التنوع أصل التوحد في اللغة العربية
07 يوليو (تموز) 2014 23:00 | 0 تعليق
تبقى اللغة العربية، مهما قيل عنها، من أكثر اللغات تحدثاً ضمن مجموعة اللغات السامية، وإحدى أكثر اللغات انتشارًا في العالم، يتحدثها أكثر من 422 مليون نسمة، وهي من أغزر اللغات من حيث المادة اللغوية،
وما يجدر الانتباه إليه هو أن أية لغة كي تنهض وتحقق الرقي الاتصالي والتواصلي، لا بد أن تتوفر على سلطان اقتصادي وآخر عسكري، بوصفهما دعامتين تمنحان اللغة قوتها، وهذا ما تحقق للغة العربية زمن ازدهار الدولة الإسلامية وتطورها، ولكن التراجعات التي شهدتها الأمة العربية منذ تفكك الإمبراطورية العباسية، ثم غزوة هولاكو، ثم الحركات الاستعمارية، كانت عوامل أسهمت في تراجع قوة اللغة العربية، إذ لم تعد قادرة على مواكبة بقية اللغات الأخرى التي صعدت وبرزت بفعل العنصرين سالفي الذكر، وما يجب التأكيد عليه هو أن اللغة العربية لم تتراجع كلغة، وإنما تراجع مستعملوها في إطار الانبهار باللغات الأخرى، على اعتبار أن هذه اللغات هي لغات حديثة ارتبطت بالتقنية والحداثة، دون وعي أن ثمة عوامل أسهمت في تطور اللغة.
أما في ما يتعلق بالثنائية اللغوية (لهجة ولغة)؛ فاللهجة تواصل محلي في إطار ثقافة محلية يتواصل بها أفراد وسط ما، وتصاحب هذه اللهجة لغة فصحى؛ بمعنى أن اللهجة هي مجموعة من القواعد الخاصة المستعملة بين مجموعة من الناس، بينما اللغة هي مجموعة من القواعد العامة؛ فمثلاً الفصحى العربية يتحدثها أكثر من 422 مليون، يمكن أن يصاحبها عددٌ وفير من اللهجات، علماً أن هذه اللهجات تبقى رافداً رئيساً من روافد اللغة، وقد تسهم بعض العوامل التاريخية والثقافية والاقتصادية والسياسية والعسكرية في التقعيد للهجة، حتى تصبح لغة رسمية، والدليل على ذلك أن اللغة اللاتينية تفرعت عنها لهجات تحولت فيما بعد إلى لغات رسمية كما هو الشأن اليوم في اللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو الأسبانية. أما اللغة العربية، فكانت تجميعاً لمجموعة من اللهجات العربية، وهذا هو السر في التعدد والتنوع الذي تحويه اللغة العربية، وبالتالي ظل هذا التعدد كعلامة قف أمام أي تهميش أو تذويب لغوي تحت مسمى العولمة. ومن ثم، وجب علينا إعادة الاعتبار للغتنا والرفع من شأنها عبر استعمالها استعمالاً يليق بقوتها واستجلاء مكنون قواعدها وفق ما يساير ظروف العصر.
لقد أكد عدد من الفاعلين السياسيين والمثقفين واللغويين الذين حضروا المؤتمر الوطني الأول للغة العربية، والذي شهدته الرباط - المغرب خلال يومي 25 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2013، على ضرورة النهوض باللغة العربية بوصفها مكوناً من المكونات التي يعبر بها مستعملها عن مطالبه، وبها يحقق شروط التواصل والاتصال، وهو ما يعزز دورها ومكانتها كلغة لها مقومات دينية تاريخية وحضارية. وبالتالي وجب الحرص على سلامة استعمالها وتعميمها وتقوية قدرتها التنافسية، في إطار إبداعي، يضمن التوافق والاستمرار في إطار حواري يفرض القبول كما يفرض الرفض، على اعتبار أن اللغة تمارس التواصل كما تمارس فعل الرفض. ويجدر التنبيه أن اللهجات تبقى دائماً رافداً من الروافد المعززة للغة، وبالتالي وجب الابتعاد عن كل الطروحات التي تسعى إلى خلق حدود بين اللهجة والفصحى، بل وجب القفز بالنقاشات العلمية في المنتديات الفكرية والأكاديمية والعلمية إلى النظر إلى اللغة العربية كظاهرة اجتماعية تجاوزت النخبة، ودشنت بداية طريق للنهوض بلغة رسمت معالم وجودنا الديني والحضاري عبر قرون، وهو ما يثبت هوية الانتماء بعيداً عن كل تجاذب أيديولوجي؛ ذلك أن مسألة
الإثبات والنفي في مسألة اللغة هي ثنائية يجب التعامل معها بحذر شديد، لأن ذلك سيقودنا إلى الوقوع في مطب تفتيت ثقافتنا؛ فاللغة مرآة لثقافتها، وبالتالي حفاظاً على مقومات هذه الثقافة الموسومة بالتعدد والتنوع، لا بد من استحضار جميع مكوناتها بكل أصولها وفروعها بغية بناء وطن تحكمه الشمولية التي تنفي كل التجاذبات الأيديولوجية.
* كاتب وباحث مغربي
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

