توماس مان: الأديب الساحر
15 اغسطس (آب) 2014 06:00 | 0 تعليق
الأديب الألماني توماس مان -(أرشيفية)
يعد الأديب الألماني توماس مان، أو الساحر كما أطلق عليه أبناؤه، واحداً من أبرز أعلام الأدب الألماني في القرن العشرين. خلق أدباً غزيراً عميقاً، يبعث في نفس قارئه تأملات وتساؤلات كثيرة، وقضى حياته مهتماً بالمشاكل البشرية، وباحثاً عن معانٍ إنسانية أبرزها في أدب عالج بأسمى المعاني القضايا الإنسانية الكبرى ، المرض والألم والحب والإبداع والموت.
استقرت عائلة توماس مان في ميونيخ عام 1892، ولم يتمكن من الحصول على الشهادة الثانوية بعد وفاة أبيه، غير أن كل هذه الظروف لم تقف أمام إرادة صاحب" الجبل السحري" اللامحدودة، حيث أخذ يتردد على الجامعة، بوصفه مستمعاً حراً، بهدف أن يصبح صِحافياً، ليكتب بعض القصص التي حازت إعجاب الكثيرين، ومنهم "ريتشارد ديهميل" الذي كان شاعراً مشهوراً آنذاك.
أنهى توماس روايته الأولى"البود نبروك" عام 1899 التي أتـاحت له، في ما بعد شهرة واسعة، ومكنته من تبوء مكانة بارزة في الأدب الألماني مطلع القرن العشرين. ولقيتْ كتاباته صدىً في نفوس المستنيرين المؤمنين بمسؤولية الكلمة المكتوبة، كما أسست مؤلفاته "الجبل السحري" و"فاوست" و"موت في البندقية" عالم الرواية الألمانية.
وعلى الرغم من أن روايات "مان" حققت نجاحاً كبيراً، إلا أنه كان لتفوقه ضريبة على مستوى حياته الشخصية، فبعد أن أحرزت رواية "الجبل السحري" نجاحاً منقطع النظير، ما ألهم ابن توماس، ليقرر هذا الأخير بأن يصبح كاتباً و يخطو على درب أبيه، غير أن توماس استاء لذلك إذ أنه كان يريد أن يكون لأبنائه مستقبلاً آخر غير الأدب، وما ازداد استياؤه كذلك هو حينما أصرت ابنته الكبرى "إيريكا" على أن تكون ممثلة وسافرت إلى برلين بهدف تنفيذ أمنيتها.
عاش الأديب الألماني توماس، والذي ينحدر من أسرة بورجوازية صناعية تدهورت أحوالها واضطرت في النهاية إلى بيع مصنعها في مدينته لوبيك في ميونيخ، حياة كرسها للأدب بعد أن تزوج من امرأة بورجوازية، ما سمح له بأن يبدع في أدبه، وأن يتخصص فيه. وعلى الرغم من زواجه، فإن إنتاجاته الأدبية عكست الجانب الخفي من حياته، كمثليته التي تجلت في روايته "موت البندقية".
غادر توماس ألمانيا إلى أميركا، بعد ظهور النازية، وخوفاً من غرق أدبه في السياسة تأخر عن الالتحاق بالنضال ضد النازية ظنا بأن فعله هذا سيغير المسار الحقيقي الذي رسمته إنتاجاته الأدبية، وهي تقديم حبكة وتشويق للقارئ وإنتاج الثقافة والتأمل الفلسفي والتاريخي للأخلاق الإنسانية.
حصل توماس مان على جائزة نوبل للآداب عام 1929، ثم غادر ألمانيا برفقة زوجته بهدف إلقاء محاضرات، بعد أن قطع مع أفكاره وأطروحاته القومية السابقة من خلال كتاب صدر عام1930 تحت عنوان "مخطط إجمالي لحياتي". وعندما قرر العودة، وجد أن السياق لا يسمح بذلك خصوصاً بعد أن شرع النازيون في ملاحقة المثقفين المعارضين لسياستهم، الشيء الذي أدى به إلى التجوال وزوجته بين الفنادق التي عاشا فيها.
دعا توماس مان ، بعد نجاح هتلر، إلى التعرف على الأخطار التي تهدد الديمقراطية الوليدة، حيث طلب تشكيل جبهة من البرجوازيين والاجتماعيين الديمقراطيين لمواجهة المتشددين اليمينيين. وقام الكاتب الألماني في نفس العام بالإشارة إلى التحذير من الجور والانقلاب على الحياة البرلمانية عن طريق الكيان الدكتاتوري في كتابه "ماريون والساحر".
قرر الأديب الألماني الهجرة بعد وصول الحزب النازي إلى الحكم سنة 1933، و مقابل ردة فعله هذه، قام النازيون بسحب الجنسية عنه سنة 1936.
وبعد أن قضى بضع سنوات في السويد، اضطر مجدداً للهجرة إلى الولايات المتحدة والإقامة فيها مع عائلته. ومن هناك توجه إلى الشعب الألماني بعد اندلاع الحرب عبر الراديو بهدف إيضاح آثار الحرب وجرائم الحكم النازي بحق شعبه.
ولأن مؤلفاته و حياته كانت متميزة، عُدّ الأديب الألماني توماس من أهم الأشخاص الكلاسيكيين في عصر الأدب الألماني الحديث. وعلى هذا قامت أشهر الجامعات العالمية بتكريمه من خلال دعوتها له، ليكون بمثابة أستاذ ضيف فيها إضافة إلى منحها إياه لدرجة الدكتوراه الفخرية. ومن بين أعرق الجامعات التي كرمته جامعتي برينسيتون وجامعة وأوكسفورد. و على الرغم من أن الأديب عاش بعيداً عن وطنه، إلا أن روحه بقيت معلقة ببلاده وشعبه. وكانت عبارته في آخر عمل قدمه تحت عنوان "رجل وحيد رفع يده إلى السماء": "ربي كن رحيماً بروحي الفقيرة وبصاحبي وببلدي" من التعابير الأكثر صدقاً حول ما شعر به توماس تجاه وطنه.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

