رايشنباخ: التجريبي المنطقي
09 يناير 2015 | 0 تعليق

الفيلسوف الألمانيهانس رايشنباخ -(أرشيفية)
ذوات - نزهة صادق

يعد الفيلسوف الألماني رايشنباخ أحد مؤسسي مدرسة فيينا، وهي مدرسة فلسفية ومنطقية لفلاسفة ألمان سموا بالوضعيين الجدد، وتأثروا بالمنطق الرياضي وفيزياء آينشتاين ومنطق راسل، كما ارتبط اسمه بمالدرسة الوضعية المنطقية، وأسهم في تطور دراسة الاحتمال والاستقراء والزمان والمكان والهندسة والنسبة وميكانيك الكم والقوانين العلمية، وكان تجريبياً ومنطقياً، حتى أنه أطلق على نفسه اسم "التجريبي المنطقي".

ولد هانس رايشنباخ في مدينة هامبورغ الألمانية، وتعلم بالمدرسة العليا للتكنولوجيا بشتوتجارت وتخرج منها مهندساً مدنياً، وحصل على الدكتوراه في حساب الاحتمال، انتقل إلى برلين وامتهن التعليم ودرس الرياضيات فيها، ثم إلى غونتنغن وميونيخ، كما هاجر إلى أمريكا قبل الحرب العالمية الثانية، وعلّم في جامعة كاليفورنيا، كما تتلمذ على يده كل من الفيلسوف ماكس بورن وإرنست كاسيرر وديڤيد هيلبرت وأرنولد سمرفلد، وعلّم في جامعتي برلين وإسطنبول.

اشترك راشنباخ مع كارناب في إصدار مجلة" العلم الموحد" الناطقة باسم الوضعيين المناطقة، إلا أنه اختلف معهم في نظرية المعرفة، وتجلى اختلافه في قولهم بأن القضيتين المباشرة وغير المباشرة يكون لهما نفس المعنى، إذا كان ما يمكن أن يحقق بهما صدقهما واحداً، وخلافاً لذلك يرى رايشنباخ أن العلاقة بينهما ليست علاقة استقرائية ولكنها احتمالية، وفي هذا السياق رفض نظرية صدق المعنى وعوضها بنظرية احتمال المعنى، حيث يكون للقضيتين، حسب رأيه، نفس المعنى إذا كانت لهما نفس الدرجة من احتمالية التحقيق، وبهذا الصدد يقول بأن "العبارات العلمية عن العالم لا تساوي في المعنى بالعبارات الحسية التي تصفه ولكنها ترتبط بها برباط احتمالي، وهو يبني ذلك على إمكانية استنباط وجود حالات فيزيقية للعالم مستقلة بدرجة من الاحتمال عن انطباعاتنا عن العالم ولكنها في الوقت نفسه مسؤولة عن هذه الانطباعات" كما جاء في قاموس الفلاسفة لجمال هاشم، وبذلك حارب التفكير الميتافيزيقي، ودحض التفسير الغائي، انطلاقا من مبدأ السببية.

رفض نظرية صدق المعنى وعوضها بنظرية احتمال المعنى.

ينتمي رايشنباخ لمدرسة فيينا(1929) التي تهدف للتوضيح المنطقي لقضايا العلم والتعبير عنها بلغة رمزية صارمة، لذلك لطالما دافع عن العلم، واعتبره أفضل الوسائل المتاحة لاكتساب المعرفة، وحاول في نظريته عن المعرفة الجمع بين التجريبية، القائمة على مبدأ التحقق، وبين التحليل المنطقي للعلم ولغة العلم، وتدعى نظريته احتمالية المعنى والعبارات العلمية بنظرية الفهم الوظيفي للمعرفة، لأنها تقوم على أساس أن التأثر بأشياء العالم الخارجي، من خلال الحواس، يحدث أنواعاً من ردود الأفعال، أهمها رد الفعل اللغوي.

يرى رايشنباخ أن العبارات العلمية عن العالم لا تتساوى في المعنى بالعبارات الحسية التي تصفه،ولكنها ترتبط بها برباط احتمالي، ولذلك يقول: "الفلسفة التأملية بالفهم المتعالي للمعرفة الذي تعلو فيه المعرفة على الأشياء الملاحظة، وتتوقف على استخدام مصادر غير الإدراك الحسي. أما الفلسفة العلمية، فقد توصلت إلى فهم وظيفي للمعرفة يرى في المعرفة أداة للتنبؤ، ويؤكد أن الملاحظة الحسية هي المعيار الوحيد المقبول للحقيقة غير الفارغة...وفي استطاعة عالم المنطق في أيامنا هذه أن يبين أن هدف النزعةالعقلية لا يمكن بلوغه، وأن المعرفة المستمدة من العقل وحدة فارغة، وأن العقل لا يستطيع أن يدلنا على قوانين الطبيعة...ولقد كانت الرسالة التاريخية التي تعين على التجريبية تحقيقها هي القضاء على الثنائية العقلانية، إذ حاولت التجريبية منذ أيام الذريين والشكاك القدماء أن تضع فلسفة لهذا العالم، رافضة أن تعترف بما يتجاوزه...إن النزعة التجريبية الجديدة لم تكتف بمهاجمة المذهب العقلي بل كانت لديها أيضاً وسائل التغلب عليه. ونظراً إلى التجاء هذه النزعة التجريبية إلى مناهج المنطق الرمزي في تحليل المعرفة، فإنها تسمى أيضاً بالنزعة التجريبية المنطقية".

رفض رايشنباخ الفلسفة بمعناها الكلاسيكي معتبراً إياها مجرد كلام فارغ، وهي ليست صادقة ولا كاذبة، لأنها ليست قضية منطقية أصلاً، واعتبر أن مهمتها الأساسية تتجلى في التحليل المنطقي لجميع أنماط الفكر، ورفض الحقائق التركيبية القَبْلية، وقد اعتمد في ذلك على مبدأ "أن كل حقيقة تركيبية تستمد من الملاحظة، وأن كل ما يسهم به العقل ذو طبيعة تحليلية، وبالتالي لا يوجد وضوح ذاتي تركيبي".

رفض الفلسفة بمعناها الكلاسيكي معتبراً إياها مجرد كلام فارغ، وهي ليست صادقة ولا كاذبة.

تقوم الوضعانية المنطقية على أربعة مبادئ، وهي: التأكيد على الأساس التجربي للمعرفة، والمنهج الفلسفي، وهو منهج تحليلي ويقتصرعلى تحليل العبارات العلمية، وكون القضية إما تحليلية أو تركيبية، كما يؤكد على أن الميتافيزيقا عبارة عن لغو لا فائدة من ورائه.

وتجد الوضعانية المنطقية مصدرها أساسا في فلسفة المفكر الفرنسي أوغست كونت الوضعية من جهة، والفلسفة التجريبية عند كل من فرنسيس ودفيد هيوم وجون لوك وجون ستيوارت ميل من جهة أخرى. وتتميز عن المذاهب التجريبية الكلاسيكية بكونها لاتكتفي بالقول بأن معيار صدق الأفكار هو مطابقتها للخبرة، بل تضيف معياراً جديداً لصدق الأفكار، وهو عدم التناقض؛ لأن معيار مطابقة الأفكار للتجربة لا يصح إلا بالنسبة للقضايا الاختبارية التي تتحدث عن وقائع تجريبية. أما كل ما يخص الحقائق المنطقية أو الرياضية، فالتأكد من صحتها لا يقتضي الرجوع إلى التجربة، بل بإدراك اتساقها المنطقي.

لرايشنباخ إسهامات علمية وبحوث أصيلة ومن أهم كتبه، على سبيل التعريف لا الحصر، نجد: كتاب"نسق البديهيات في النظرية النسبية في المكان ـ الزمان"، و"أهداف فلسفة الطبيعة الحالية واتجاهاتها"، و"نظرية الاحتمالات"، و"التجربة والتنبؤ"، و"من كوبرنيكس إلى آينشتاين"، و"الأسس الفلسفية لميكانيكا الكوانتم"، و"نشأة الفلسفة العلمية"، و"الفلسفة العلمية الحديثة".

بعد أن أسس لفلسفة علمية وضعية، غادر الحياة في 9 أبريل(نيسان) عام1953 ، في لوس أنجلس.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق