"داعش"... قُلْ هُوَ مِنْ عنِد أَنْفُسِكُم
15 يناير 2015 | 0 تعليق

من تجمعات داعش القتالية - (إنترنيت)
عادل الطاهري*

"داعش" صناعة داخلية بالأساس، ونرى أن المزج في نسق تكاملي بين العوامل المادية والفكرية، جدير بتقديم تفسير للخلفيات الثاوية وراءها. إنه في الغالب – وليس دائماً - يكون الفكر إفرازاً لبنية تحتية، والدين كفكر يعبر بلغة مواربة، خاصة في حالات العنف، عن تمرد ورفض للواقع.

ثار العرب في مستهل العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين مرّتين؛ في الجولة الأولى كانت الثورة حُلماً أخضر، حمله شباب متشبع بفكر حداثي مؤمن بقيمة الإنسان ومركزيته، بينما كانت "الثورة/الفتنة" الثانية كابوساً لحُدثاء أسنان، يجرون معهم فكراً قد استنفد كل إمكانات تأويله، بُنده الأول إلغاء الإنسان، ونفيه هناك بعيداً حيث مملكة أشباح الآلهة الزائفة...

لا علينا من تفسير أسباب الثورتين، وإن كان من البدهي أن بوار ثورة الحداثة يرجع بالأساس إلى انتعاشة الفكر، الذي يحمله "حُدثاء الأسنان"، إنما يُهمنا أن نبحث عن الجذور التي أنبتت "داعش"، ذلك التنظيم الذي لفت الاهتمام وسرق الأنظار، عندما كُنا نضمد جروحنا، جروح كساد الربيع.

في البداية؛ لنلق نظرة عن مُجمل ما يُقال في تفسير ظهور داعش، إننا نواجه ثلاث أطروحات متباينة، تنحو الأولى في اتجاه الخط التآمري؛ أي أنها ترفض رفضاً باتّاً مطلقاً، أن تكون داعش بضاعة محلية نبتت لأسباب ذاتية، بينما تلقي الأخرى باللائمة على الذات، سواء كأوضاع سوسيو اقتصادية سياسية، أو فكرية براديغمية.

في الغالب – وليس دائماً- يكون الفكر إفرازا لبنية تحتية، والدين كفكر يعبر بلغة مواربة، خاصة في حالات العنف، عن تمرد ورفض للواقع.

من حيث المبدأ، نحن نقلّل من شأن العوامل الخارجية، مهما كان تأثيرها في إثارة زوبعة داعش، فلولا أن "داعش" كان حاضراً "بالقوة" - بالدلالة الفلسفية للمفهوم - في مجالنا التداولي العربي، لما استطاعت جهات خارجية متآمرة أن تفرضها "بالفعل". إن الإنسان، في آخر المطاف، كائن مريد وإرادته تنبعث من محض اختياره، ومن الصعب، بل من المستحيل، في الحالات الطبيعية أن تسوق الإنسان إلى الموت أو المخاطرة بحياته، في غياب سند شرعي، ميتافيزيقي في غالب الأحيان.

من هنا، فـ"داعش" صناعة داخلية بالأساس، ونرى أن المزج في نسق تكاملي بين العوامل المادية والفكرية جدير بتقديم تفسير للخلفيات الثاوية وراءها. إنه في الغالب – وليس دائماً- يكون الفكر إفرازا لبنية تحتية، والدين كفكر يعبر بلغة مواربة، خاصة في حالات العنف، عن تمرد ورفض للواقع، هذا ما يتبناه المفكر د. عزمي بشارة، إذ يقول: "لا السلفية الجهادية ولدت اليوم، ولا نسختها الداعشية الدموية التي برزت في قسوتها جميع التيارات وليدة السنوات الثلاث، ولا يمكن فهمها من دون فهم الاستبداد وأساليبه في حالات، مثل العراق وسوريا"([1]).

لا يخلو التراث من شواهد تعزز هذه الرؤية، فلئن كان التراثيون في الغالب يتمسحون بالفكر الخارجي، لتفسير جذور العنف داخل النسق الإسلامي، وبالضبط ينطلقون من شخصية "ذو الخويصرة"([2]) الذي أعلن تمرداً على النبي، عندما كان بصدد تقسيم الغنائم، فإن هذه الحادثة غنية بالدلالات؛ فالتمرد على قرار نبوي هنا يرجع إلى مظنة غياب العدالة الاجتماعية والتقسيم العادل للغنائم، إنه حتماً ليس سبباً دينيا محضاً هو الذي نبه في "ذو الخويصرة" النزعة التطرفية، بل عوامل اقتصادية اجتماعية. من هنا، فالطرح الذي يجعل من "داعش" إفرازاً اجتماعياً لوضع سياسي موبوء، تغيب فيه أدنى مؤشرات العدل والمساواة، له وجاهة معتبرة.

لكن، وكما قُلنا، نحن ننطلق من نموذج تفسيري يجمع بين المحددين المادي والفكري؛ فالعوامل السياسية لوحدها غير كافية لتفسير حدث جلل كظهور" داعش"، من هُنا ضرورة إلقاء نظرة على أدبيات داعش الفكرية، لمحاولة تشكيل رؤية متكاملة عن التنظيم.

 لقد اعترف مُنظر تيار "الإسلام السياسي" الشيخ يوسف القرضاوي أن أمير التنظيم "أبو بكر البغدادي" كان إخوانياً، ينتمي إلى جماعة "الإخوان المسلمين"([3])، ولعل في هذا "البوح" دلالات غنية، كفيلة برفع النقاب عن المرجعيات التي يمتح منها تنظيم "داعش"، فالفكر القطبي – نسبة إلى سيد قطب- ذو نزعة تكفيرية شديدة الغلو، لقد انتقد سيد قطب بشدة الفقهاء الذين يصدرون فتاوى فقهية في نظام سياسي لا يعترف بمبدأ "الحاكمية" ويٌعدُّ ذلك ضرباً من استنبات البذور في الهواء، إن الأولوية في نظر قطب هي إقامة دولة، تعترف مبدئياً بحاكمية الله، باعتبارها من أخص خصائص الألوهية، من هنا فثمة "حزب واحد فقط لله لا يتعداه وأحزاب كلها للشيطان وللطاغوت"([4])، وهذه النبرة الاستئصالية الطوباوية الطاغية في خطاب قطب هي ذاتها نجدها في الخطابات الداعشية على قلتها، فهي ترفض رفضاً باتاً كل الطواغيت، وتُبشر بدولة الخلافة التي ستكون بمثابة الأساس للحاكمية الإلهية.

إن تراثنا الفقهي يعج بالأحكام التي طبقت في كثير من الأحيان ذات الطابع الاستئصالي والرافض للآخر.

وهُنا يثار سؤال آخر؛ هل كان سيد قطب نفسه كمنظر أكبر، تربى جيل كامل من الحركات الإسلامية على فكره "يستنبت بذورا في الهواء"، أم إنه اتكأ على تراث متراكم مكتظ بالأحكام الفقهية ذات النزوع العنيف والصدامي؟

إنه من غير شك، أن تراثنا الفقهي يعج بالأحكام التي طبقت في كثير من الأحيان ذات الطابع الاستئصالي والرافض للآخر؛ وخاصة تلك المرجعيات التي نهل منها الخطاب السلفي المعاصر، فهذا الفكر بنية عنف صامتة قابلة للانفجار في فلتة من القانون، هل نحتاج إلى شواهد؟

في الحقيقة، النص القرآني، في غياب قراءة تاريخية واعية، تميز فيه بين "الذاتي" و"العرضي"، بين القابل للتطبيق والموقوف، يمكن أن يسهم في تفريخ هذه النزعة؛ فالقرآن نزل في أوضاع مختلفة، منها حالات حرض الله تعالى فيها المؤمنين على القتال وتصفية الآخر المختلف دينياً لسياقات تاريخية تبرر تماماً الفعل، وفي غياب القراءة الزمانية للقرآن، تصير هذه الآيات مادة خصبة، يجد فيها التطرف مساغاً لنزوعه النفسي.

كما أن المادة الحديثية التي تضخمت بالوضع، ممتلئة بالنصوص التي تنفي التعددية الفكرية، وتجعل الحق أحادي الوجه، دوننا مثلا حديث "الفرقة الناجية"، ولنقرأ هنا هذا النص الدال لعبد القاهر البغدادي صاحب "الفَرق بين الفِرق"، يقول في سياق بسطه للكلام عن هذا الحديث: "وقد علم كل ذي عقل من أصحاب المقالات المنسوبة إلى الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يُرد بالفرق المذمومة التي هي من أهل النار فرق الفقهاء"([5]). نص ناطق بنفسه عن منطوقه، يلغي مشروعية أي تأويل آخر للعقيدة (عدا الفقه)، وكتحصيل حاصل كل الفرق الإسلامية التي تشكلت في إطار الجدل السياسي، والذي اتخذ شكل جدل ديني لاهوتي، كُفار من أهل النار، بما في ذلك الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية والمعتزلة.

ذات الاتجاه الإقصائي المحرض، نجده في كتابات ابن قيم الجوزية، وهو أحد المراجع المهمة للفكر السلفي، إضافة لشيخه ابن تيمية؛ فالإمام ابن القيم يحكم في فلتات قلم معبرة عن تكفيره للطوائف الإسلامية، فيقول عن أهل الرأي: (وهم المعتزلة، وكل الفرق التي توسعت في مدخلية العقل كأساس لفهم الدين) "وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل، بل هم شر من الحُمر"([6]).

لا يتبنى تنظيم "داعش"، فكراً خارجياً كما هو شائع، ولهذاجاز لنا أن نرى فيه تعبيراً صادقا لقول الله تعالى: "قُلْ هُو مِن عِنْد أَنْفُسِكُم".

هذا نزوع كلياني إلى التكفير، يتخذ من الحكم على المستقبل الميتافيزيقي هناك سبيلا للإقصاء هنا. أما التنظيرات الجزئية، فيمكن أن نجد في كتابات ابن تيمية موسوعة متكاملة من الأحكام التي تتوافق تماماً مع التطبيق الداعشي للإسلام، سواء فيما يتعلق بالمختلف "القريب" المنتمي إلى الإسلام، أو الآخر من "أهل الذمة"، سواء اليهود والنصارى، أو في موقفه التحقيري للمرأة أو غيرها من "الداعشيات" المعروفة([7]).

من هنا، فتنظيم "داعش"، لا يتبنى فكرا خارجياً كما هو شائع، فقد تعرض هذا الفكر على مر التاريخ للكثير من الحيف، وجُعل ذلك الحائط القصير السهل التسلق، والذي تُمسح فيه كرقعة بالية كل الدماء التي تُراق، هل كان ابن قيم الجوزية خارجياً، عندما أشاد بذبح خالد القسيري لـ "جعد بن درهم" حيث يقول في نونيته:

ولأجل ذا ضحى بجعد خالد القسري                       يـــــــــــوم ذبــائـــح القــــربــان

إذ قـال إبـراهــيــم ليـــــــس خليــلـه                        كـــــلا ولا موســى الكليم الداني

شكـر الضحـية كـل صاحـــب ســنة                       لله درك مـــن أخــــي قـــربــــان

من هُنا، وتماشياً مع الفلسفة القرآنية في تحميل مسؤولية كل المصائب التي تحيق بالإنسان بالذات، جاز لنا أن نرى في تنظيم "داعش" تعبيراً صادقا لقول الله تعالى: "قُلْ هُو مِن عِنْد أَنْفُسِكُم" [آل عمران: 165]، لكن يبدو أننا لا نستفيد من عبر التاريخ بالعبارة الخلدونية الأثيرة، فإلى عهد قريب، عندما كان "آل سعود" يبحثون عن موطئ قدم راسخة، لتثبيت حكمهم والتخلص من خصمهم حليف العثمانيين يومئذ "آل الرشيد"، استقطبوا "البدو"، وبنوا الهُجر وعبأوهم بالعقيدة الوهابية، وشحنوهم بأدبياتها وأقنعوهم من خلال شيوخ سلالة "آل الشيخ"، أن كل الدول التي تحيط بهم كفرة، وسموهم "إخوان من طاع الله"، وذات مصالح سياسية سيتغير الموقف السعودي من الدول المجاورة، وهنا سينقلب السحر على الساحر، فـ "إخوان من طاع الله"، ذلك الجيش البدوي الشرس الذي يأتي على الأخضر واليابس، سيظل وفياً لما لُقّن من أدبيات رافضة للولاء للآخر وداعية للبراء، وسيتمرد على ذات السلطة التي رعته...

إنه مكر التاريخ في أبهى تجلياته.

 

*أكاديمي مغربي متخصص في التاريخ والحضارة.

 

- مقال منشور ضمن ملف العدد الأول لـ "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية "الظاهرة الداعشية: الأسباب والمخارج".

- لتصفح المقال على صفحات المجلة يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

 http://goo.gl/QbhRhh

 - لتصفح أعداد مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

 

هوامش:

[1]عزمي بشارة، من يقف خلف داعش؟ سؤال سخيف، مقال منشور في "العربي الجديد"، بتاريخ 06/08/2014

[2]في صحيح البخاري "سيخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يتجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".

[3]انظر: شريط منشور على موقع "العربية نت"، بتاريخ 14 أكتوبر 2014

[4]سيد قطب، معالم في الطريق، مكتبة وهبة، القاهرة، 1968، ص 136

[5]عبد القاهر البغدادي، الفَرقُ بين الفِرق، تحقيق محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، 2004، ص ص 12-13

[6]ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق عصام الدين الصبابطي، دار الحديث، ج1، ص 70

[7]يُنظر في تنظيرات ابن تيمية التي تتوافق مع السلوك الداعشي. رائد السمهوري، نقد الخطاب السلفي: ابن تيمية نموذجاً، طوي للثقافة والنشر، بيروت، 2010، ط1.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق