قنديل: الحديث في الشأن الديني بالعالم العربي تهمة كبرى
26 يونيو (حزيران) 2014 18:30 | 0 تعليق

الباحث يونس قنديل خلال مشاركته في المؤتمر الثاني لمؤسسة مؤمنون بلا حدود بمراكش - (ذوات)
ذوات

يطرح الباحث في الدراسات الإسلامية الأستاذ يونس قنديل جملة من الأسئلة عن السبب الذي يدعو للبحث عن طَرْق باب الفلسفة في الدين والدين في الفلسفة؛ وهل تتعلق القضية، كما يشاع في الأوساط الأكاديمية، أو كما نتلمس نحن جميعاً في الواقع الاجتماعي، بظاهرة ما يسمى بعودة الديني أم عودة الدين. وعندما نتحدث في فلسفة الدين، فهل نسعى من خلال ذلك لفهم عودة الدين بأشكال جديدة وحسب، أم للتأسيس لحضور ديني جديد في ضوء فلسفة متجددة للدين؟

ويبين قنديل، في ندوة علمية عقدتها مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، في مقرها بالرباط، في كانون الثاني (يناير) 2014، تحت عنوان "فلسفة الدين"، أن الإجابة عن هذه الأسئلة تستلزم تفكيك الفروقات بين الديني والدين، مشدداً في الوقت نفسه على أن الحديث في التجديد في الشأن الديني بالعالم العربي "تهمة كبيرة".

يتبنى قنديل في أطروحته التي تناقش "مستجدات البحث في فلسفة الدين" النظرة للديني بكونه محايثاً ومتمفصلاً مع الحدثيّة الاجتماعية. الديني، في نظره، هو المتشكل في عمق الاجتماعي وفي خضم الاجتماع، وفي مسار الزمن والمكان تحت مؤثرات ثقافية محددة؛ فلذلك هو التفصيل؛ بمعنى هو الفقه والمعطيات التي تحدد نظرة المتدين إلى الواقع وإلى أحكامه على الواقع من خلال التفصيلات التي يستلهمها من الخطاب الملقى عليه في مراكز التعليم الديني أو في الخطابات الدينية.

في الغرب يُراد للفلسفة الدينية أن تشكل إسناداً روحياً ومعنوياً وقيمياً للمصفوفات الأخلاقية

في حين يرى قنديل أن مستجدات السؤال حول فلسفة الدين في الغرب، لا تتعلق بمدارسة عودة الديني بالمعنى الطقوسي والتشريعي، وإنما هي أشبه بـ"استدعاء" الدين بالمعنى الديني الروحي والأخلاقي؛ أي أن البحث يستهدف رصد عودة واستعادة الدين كمولد للمعاني الروحية والأخلاقية، وكخزان حقيقي للمثل بالمفهوم الميتافيزيقي، وعلى الصعيد الثقافي يراد للفلسفة الدينية أن تشكل إسناداً روحياً ومعنوياً وقيمياً للمنظومة القيمية وللمصفوفات الأخلاقية التي يتخذها مجتمع ما كمرجعية لمقايسة أحكامه الكلية على حركته الثقافية.

 

الإسلام السياسي كمُعَبِّرٍ عن المقدس

وينوه قنديل، الذي يرأس مجلس أمناء مؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، إلى أننا نعيش في العالم العربي ظاهرتين مختلفتين، ولكنهما متجاورتان، حيث نعيش ظاهرة الرجوع في البحث عن الديني؛ بمعنى أن هناك انشداداً واقعياً لإيجاد علاقة تقنينية ناظمة للتواصل بين الإنسان والله، وبين الإنسان وكونه، وبين الإنسان ومجتمعه بحيث يحدث الانتظام عبر مراعاة الطقوس وعبر الالتزام بالتشريعات، وتمظهر هذه الظاهرة يتجلى في تسيّد ما يسمى بالإسلام السياسي الذي يتميز بنظرته التقنينية لأبعاد هذه العلاقات؛ ورواج أفكار الإسلام السياسي كمُعَبِّرٍ عن المقدس وكمَعبَرٍ نحوه، يعكس انشداداً لدى الفرد الخاضع لهذا الخطاب بأن يجد حاضنة سياسية تعبّر له واقعيا وتنزيليا عن المعنى الديني الأولي الكامن في جوهر الفكرة الدينية، بمعنى أنه ثمة سؤال وهاجس يلاحق الفرد حول علاقته بالدين، ويحضه على البحث عن الدين بالمطلق، أي بالمعنى الروحي والقيمي، ولكن البحث الفردي والجماعي لا يقف عند هذا الجد بل يستغل هذه الحاجة الماسة للمعنى ليربط البحث المجرد عن المثل الأعلى بكافة إشكاليات الواقع، وخطاب جماعات الإسلام السياسي يستجيب لهذا البحث ويتوخى من خلال ذلك إيجاد تطبيقات للمثال المطلق الذي يسعى إلى تحيينه في واقعه الاجتماعي عبر تحقيق فكرة "الانتظام" تحت أواصر الالتزام الطقوسي والتشريعي المتمثلة في تمكين "الإسلام" من السلطة وتمتين السلطة بالإسلام.

أما الظاهرة الثانية فهي تفشي النفور والانسلاخ التام من الدين، وتعاظم الدعوات التي تنادي بضرورة الانبتات التام عن كل ما له صلة به حتى يتمكن العرب من الإيفاء بشروط النهوض والتقدم. وهذه ظاهرة لها خطاباتها المتنامية والتي تسترعي منا تجاوز خطاب التأثيم والتجريم إزاءها لكي نتفهم طبيعتها التي لا يمكن أن تختزل في كونها مجرد مروق عبثي من الدين، بل هي احتجاجات يسكنها الكثير من الصدق الذي لم يعد قادرا على تحمل تجاوزات الخطاب الديني المتطرف وتعديه الممارس قولاً وفعلاً على كينونة الإنسان وحياته.

من الضروري أن نعيد، بأثر رجعي، قراءة تجربة الحداثة ومصادرتها على العقل الديني

ويوضح قنديل المشهد المفعم بالتناقضات التي تعكس الفجوة بين المأمول من الدين كمجموعة مثل عليا من جهة، والسائد على مستوى التطبيقات المتبناة من جهة أخرى، بمثال بسيط، إذ لو وضع الخيار أمام المواطن العربي المسلم أن ينتخب عبر انتخابات ديمقراطية حرة لانتخب 90 % (على الأرجح) من المواطنين العرب أصحاب الخطاب الديني، ولانتخب البقية (10%) أصحاب الخطاب العلماني الديموقراطي، ولذهب الـ 90% لكي يعيشوا في الدولة التي أسست على أساس الخطاب الديموقراطي، والذي يروج له في المخيال العام على أنه يشكل ترجمة مثلى للقيم التي "تتوافق" مع الدين.

ويعزو قنديل هذا المشهد إلى أننا نعيش تبايناً حقيقياً وانفصاماً في العقل الديني بين مفهوم المصلحة التي تقوم الدولة من أجل إشباعها وضمانها ويقوم العقد الاجتماعي من أجل ضمانها من طرف، والدين الذي لم يعد قادراً، للأسف، أن يكون مسنداً روحياً وقيمياً وموجهاً للنموذج الاجتماعي أو السياسي المختار من طرف آخر، وهذه هي إحدى الإشكاليات الحقيقية في العالم العربي.

في الغرب الإشكالية معكوسة، وفق قنديل الذي يوضح أن هناك توطيداً و"توتيداً" ضامناً لمنظومة القيم المجمع عليها من خلال العقد الاجتماعي أنتجته الحداثة ضمن منعرجاتها السلبية والإيجابية، وهناك أوتاد حقيقية ضامنة لهذا الاستقرار السياسي الاجتماعي؛ فهناك نظام ضامن نوعاً ما لنمط معين في العلاقة بين الفرد وبين الدولة، وبين القانون ومرجعياته الفلسفية الظاهرة والدينية والروحية الخفية، ويعتبر هذا النظام ـ على الأقل-ـ أكثر نضوجاً من المستوى العربي الذي يعيش مرحلة التأرجح في الخيارات ولا يعرف إلى الآن ما هي القيم والمعالم الحقيقية المؤسسة لنموذجه السياسي.

 

السؤال الروحي والسؤال الديني

ويشير قنديل إلى أن الغرب متقدم بمراحل في حسمه التاريخي على مستوى تأكيد التجربة السياسية على قاعدة علمانية بحتة، وهنا تأتي المشكلة، فعندما أقفل الغرب باب السؤال الميتافيزيقي أراد أن يتجاوز مشكلة حضور الدين في الاجتماع بطريقة سريعة نظراً للدور التأزيمي الذي كان يمارسه الدين في الاجتماع السياسي، لكنه اضطر في تجربة الحداثة، وبعد استتباب المجتمعات نسبياً في إطار التعددية، اضطر الخطاب الفلسفي السياسي الغربي ـ وتحديداً في خطاب ما بعد الحداثةـ إلى أن يعيد فتح هذا الباب الذي أغلقه من قبل، ولكن ذلك لم يحدث استجابة لإلحاح السؤال الميتافيزيقي حول ماهية الألوهة والغيب، إذ ليس الملحّ إثبات وجود الله، أو الانتصار له في التاريخ، لأن وجوده (أو عدمه) ليس هو المشكلة الأولى في الغرب الآن، السؤال الحقيقي الذي يجتاح الكثيرين ممن يبحثون عن الدين في الغرب هو سؤال روحي بالمعنى الإيماني والأخلاقي، وليس سؤالاً دينياً بالمعنى الطقسي أو التشريعي، وهنا يجب أن نعيد ـ بأثر رجعي ـ قراءة تجربة الحداثة ومصادرتها على العقل الديني، ونعيد قراءة التجربة المابعد حداثية، ولنفهم عمق الهم الساكن في أسئلة الفلسفة المابعد حداثية ومحاولتها لاسترجاع الأصوات الدينية على مائدة التفاوض القيمي والاجتماعي.

ويشير قنديل في هذا السياق إلى إسهام كل من دريدا وهابرماس كفيلسوفين عاشا النقلة من خطاب الحداثة إلى ما بعد الحداثة، وعملا خارج النسق المغلق المسيحي اليهودي الذي رأى تلاحماً ضرورياً وحصرياً بين التجربة الحداثية وبين العمق الديني المسيحي اليهودي، فاستطلعا التجربة الدينية في شموليتها الكونية، وتوصلا الى أن التأسيس للعقد الاجتماعي السياسي لا يُجوّز للعلماني الأصيل في علمانيته؛ بمعنى الإنسان الدهراني الذي ينكر أي بعد ميتافيزيقي، لا يجوز له أن يكرر ذلك النمط من اللاتسامح مع الديني الذي قام ليحاربه لأنه غير متسامح، أي أنه لا يجوز للعلماني تقنين اللاتسامح الذي اتسم به الخطاب والأداء الدينيان حتى لا يكون ممن ينهون عن فعل شئ ويأتونه بطريقة أبشع ولكن أكثر ذكاء، فاللاتسامح مرفوض علمانياً لأنه يمثل بعينه السبب الذي من أجله نحّى العلماني ذلك الصوت الديني اللامتسامح والمستند على بعد ميتافيزيقي، وهذا برهان قيمي أخلاقي سياسي لا ميتافيزيقي يعكس العمق الحقيقي للسجال الغربي المتجدد حول وظيفة الدين في الاجتماع.

 

ثنائية الدين والفلسفة

وفيما يتعلق بثنائية الدين والفلسفة، يذكر قنديل أربعة مواقف أساسية مؤسسة لمواقف الفلسفة والفلاسفة من الدين؛ لا سيما في علاقته بالفضاء العام. فهناك موقف يتبنى فكرة العداوة والخصومة المطلقة، إذ ثمة ادعاء بوجود انغلاق تام في الدين والفلسفة يمنع بالقطع تنافذ إحداهما على الأخرى، حيث لا يوجد بينهما نقاط مشتركة.

وهناك موقف آخر متأصل في عقل الحداثة الغربي، ووافد من حيث التنظير في الفضاء الاجتماعي العربي، يقول بضرورة الفصل التام بين الفضائين، فهو يعترف بالحقل الديني ولكن بصفته منعزلاً مسيجاً في أروقة مخصصة له، ويتبنى في تنظيره مسلمة تقضي بانعدام إمكانية التقابل أو التلاقي بين الحقل الديني والحقل الفلسفي والمعرفي عموماً. ويقوم هذا الموقف على كون الدين شيئاً خاصاً محضاً لا علاقة له على الصعيد السياسي والاجتماعي بالشأن العام.

أما الموقف الثالث، فيقوم على فكرة التقاطع والتكامل، وهو شائع بين الفلاسفة. ومع تنظيرات ما بعد الحداثة والتنسيبات النقدية التي مارستها بدأ تروج أفكار تتحدث عن إمكانية فتح الباب أمام الدين لكي يتقاطع كمنظومة تأسيسات قيمية مع النظريات الأخلاقية بحيث يتمفصل الدين، مترجماً إلى قيم سياسية عليا، مع بعض النظريات المؤسسة للاجتماع، بل وللثقافة والمعرفة!!.

يتعين تحرير الفلسفة من أن تكون ديناً بالمعنى التاريخي للدين

في حين يقوم الموقف الرابع، وهو موجود في العالم العربي بكثرة، وموجود في الأصوليات الغربية أيضاً ولكن بشكل أقل حدة وانتشاراً، على فكرة التطابق التام، وهو يشابه في جذريته وراديكاليته الموقف القائل بالعداوة التامة والقطيعة المطلقة مع الدين.

ويرى قنديل أن وظيفة الدين والفلسفة من حيث الأصل عند الإنسان ككائن عاقل، مفكر وموجود، وككائن تاريخي واجتماعي، وظيفة هذين الفضائين بعيداً عن تعقيدات المنهجيات التعريفية للفلسفة، هي فكرة التبسيط؛ فالدين يتم تصريفه في بنى وتفصيلات فرعية كثيرة لأن المتدين يبحث مفسراً ومقلداً عن فكرة تبسيط الوجود وتبسيط حياته وتيسيرها وفقاً لمقتضيات الأرجح "شرعا"، والفلسفة كذلك تبني صروحها الضخمة والمعقدة للغرض ذاته، لأنها تتوخى تيسير المعيش وتسييره وفقا لمقتضيات الأرجح "عقلا". تكمن الإشكالية في التنظيرات الدينية والفلسفية الإقصائية في أن تصورات كلا الفضائين عن "العقلانية" و"الشرعية" متباينة إلى حد بعيد من حيث الظاهر، ولكنها متحدة في الانسياق تحت وطأة ميكانيزم الانغلاق. في التفكير المنغلق، سواء أكان دينياً أم عقلانياً، تتطابق التصورات حول العقلانية والشرعية حد التماهي المطلق أحياناً، فالعقلاني يرى أن الشرعية للعقلانية حصراً، والديني يرى أن المعقولية تشتق من الشرعية الدينية حصراً، فكلاهما يطابق بين مسلمته الأولى وما يشتق منها، ولا يختلفان إلا في تحديد ماهية هذه المسلمة التي هي العقل عند العقلاني والشريعة عند الديني. وفي الترجمة النهائية لذلك التمترس والانغلاق واقعياً نجد أن فضائيْ العقل والدين يتنافران قطعياً ونهائياً عند بعض الخطابات المتشنجة من الاتجاهين، بحيث يساوي كل منهما بين طرفي المعادلة (العقلانية والشرعية) مساواة تامة، تكون فيها العقلانية هي أم المشروعية وبنتها الوحيدة عند العقلاني الصرف، وتكون فيها الشريعة هي أم المعقولية وبنتها الوحيدة عند الخطاب الشريعاتي (من الشريعة) الصرف!!.

ويدعو قنديل إلى ضرورة تحرير الفلسفة من أن تكون ديناً بالمعنى التاريخي للدين، وأن نحرر الدين من أن يقع في اللاهوت المتغطرس النرجسي الذي يعتقد أنه يستطيع بالبرهان أن يوصل الإنسان إلى أن يصنع من الفلسفة ديناً ومن الدين فلسفة.

 

فشل العقل الفقهي

ويتابع قنديل أن تحقيق هذا الاختراق من قبل العقل الإسلامي بحاجة إلى أن نعيد لشيئين أساسيين أهميتهما القصوى في الفكرة الإيمانية، وهي فكرة الإيمان والعمل الصالح وما يرتبط بينهما من قيم كبرى ترتكز حول مفاهيم الحق والمصلحة والمنفعة والزينة.

ويبين الباحث أن البشرية بحاجة لأن تفتح مسامات الروح الإنسانية على أسئلة قديمة ولكن بروحية وذهنيات جديدة، ولذلك عليها أن تعيد الاعتبار للفكرة الإيمانية من حيث كونها إيماناً بالإنسان قبل أن تبحث عن كونها إيماناً بإله ميتافيزيقي. وهذا هو السؤال الذي يمكن من خلال إدارة السجال حوله تظهير الأهمية الملحة لكافة أبعاد الانبعاث الجديد للفكرة الإيمانية على المستوى الكوني. أما على المستوى العملي فهناك إشكالية في العالم العربي بالذات، والعالم الإسلامي عموماً، أننا لم نكتشف، بعد، مفهوم المصلحة، ولم نستطع، بعد، أن نؤثث اجتماعاً سياسياً قادراً على أن يضمن هذا الأمان والإيمان بالإنسان، وللإنسان.

وينوه الباحث إلى أن العقل الفقهي فشل في تحويل الإيمان بالفكرة الإيمانية كقابلية إنسانية لتأمين حياته ومعاشه، وكجهوزية إنسانية مطلقة مزودة من عند الله في نظام الإنسان كأحسن خلق؛ حيث تم تعطيل هذه الجهوزية وتحويلها باتجاه اتباع النمط الامتثالي لنسق ثقافي، إذ أصبح ذلك النسق هو الدين، مشيراً إلى أنه عندما أصبح هذا النمط الامتثالي هو الدين غيبت من الدين أنماطه الأساسية المتمثلة في البعدين الروحي والأخلاقي.

أكبر أعداء الحديث عن تجديد الدين، وفقاً لمتطلباته الجوهرية، هم الناس العاديون

ويؤكد قنديل أن الدين في العالم العربي "متهم" وكل من يقف مدافعاً عن الدين عليه أن يتحلى بكثير من الصبر والفهم والعقل وبروح نبوية تتجاوز شخصية الداعية وشخصية الإنسان المؤدلج حتى يدافع عن شخصية الدين الكبرى المتمثلة في قيمه الإنسانوية العميقة والراسخة رسوخ الإنسان في أشواقه وآماله بالحرية والانعتاق والسعادة.

ويؤكد قنديل أن الحديث في الشأن الديني في العالم العربي "تهمة كبيرة" فعندما يريد أحدهم الحديث عن الدين بغية تجريده من الاستلابات بأنواعها كافة تجد أن حدود التكفير والملاحقة والإقصاء تلاحقه من كل حدب وصوب، كما أنه من الصعوبة بمكان أن تتحدث بحس نقدي أو تصحيحي عن الدين في المجتمع المفتوح؛ فأكبر أعداء الحديث عن تجديد الدين، وفقاً لمتطلباته الأساسية الجوهرية، هم الناس العاديون.

ويرى أن الإشكالية في العالم العربي أننا أمام خطابات فلسفية تقصي الدين ابتداءً، دون إعمال التفكير فيه، فتتجاوزه جزافاً، وتمنع العقل الذي تدعي الفلسفة أنه أسّها وأساسها وغايتها من أن يلتحم بالتدين لكي يخلص العقل والدين معاً من استلاباتهما الذاتية. كما أننا أمام خطابات دينية تمنع الدين من أن يتحرر من استلاباته الذاتية من خلال انفتاحه على مساءلات الوجدان والعقل.

ويخلص قنديل إلى تساؤل يتمحور حول: كيف يمكن أن نتحدث عن الدين دون أن نتحدث عن تعميم عقل إنسانوي مرتبط بقيم إنسانية كبرى، وقادر على التفكير بأدوات بسيطة ليعرف أنه يمتلك بذاته ضميراً ورعاً، وضميراً قائماً على الفهم والأخلاق والمصلحة، ويفهم هِبة الدين القائمة على التلاقي والحوار والمحبة والإخلاص؟

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق