في الحاجة إلى انتزاع الصفح من التاريخ الفعلي وتكريس نسيانه
04 يوليو (تموز) 2014 11:00 | 0 تعليق

الراحل نلسون مانديلا، رائد المصالحة في جنوب إفريقيا -(أرشيفية)
ذوات

 

يقر الباحث والأكاديمي المغربي عبد السلام بنعبد العالي بالحاجة الملحة اليوم إلى الصفح والمصالحة، وترسيخ هذه الثقافة، التي سبق وأكدها الزعيم الإفريقي الراحل نيلسون مانديلا، حينما صرح ذات مرة قائلاً: "نعم للصفح، لا للنسيان".

ويضيف بنعبد العالي، في مقال له بعنوان "الصفح والمصالحة" بالموقع الإلكتروني لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، أن "الصفح عمل دؤوب لا يستقيم إلا بذاكرة حية فعالة، تستحضر الشر كما وقع بالفعل من غير تلطيف ولا تخفيف"، مشيراً إلى أن تكاثر مشاهد التوبة والصفح المطلوب اليوم يدلان على حاجة مستعجلة لهذه الذاكرة، وعلى الرغبة في التوجه الصريح نحو الماضي.

ويوضح بنعبد العالي أن الصفح "فعالية متواصلة تعمل ضد المؤسسة التي تنزع بطبيعتها إلى تدبير النسيان، وأحيانا تحت غطاء الاحتفال بالبدايات والتسامي بها، وتخليدها المتواتر الذي يجعل الواقعة مجرد يوم ذكرى"، مؤكداً أن ذلك لا يتم إلا بانتزاع الصفح من التاريخ الفعلي وتكريس نسيانه عبر الارتقاء به نحو زمن الأسطورة.

ويقدم بنعبد العالي مثالاً على ما ذكره سابقا بتنديد الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي بما سماه "ظلم النظام الاستعماري"، أثناء زيارة تاريخية له للجزائر، لكن من دون أن يقدم أي اعتذار للشعب الجزائري على هذا "الظلم"، بل جعله مقتسماً بين المستعمِر والمستعمَر، وهو ما لم يرق لبعض الفرنسيين وحتى الجزائريين.

ويؤكد بنعبد العالي أن أشكال الظلم التي طبعت التاريخ كثيرة، منها ما نتج عن الاستعمار، ومنها ما قامت به الديكتاتوريات المختلفة في العالم من قمع وتنكيل، والتي تلتها بعد سنوات اعترافات من الأطراف الظالمة بالظلم الذي اقترفته، وهو ما يفسر برأيه، مشاهد التوبة والاعتراف أو الاعتذارات التي تعج بها الحياة المعاصرة، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية.

ويتساءل بنعبد العالي عن أهمية الاعتراف بالظلم، وكيفية الاعتراف به، وحدوده، قائلاً: "هل ينبغي أن نتوقع من المعترف فضح الظلم بكل أبعاده، والجهر بالحقيقة كل الحقيقة مهما كان الثمن، ومهما كانت النتائج المتمخضة عن ذلك؟ أم ينبغي الاكتفاء باعتراف "يصمت عمّا مضى"، أو يغضّ الطرف عن جانب منه، فلا يولي نظره أساساً وجهة ما تقدّم ووَلَّى، وإنما ينفتح على مستقبل يطوي صفحة الماضي؟ هل تكفي المصالحة مع التاريخ أم ينبغي إنعاش الذاكرة؟".

بنعبد العالي: هل ينبغي أن نتوقع من المعترف فضح الظلم بكل أبعاده، والجهر بالحقيقة كل الحقيقة مهما كان الثمن، ومهما كانت النتائج المتمخضة عن ذلك؟

يفرق بنعبد العالي بين الصفح والمصالحة، انطلاقاً من تفسيرات قدمها الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، حيث رأى في المصالحة تفهماً من الضحية للمجرم من أجل تجاوز الشر وتناسيه

وبالعودة إلى المثال الفرنسي - الجزائري في مسألة الصفح والاعتذار، يقول بنعبد العالي إن الاعتذار الذي قدمه المسؤولون الفرنسيون، كانت تطبعه برودة المسافة الزمنية، كما كان يعوزه صدق المعاناة، وربما الصدق الأخلاقي أيضاً، فهم إن كانوا يعترفون بالخطأ، فإنهم لا يقرون بالخطيئة، وهو ما دفع بالمسؤولين الجزائريين إلى إبداء الاستعداد لقبول المصالحة و"طي صفحة الماضي"، رافضين ما يستلزمه الصفح من ذاكرة فعالة، تستحضر الشر ومعه الجاني، "إنهم قبلوا المصالحة، ورفضوا الصفح".

ويميز بنعبد العالي الفرق بين الصفح والمصالحة، انطلاقاً من تفسيرات قدمها الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، حيث رأى في المصالحة تفهماً من الضحية للمجرم من أجل تجاوز الشر وتناسيه، معتبراً أنه "حينما نعيد الصفح إلى وظيفته النفعية، فإنه يغدو وظيفياً، ويفقد خاصيته المميزة، ومتى ارتبط الصفح بغاية لم يعد صفحاً".

عبد السلام بنعبد العالي كاتب وأكاديمي مغربي حاصل على الدكتوراه في الفلسفة، وأستاذ جامعي بجامعة محمد الخامس بالرباط، له كثير من المقالات والدراسات العلمية، وقد نشرت له مجموعة من الكتب من بينها: "الفلسفة السياسية عند الفارابي"، و"الميتافيزيقا، العلم والأيديولوجيا"، و"أسس الفكر الفلسفي المعاصر"، و"ثقافة العين وثقافة الأذن"، و"ميتولوجيا الواقع"، و"الفكر في عصر التقنية"، و"بين الاتصال والانفصال"، و"منطق الخلل".

لقراءة رابط المقالة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق