العاني: الخطاب الديني السائد غارق في الطقوس والشكليات
25 يونيو (حزيران) 2014 18:00 | 0 تعليق

محمد العاني - (ذوات)
مراكش - ذوات

 أكد المدير العام لـ "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" محمد العاني أن الخطاب الديني السائد غارق في الشكليات والتشريعات والطقوس التي أفرغت العبادات من مضمونها القيمي، وأنه لم يسهم في صناعة إنسانٍ يتمتع بصفات سُلوكية وأخلاقية حضارية، منبها إلى أننا بحاجة اليوم إلى خطاب ديني عقلاني يدعو للسلم والتعارف، منسجم مع واقعٍ متعدد الهويات والأديان والانتماءات، خطاب يؤمن بطبيعة الاجتماع المتعدد والمتنوع، خاصة أن هناك أزمة كبيرة، ودمارٌ وخرابٌ وصراعات دموية، يساهم في جزء منها الخطاب والفكر الديني السائد.            

وأضاف العاني في كلمته في افتتاح المؤتمر السنوي الثاني لـ "مؤسسة مؤمنون بلا حدود"، الذي انعقد بمدينة مراكش يومي17 و 18 مايو (أيار) الحالي، تحت عنوان "الخطاب الديني: الإشكاليات وتحديات التجديد"، أن المؤسسة تهدف من خلال طرحها لموضوع "الخطاب الديني" استمداد روح هذا الجدلِ الخلّاق، والاستفادة من ذلك بإخراج الخطاب الديني السائد من ضيق الأفق بالواقع وضيق الصدر بالآخر، ومن ضيق الإيمان بإله خارج مخيال الطائفة أو الجماعة.

وشدد العاني على الارتباك الذي  يعرفه "الخطاب الديني السائد أو –الخطابات-"على مستوى التوليف والتوفيق بين الواقع والراهن، وعلى مستوى طرائقِ التعاملِ مع أصولِها ومرجعيّاتها الفكرية، وفي كيفيةِ تجْلية علاقتِها على مختلف المستويات، سواءً الروحية أو الاجتماعية أو السياسية والاقتصادية، منبها إلى أن معظم المثقفين والمفكرين في العالم العربي، وشرائحَ عريضةٍ من رجال الدين؛ يؤمنون بضرورة تجديد ونقد الخطاب الديني السائد، وأنهم على قناعةٍ تامة بضرورة تخليصِه مِنْ عناصر الإقصاء والتطرف.

وخلص العاني إلى أن "مؤمنون بلا حدود" حينما أطلقت هذه المؤسسة، فإنها قصدت الخروج عن التعريفات الإيمانية السائدة والمبنية على محدِّداتٍ عقائدية، وانفتحت على كل الباحثين الشباب بالعالم العربي، متخذة من الإيمان سندا شعوريا وعملي لها، حيث تمكنت خلال سنة واحدة، وضمن إمكانياتِها التواصلية المتواضعة، وأدواتِها الإعلامية والترويجية البسيطة؛ منى خلق شبكة تضم المئات من الباحثين، وعشرات الآلاف من المهتمين، وأنجزت مئات البحوث والدراسات، وعشرات الكتب والندوات، وأطلقت عدة مشاريع بحثية، وتقريرا عن الحالة الدينية في مصر.

أما فيما يخص ما هو قادم من أعمال المؤسسة، فذكر العاني أن المؤسسة ستعمل على رفع سوية البحث العلمي والأكاديمي إدارة وتنظيما وشروطا، وأن هناك عدة مشاريع جديدة سنعلن عنها عندما تكتمل.

وفيما يلي نص كلمة محمد العاني:

"من خلال تجربة مؤمنون بلا حدود الوجيزة قدَّمنا أملاً وبرهاناً جلياً، على وجود تيارٍ كبيرٍ من الباحثين الشباب؛ قادرين على تشكيل علامةٍ فارقةٍ في حقل الفكر والثقافة العربية؛ فيما لو أعطي الفرصة الملائمة، وقُدم له الدّعمَ المناسب...

فخلال سنة واحدة وضمن إمكانياتِنا التواصلية المتواضعة، وأدواتِنا الإعلامية والترويجية البسيطة؛حظينا بشبكةٍ تضم المئات من الباحثين، وعشرات الآلاف من المهتمين، وأنجزنا مئات البحوث والدراسات، وعشرات الكتب والندوات، وأطلقنا عدة مشاريع بحثية وتقرير عن الحالة الدينية في مصر يشتغل عليها أكثر من مئة باحث شاب...

نحن نفخر بالشهادات التي تأتينا من مفكرين وجهات أكاديمية تشيد بقيمة الأعمال التي تنشرها المؤسسة، وفخرنا الحقيقي هو أن معظم الباحثين من فئة الشباب غير المعروفين والمغمورين في حقل الثقافة والفكر.

فيما يخص المؤتمر السنوي للمؤسسة فهو يطرح سؤالا إشكالياً يستشف همومَها القادمة، والمواطنَ التي تحتاج إلى اهتمامٍ أكبر. وهذا العام نطرح سؤال "الخطاب الديني: التحديات وإشكالات التجديد".

الخطاب الديني نشاط تواصلي

أهمية موضوع الخطاب الديني؛ أنه نشاطٌ تواصليٌ يبتغي الجمعَ والتوفيقَ بين متطلبات الواقع المختلفة، وحاجات الناس، وبين فكرٍ ديني يختزن بداخله قيم العلاقة مع الله والمقدَّس والواجبات الدينية. وهذا الأخير كما نعلم، يتضمن الكثير من العناصر التاريخية، والتقاليد، والأعراف، وفيه من الخرافات، وأيضاً ما لا يخفى على الباحث من عناصر الصراعات السياسية التاريخية، وفيه أيضاً ما هو أصيلٌ وعقلاني ومُشرق. ولقد عرفنا في تاريخِنا خطاباً وفكراً دينياً؛ أنتج علم الكلام، ومدارس متعددةٍ في النظر الأصولي والاستنباط الفقهي، وفي الفلسفة وغيرِها، فكان من بين علمائِنا؛ ابن خلدون وابن سينا والفارابي وابن رشد والغزالي وابن عربي وغيرهم الكثير.

 القضية، ليست في سحب هذا الفكر أو انتقاء المُشرقْ منه بطريقةٍ تلفيقيةٍ، أو لغرض الاستعراض والتباهي، وإنما القضيةُ هي في استمداد روح هذا الجدلِ الخلّاق، الاستفادة من ذلك بإخراج الخطاب الديني السائد من ضيق الأفق بالواقع وضيق الصدر بالآخر، ومن ضيق الإيمان بإله خارج مخيال الطائفة أو الجماعة.

نحن بحاجة إلى خطابٌ دينيٌ عقلانيٌ يدعو للسلم والتعارف ومنسجمٌ مع واقعٍ متعدد الهويات 

الخطاب الديني السائد أو –الخطابات-"مع تشابهها في بنيتها العميقة"، تعاني ارتباكاً حقيقياً في قضية التوليف والتوفيق بين الواقع والراهن، وفي طرائقِ التعاملِ مع أصولِها ومرجعيّاتها الفكرية، وفي كيفيةِ تجْلية علاقتِها على مختلف المستويات، سواءً الروحية أو الاجتماعية أو السياسية والاقتصادية.

لذلك نحن بحاجة إلى خطابٌ دينيٌ عقلانيٌ يدعو للسلم والتعارف، منسجمٌ مع واقعٍ متعدد الهويات والأديان والانتماءات، ليس على مستوى العالم المفتوح فقط، وإنّما داخلَ الوطن الواحد، وفي المستوى الإقليمي المتداخل؛ يؤمن بطبيعة الاجتماع المتعدد والمتنوع، " ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة".

خطاب ديني قادر على تهيئة المناخَ الملائم لِدفع الفضاءِ العامِّ لإنتاج منظومات أخلاقية تنهض بالمجتمع، وقادر على مُزايحة الخطابات التي ترتكز على التصنيف العقائدي، التي تَستغلُّها، وتستغلُّ، الصراعات السياسية، والقابلة للتوظيف إقليمياً ودولياً ضد الإنسان، وضد الجوهر الأخلاقي الدين.

معظم المثقفين والمفكرين في العالم العربي، وشرائحَ عريضةٍ من رجال الدين؛ يؤمنون بضرورة تجديد ونقد الخطاب الديني السائد، وعلى قناعةٍ تامة بضرورة تأمينه ضدَّ، وتخليصِه مِنْ؛ عناصر الإقصاء والتطرف...ولكن هناك مستوياتٌ مختلفة، ورؤى وأدوات ومناهج متعدد لكيفية عمل ذلك. وبغض النظر عن اختلافِ وجهاتِ النَّظر، وتَحفُّظ البعض على أفكار ومناهج البعض، فإن الرهان الحقيقي يكمن في حوار هذه الأفكار، والتفاعل بينها بأسلوبٍ علمي وأخلاقي دون اتهامات أو تخوينٍ، ودون استخدام العناصر الأيديولوجية من أجل إثبات وجهة نظرٍ ضد أخرى، حتى لا نقع فريسةً الفرز الطائفي لأجل تبرير النقد، أو نقد النقد... 

 

الفكر  الديني جزء من مشكلة العالم الإسلامي

هناك أزمة كبيرة وواقع ملموس وحقيقي، هناك دمارٌ وخرابٌ وصراعات دموية، والخطاب والفكر الديني السائد جزءٌ من المشكلة.

 ولا أحتاج إلى سرد الأدلةِ أو الحججِ على ذلك، ولن أدخل في السِّجال الاعتذاري أو التبريري حول خطأ ذلك، واتهام أطراف بانتقاء خطابات دينية معينة وتعميمها على المسلمين ككل. فهناك فعلاً الكثير من الاتهامات غير الموضوعية والمنطقية، وتهويل وترهيب؛ ندرك أنه يخلقُ مشكلة بدل أن يعمل على حلّها. فلا الدفاعُ اللاَّموضوعي، ولا الاتهام والتعميم يُجديان، أو يُقدِّمان حلاًّ لمشكلتنا...

ولكن أيضاً، علينا أن نعترف، وبغض النظر عن المسائل سابقةِ الذكر، أن الخطابَ والفكرَ الديني السائد، لم يسهم في صناعة إنسانٍ يتمتع بصفات سُلوكية وأخلاقية حضارية...

الخطاب الديني غارقٌ في الشكليات والتشريعات والطقوس التي أفرغت العبادات من مضمونها القيمي؛ فالمتديِّن والمُؤمن هو من يقيم هذه الشعائر والطقوس. أما الصدقُ والنزاهةُ والأمانةُ وعدمُ الغشِّ وإتقانُ العملِ والإنصافُ والنظافةُ إلخ.... فهي اعتبارات ثانوية في سُلَّم القيم.

لم يسهم الخطابَ والفكرَ الديني السائد في صناعة إنسانٍ يتمتع بصفات سُلوكية حضارية

ونتيجة لهذا التكلُّس والاحتفاء بالأنماط السكونية والشكلانية في الفكر الديني، بِتنا نسمع خطاباً مفارقاً للواقع عاجزٍ عن خلق جدلٍ حقيقي مع الواقع، ويختزل جدلَ القِيم والخُلق مع الواقع والذات في إطار الشكل والمظهر والقشور. وفي الطرف الآخر هناك خطابٌ ديني سياسي فاعلٌ منغمسٌ في حِرابات الواقع وصراعاته السياسية، ومشحونٌ بالشعارات والادعاءات، ويبني فاعليته وانتشاره على بساط العجز الذي يعاني منه الخطاب الديني الفقهي والوعظي في تفاعله مع الواقع، ويدفع – أي الخطاب الديني السياسي - بقيم أخرى مرهونة لغايات سياسية وتّحشيدية.

يمكن للدين أن يقدّم خطاباً فاعلاً "أخلاقي وعقلاني مؤمن" خارج الإطارين السابقين؛وذلك عندما تتفتح الروح العقلانية والمعرفية النقدية في قراءة أصولنا وموروثنا الديني وفي قراءة الواقع.

الفاعلية الحقيقية الرشيدة تنبني على المعرفة والحرية، فالحرية أصل في تكوين الإنسان، والمعرفة شرط الاستخلاف، وبدونها لا معنى للحرية ولا انوجاد حقيقي لها. والإيمان يسند ويزكي تمثل هاتين القيمتين في سبيل تحقيق الفلاح.

وعندما يُناقضُ الدين هاتين الركيزتين، فإنه يتحول إلى أداة تسلطٍ وإكراهٍ...

دون تحقيق شرط الحرية "وأعني المعرفة والوعي" لن تكون هناك حرية، سنبقى نصنع ديكتاتوريات تهدم ديكتاتوريات أخرى.... وقد رأينا كيف أن موجاتِ الغضب التي ضربت دول عديدة في العالم العربي؛ هدمت أنظمة ديكتاتورية وبنت أخرى بديلة، ومازالت تهدم وتبني أخرى بأشكال مختلفة وبالاستناد إلى مشروعيات عجيبة غريبة...

نحن نسعى لتأسيس خطاب ديني فاعل يرتكز على شَرطيْ الحرية والمعرفة، وعلى إيمانٍ بلا حدودٍ عقائدية وغاياتٍ طقوسية مفرغة من مضمونها القِيمي والأخلاقي...

مؤمنون بلا حدود وإشكالية الاسم

عندما أطلقنا المؤسسة، فإننا بهذا المعنى أطلقنا خطاباً اتخذنا له عنوانَ: "مؤمنون بلا حدود"، وبسبب التعريفات الإيمانية السائدة والمبنية على محدِّداتٍ عقائدية، ذات مكونات تاريخية، استشفَّت صراعاتٍ سلطوية وطائفية؛ أصبح هذا العنوان إشكاليةً في حد ذاته، ومثاراً للجدل ومدعاة للرَّمي باتهامات مختلفة.

إننا وبكل وضوحٍ، ننظر إلى الإيمان كسندٍ شعوري عملاني؛ يهدُف إلى تعميق الالتزام الأخلاقي، ومساندة العقل في مواجهة الامتحانات والتحديات والصعوبات، التي تلازم الالتزام بها في حياة الإنسان على امتدادها....

نحتاج لهذا الإيمان العميق، حتى لا تنسحقَ القيمُ والأخلاقُ أمام المغريات المادية والإكراهات، ويقع الإنسانُ فريسةَ الفجور الذي هو أصلٌ فيه أيضاً " ونفس وما سَوَّاها فألهمها فجورها وتقواها". عندما لا نؤمن بما يسنِد قناعاتنا القيميّة والأخلاقية الخيِّرة، وفي ظل الفجوة الكبيرة بين العالم الأخلاقي الذي نريده والعالم الذي نصنعه؛ فسوف تتلبسنا مشاعر ازدراء الحياة واحتقار الذات، أو على النقيض من ذلك ازدراء القيم والأخلاق واعتبارها غير ذات معنى أو جدوى.

تتلمس مؤمنون بلا حدود الطريق نحو تأسيس خطاب ديني فاعل وعقلاني رشيد ومؤمن

ثمة أمر آخر وهام يتعلق بتحديات الخطاب الديني التجديدي، فهو خطاب تتداوله النخبةُ المثقفةُ، وفي معظمه مغلقٌ على شرائحَ معينةٍ قادرةٌ على فهمه. وبقدر ما كانت مهمتُنا في حشد وتفعيل الحوار بين هذه النخبِ؛ واضحةَ الطريق وواثقة الخطوة، فإنها تعاني من التشويشِ وقلة الوضوحِ، في مسألة تجسير الهوة بين النخب المثقفة والمجتمع. لذلك افتتحنا العام الثاني للمؤسسة بهذا المؤتمر الذي يتحدث عن الخطاب الديني وإشكالاتِه ومعوقاتِه، محاولين الاستفادةَ من النخبة الحاضرةِ هنا، ومن نقاش الشباب المثقف؛ لتلمُّس الطريق نحو تأسيس خطاب ديني فاعل وعقلاني رشيد ومؤمن.

أما فيما يخص ما هو قادم من أعمال المؤسسة؛ فسوف نعمل في العام القادم على رفع سوية البحث العلمي والأكاديمي إدارة وتنظيما وشروطا، وهناك عدة مشاريع جديدة أيضا سنعلن عنها عندما تكتمل.كما أننا سنشرع في المهمة الأصعب؛ وهي فتح قنوات التواصل مع مختلف الشرائح الاجتماعية خارج إطار النخبة المثقفة.ولدينا هنا مشاريع جديدة سترى النور قريباً".

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق