والتشريعات والأحكام و"الإلزامات" الدينية التي تناقلتها -ولا تزال تتناقلها ألسنة الفقهاء ونصوص كتب الأحكام الشرعية- ليست مقدسة (لا شكلاً ولا مضموناً، سوى كعرف وتقليد) بل هي موروثة ومستنبطة من العادة والتقليد والعرف.. كالعرف العربي القبلي الجاهلي.. أو حتى العرف الواقعي الراهن.. أما أحكام العقل، وعملياته، فلا تزال بعيدة التحقق والمنال.. مع أن المفاهيم الحكمية الشرعية، هي أحكام معلولة للحالة الإنسانية، وحاجات الإنسان في حياته متغيرة، فلهذا يجب أن تدور تلك الأحكام (المعبرة عن تلك الحاجات) بحسب الظروف والأحوال، وذلك بالنظر لتغير الثقافة والزمان والمكان، مما يفرض تغيراً في كثير من المبادئ والأحكام.
والحاجة تقتضي دوماً تجديد كثير من الاحكام نظراً لتغير عللها وظروفها المكانية والزمانية..
* كاتب سوري
...
مراجع:
1 ـ يمكن بهذا الخصوص مراجعة كثير من تقارير التنمية الإنسانية العربية السنوية في إصداراتها المتعددة التي بدأت بالصدور منذ العام 1990م، وذلك من خلال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP). راجع: (http://www.un.org/ar/esa/ahdr/).
2 ـ تفاصيل الأرقام على الرابط التالي:
http://www.un.org/ar/esa/ahdr/pdf/ahdr02/ch5.pdf، وهو رابط الفصل الخامس من تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002م، والذي يكشف من خلال الأرقام والبيانات والجداول والاحصائيات العلمية الحقيقية المقدمة تفصيلياً عن واقع العلم والتعليم والمعرفة في الوطن العربي، عن ضعف وهزالة هذا الواقع، واقع البحث العلمي والمعرفة والإنتاج العلمي في عالمنا العربي..
3 ـ تقول الأرقام بأن الاقتصادات العربية المنهكة بالبطالة والديون والفقر تحتاج إلى 500 مليار دولار حتى تتعافي تدريجياً.. وتشير التقارير الدولية إلى أن الأثرياء والمستثمرين العرب والمسلمين لديهم في البنوك الغربية ما يصل مجموعه إلى حوالي أربعة ترليونات (4000 مليار) دولار أميركي.. وهو رقم يعادل ثمانية أضعاف ما تحتاجه الأمة الإسلامية لبناء نهضة اقتصادية غير مسبوقة. (راجع: http://www.al-madina.com/node/538189?risala رابط لتحقيق صحفي تحت عنوان: "مستثمرون يهربون بـ 4000 مليار دولار للخارج واقتصاديات العرب والمسلمين تنهار!!").
4 ـ ولنقرأ بالأرقام، بحسب ما أشار إليه تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام2002 في فصله السادس صفحة 81 (راجع:
http://www.un.org/ar/esa/ahdr/pdf/ahdr02/ch6.pdf) طبيعة العقل التنموي العربي الرسمي الذي قادنا إلى حالة الحطام العلمي والتقني والبحثي العربي.. حيث يشير التقرير السابق إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لكل البلدان العربية بلغ عام 1999م ما مقداره 531,2 مليار دولار أمريكي.. أي ما يشكل أقل من دخل دولة أوروبية واحدة كإسبانيا التي بلغ ناتجها الإجمالي للعام نفسه 595,5 مليار دولار أمريكي.. وكان الناتج العربي قد ارتفع منذ عام 1975م من 276 مليار دولار إلى 447 مليار دولار عام 1998م، بما يعني أن متوسط معدل النمو بلغ حوالي 3,3 بالمائة.. وهي نسبة نمو جيدة ظاهرياً، لكنها –عملياً- لم تكن ذات معنى، لأنها لم تؤثر على رفاهية الفرد، كباقي الدول... لماذا؟ بسبب طبيعة السوق النفطية، وعدم كفاءة رأس المال المادي (أي أن الرأسمال العربي اشتغل في الاستثمارات البذخية الادخارية الطفيلية كما ذكرنا)، وتذبذب (وتدني) الإنتاج الزراعي.. أي العقل والإدارة.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

