الإصلاح ثم الإصلاح ثم المزيد من الإصلاح
01 سبتمبر (أيلول) 2014 21:00 | 0 تعليق

يونس الوكيلي*
يونس الوكيلي*

أغلب المراقبين ذهبوا إلى أن خطاب العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، قبل أيام مضت، فيه انتقاد واضح للمؤسسة الدينية في السعودية، يحمّلها مسؤولية انتشار خطاب التكفير والقتل في العالم الإسلامي. نحن أمام اعتراف أعلى مرجع سياسي في العالم السُنّي بتقصير المؤسسة الدينية التقليدية في أداء واجبها في مواجهة الإرهاب، وإن بشكل غير مباشر.

لأني لست على دراية بالشأن السعودي فإني أستعين بقراءة الدكتور خالد الدخيل، المتخصص في التاريخ السياسي والديني للمملكة. لم يتردد في وصف "المؤسسة الدينية الآن بأنها ضعيفة، وخارج السياق. ولا تعبّر عن مرحلتها، وإنما عن حالها في هذه المرحلة".

ويضيف خالد اللدخيل "ما قصدته بهذا القول أن المصدر الأول لضعف المؤسسة الدينية هو الجمود الفكري للمؤسسة ذاتها، لكنه ليس المصدر الوحيد.(...)إن السؤال الذي يفرض بالضرورة نفسه هنا هو: هل أن إصرار الدولة على إبقاء علاقتها بهذه المؤسسة على الصيغة التي كانت عليها إبان قيام الدولة في مرحلتها الأولى في منتصف القرن الـ 18مكان له دور في إضعاف المؤسسة وفي جمودها الفكري؟ الحقيقة أن بقاء هذه العلاقة على ما كانت عليه من دون تغيير يواكب تغيّر التاريخ والمجتمع، وبعد مرور أكثر من قرنين ونصف القرن من الزمن من عمر الدولة، هو مؤشر على جمود المؤسسة، لكنه قد يكون مؤشراً على ما هو أكثر من ذلك." (خالد الدخيل: الملك والعلماء: المؤسسة السياسية، صحيفة الحياة 31 أغسطس 2014).

طالب الملك عبد الله بإصلاح المؤسسة الدينية كأولوية في مواجهة الإرهاب، ولم يعد مقبولا استمرارها على حال الضعف نتيجة الجمود الفكري

أعتقد أن توجها لا يخفى من المثقفين الذين ملؤوا صفحات الصحف يدعون إلى "قداسة" المؤسسة الدينية التقليدية لن يكونوا مرتاحين لهذا الخطاب. ومن الشاق جدا أن يلحوا من الآن فصاعدا على القول أن المؤسسة الدينية التقليدية هي صمام الأمان من الاضطرابات التي تعصف بالعالم الإسلامي، وأنه ينبغي الحفاظ عليها كما هي لأجل مواجهة الإرهاب، ولابد من تخفيف حدة النقد، أو حتى الصمت، التي تتعرض له مِن قبل "المفكرين الجدد".

الغريب في الأمر أن هذه الدعوة جاءت من غير الجهة التي من المفترض أن تأتي منها. نعتقد دائما أن السياسي "جبان" والمثقف "شجاع". وهكذا ظننا أن دعوة الإصلاح الديني ينبغي أن تصدر عن المثقف لا السياسي، لكن العكس هو الذي حصل، الملك يدعو إلى الإصلاح الديني، في الوقت الذي يعتقد فيه مثقفون من لا جدوائيته. ومقالات رضوان السيد قبل أشهر على صفحات جريدة الشرق الأوسط ومشايعوه أشهر من أن نحيل عليها. ولازالت محاضرته الملتهبة في المؤتمر السنوي الثاني لمؤسسة مؤمنون بلا حدود الذي انعقد في مراكش دفاعا عن المؤسسة الدينية التقليدية وهجوما على نقاد الموروث الديني تصم الأسماع.

قد يقول قائل، وهل الملك أراد أن يتخلص من المؤسسة التقليدية حتى ترمي بهذا الادعاء؟ بدون شك لا، لكنه طالب بإصلاحها كأولوية في مواجهة الإرهاب، ولم يعد مقبولا استمرارها على حال الضعف نتيجة الجمود الفكري بتعبير خالد الدخيل، وذلك لا يتأتى إلا بالإصلاح الديني العميق، بما يقتضيه من إعادة قراءة للنصوص وفق سقف الزمن الراهن، وتجديد في الخطاب وآلياته التواصلية والمؤسساتية، والانفتاح على ثقافة العصر والمتاح للبشرية جمعاء...الخ.

الإصلاح الديني في قلب المؤسسة الدينية التقليدية هو خريطة المستقبل، وكل تأجيل لهذه المهمة يعرض المجتمع والعالم إلى دفع ثمن باهظ أكثر مما تدفعه اليوم.

 

*باحث مغربي

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق