ناصيف نصار: فيلسوف عقلاني ومفكر واقعي من الطراز الأصيل
25 اغسطس 2015 | 0 تعليق
المفكر ناصيف نصار
ناصيف نصار فيلسوف عقلاني ، ومفكر اجتماعي واقعي ، من الطراز الأصيل . وجَّهَتْه عزيمته الماضية وشجاعته إلى الغوص في عالم أعظم فلاسفة العمران العرب، فكانت أطروحته الرئيسة الفذة لدكتوراه الدولة في جامعة باريس - السوربون الفكر الواقعي عند ابن خلدون (La pensée réaliste d'Ibn Khaldoun ,PUF, 1967) التي لقيت ترحيباً واسعاً ونقلت إلى عدة لغات.
دافع المفكر اللبناني ناصيف نصار بقوة عن المجتمع العقلاني العلماني الحر، في حدود ديمقراطية اجتماعية إنسانية مسيّجة بالعدل. وكان أبرز من تصدى لنقد النظام الطائفي اللبناني، ودعا إلى تغييره وبنائه على أسس جديدة . عُنِيَ عناية خاصة بمشكل السلطة السياسية وفلسفة الأمر، وقرن غائيتها بجملة القيم الكونية العليا ( منطق السلطة ، 1995 ; الذات والحضور، 2008 )، يدافع بقوة عن الموقف العلماني، ويرى أن نواة أنثروبولوجية كونية تثوي في أعماقه وتقرنه بالعدل. يتمثل العلمانية، على غرار مارسيل غوشيه،
بما هي خروج الإنسان من هيمنة الدين على حياته السياسية والعقلية. ينهض في وجه الأيديولوجيا ويدافع بقوة عن الاستقلال الفلسفي وعن نهضة عربية جديدة قِوامُها العقل والحرية والعدل والتواصل العربي والإنساني.
يقول صديقه فهمي جدعان، الذي يشاركه في "العائلة الفلسفية والروحية"، والذي زامله في باريس وامتدت الصداقة بينهما إلى اليوم، واشتركا معاً في التتلمذ على كلا الأستاذين اللذيْن أشرفا على كلتييْ أطروحتيهما لدكتوراه الدولة ( موريس دي غاندياك وروبير برنشفيك) : " ناصيف.. صديقُ عمر ..هو أقربُ المفكرين العرب إلى عقلي ووجداني ..جمعتنا البيئة الباريسية وسيمينار ( شارع دي فور، وسانْسْييه) ، ولقاءات وأحاديث المقاهي المجاورة وقراءاتنا وتحليلاتنا لكتاب ( الشرعيات) العويص للقاضي عبد الجبار ، الذي نسج بيننا "المُشاكلة" التي دامت مع الزمن ..ناصيف يجسد عمق النظر ، وشفافية الروح ، وصرامة الفكر ، ودماثة الطبع، ورُقٍيّ الشمائل ، ونقاء الطوية ..والنزاهة.. وأهم من هذا كله ، عندي ، أنه صداقة نادرة .. صداقة لا تعرف الكذب ".
تجاوزت فلسفة المفكر اللبناني ناصيف نصار كل الحدود والمسافات واستشهدت بأعماله دراسات عالمية، وأسهمت أعماله الفكرية في وضع اللبنات الأولى لمدرسة عربية في الفلسفة، تستمد وجودها من مشروع نقدي يدعو إلى تكوين مجتمع عربي جديد ينبذ كل أشكال العنصرية والتعصب، ويدعو إلى تقبل الآخر في سياق أخلاق كونية ترفض الإقصاء رفضا تاماً، فهذا المفكر المرموق المتخصص في ابن خلدون وفي الفلسفة السياسية والاجتماعية يؤمن بأن للفلسفة دور كبير في إعادة صياغة المعنى للإنسان العربي،
وقد عبر عن ذلك في إنتاجاته العلمية وكتبه الوفيرة، التي جعلت منه ليس فقط من المفكرين المؤسسين للنسق فكري منفتح، بل من نقاد الطائفية والأيديولوجيات الأحادية، علماً منه أنها من أكبر إشكالات العالم العربي في صياغة المعنى الذي طرحه.
ويعتبر هذا الفيلسوف العقلاني، الفلسفة تفكيرا عقليا نظاميا في مبادئ المعرفة والوجود والعمل، ويميزهاعن التفكير الديني أو العلمي أو الأيديولوجي أو الأسطوري أو الطوباوي أو الأدبي، كما يعد ابن خلدون من أهم الفلاسفة العرب الذين أثروا في حياته الفكرية، فقد تعلم المفكر اللبناني من ابن خلدون نسقاً وطرائق فكرية متميزة للتعامل مع الواقع بمعطياته، مما أكسبه قدرة عالية على التكيف، خاصة في تناوله للواقع الجدلي الاجتماعي ولقضايا الوجود العمراني، التي تعد عنصرا مهما للتعرف على الذات العربية.
يتميز ناصيف بمعايشته لمراحل مهمة في التاريخ العربي، فقد عايش النهضة العربية مع روادها، والثورات العربية بسياقاتها المختلفة، على خلاف العديد من المفكرين العرب من الجيل الجديد، وتميز بنهجه لفلسفة تجمع بين التفاعل الثقافي والفكري للتراث العربي والحداثة الأوروبية والغربية. فهو لم يقتص فقط على هذه الجدلية من منظورها الفكري والنظري، بل أكثر من ذلك لقد دعا في آخر أعماله إلى نهضة عربية ثانية، كما نادى إلى تبني عقل التنوير فعليا وليس فقط على المستوى الشعاراتي الأيديولوجي، واعتماد نهضة قادرة على ضمان تقدم تاريخي في سياق هويات متعددة تؤمن بالاختلاف وتنفتح على الإبداع، على اعتبار الإنسان هو ذلك الكائن الذي يصنع مصيره بنفسه.
ودعوته لنهضة عربية ثانية لم تأت من عبث، فإذا لم تنجح النهضة العربية الأولى في ترسيخ الحرية كقيمة إنسانية وفي تأسيسها، إذ ما جاءت به كان مجرد محاولات مبيئة جاءت في سياق أدبيات الفكر التنويري العربي، سعت لإيجاد مقابلاً لمفهوم الحرية في تراث الفكر العربي الإسلامي، بناء على روح الحداثة وعصر والأنوار، إذ لم تتمكن من ترسيخ الحرية لا في المؤسسات ولا في التفكير الجمعي، إذ بقيت مقتصرة على المستوى السياسي بتبنيها لليبرالية، وعلى المستوى الفكري بقيت عائمة في مفاهيم فلسفية للحرية والاستقلال. وعلى الرغم من المرجعية المفهومية والفلسفة المتبناة في عصر النهضة، والتي عبأت الجمهور ودعتهم إلى الانقلابات وقوت الجوانب الأيديولوجية للطرح الليبيرالي، إلا أنها بقيت محاولات خجولة لم تحقق النجاح المأمول على مستوى أرض الواقع، مما يفسر دعوة نصار للنهضة ثانية للانخراط في مرحلة جديدة لا تعني بالأساس تكرار الماضي أو الانسلاخ منه، بل لما اصطلح عليه ابن خلدون بالانبثاق الجديد للوجود التاريخي العربي.
يعرف مسار ناصيف نصار الفكري بالتميز والاختلاف، فمن يكون هذا المفكر الأصيل؟ وما هي أهم المراحل في حياته؟
ولد المفكر ناصيف نصار في لبنان عام 1940، وحصل على بكالوريا أولى فرنسية في العلوم اللبنانية، ثم بعد ذلك نال بكالوريا ثانية لبنانية في الآداب والفلسفة. عرف مساره بالتميز، إذ نال إجازة تعليمية في الفلسفة والعلوم الاجتماعية من الجامعة اللبنانية، وكان قد انتسب إلى معهد المعلمين العالي في عام 1959، وبعدها نال عام 1962 جائزة أخرى لتفوقه البارز،
وهي الهبة التي مكنته من الحصول على منحه للتخصص في الجامعات الفرنسية في حقل الفلسفة، وقد اعتبرت هذه المرحلة مهمة لانطلاقة ناصيف نصار أحد أبرز المفكرين العرب. وبعد حياة جامعية متميزة جمعت بين الجد واكتشاف الذات في علاقتها بسياقات جديدة، حصل ناصيف على شهادة دكتوراه الدولة في الآداب من جامعة باريس (السوربون)
في حزيران عام 1967، وكان موضوع أطروحته الكبرى (الفكر الواقعي عند ابن خلدون). بعدها اشتغل مباشرة بصفة أستاذ مساعد ثم بصفة أستاذ في كلية التربية في الجامعة اللبنانية منذ عام 1967، كما ترأس في أثناء هذه المدة ، مرات عدة ، قسم الفلسفة وعمل على إصلاح المناهج التعليمية فيه لمواكبة إصلاح تعليم الفلسفة في التعليم الثانوي، ولم يقتصر عمله فقط على الجامعة اللبنانية، بل عمل أيضاً بصفته أستاذا زائرا في جامعة لوفان في ببلجيكا وذلك عام 1978.
يتميز عمل ناصيف بالتنوع والانفتاح، فقد كون مساره الثقافي بناء على قدراته الهائلة في التحليل الواقعي وفي انفتاحه على أعمال وفعاليات علمية، فقد شارك في العديد من الندوات العلمية والفلسفية في لبنان وفي البلدان العربية وفي أوروبا وأمريكا. ويعتبر أيضا من المشاركين في تأسيس الجمعية الفلسفية العربية في عمان عام 1987، التي شغل فيها منصب نائب الرئيس ما بين(1982-1992)، وأعيد انتخابه لهذا المنصب عام 1998.وشارك في تأسيس الجمعية اللبنانية لحقوق الإنسان، ورابطة خريجي الجامعة اللبنانية.
نال ناصيف جائزة الدكتور منيف الرزاز للدراسات والفكر التابعة لرابطة الكتاب الأردنيين وذلك عام 1995، وشهادة "رجال متفوقون في القرن العشرين" من المركز الدولي لسير الإعلام في مدينة كيمبردج، أنكلترا.
طرح ناصيف نصار مشروعه الفكري وأفكاره الاستباقية في مجموع مؤلفاته، ونجد من أهمها: أهم المؤلفـــات :"الفكر الواقعي عند ابن خلدون"، "نحو مجتمع جديد"، "طريق الاستقلال الفلسفي"، "مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ"، "الفلسفة في معركة الإيديولوجية"، "مطارحات للعقل الملتزم"، "منطق السلطة"، "التفكير والهجرة"، "الأيدولوجية على المحك"، "أضواء على التعصب"، "تصورات الأمة المعاصرة"، "إسهام في النقد الكلي".
بعد أن عيّن عميداً لكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة وعميداً لمعهد العلوم الاجتماعيّة في الجامعة اللبنانية، وبعد أن نال مجموعة من الجوائز، ونال رتبةالرتبة الدولية للاستحقاق (IOM) من المركز البيوغرافي الدولي في كمبريدج، بريطانيا، في 2003، لا زال اليوم المفكر اللبناني ناصيف نصار يشع في الساحة الثقافية حضورا وكتابة ولازال فكره يثير انتباه كل الجهات الثقافية المتتبعة له عن بعيد أو قريب، سواء على المستوى العربي أو الدولي، ومن بين هذه الجهات هناك الاتحاد العربي للجمعيّات الفلسفية الذي أصدر بالتعاون مع مجلّة "أوراق فلسفية" كتاباً جماعيّاً تحت عنوان "قراءات نقديّة في فكر ناصيف نصّار" (القاهرة، 2004).
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري





