عبيدات: الإبداع يُحارب في العالم العربي من ثلاثة وحوش
31 ديسمبر 2014 | 0 تعليق

الباحث الأردني د. أحمد زهاء الدين عبيدات - (ذوات)
ذوات

أكد أستاذ الفكر في جامعة فرجينيا الأمريكية، الباحث الأردني د. أحمد زهاء الدين عبيدات أن الإبداع يُحارب في العالم العربي من ثلاثة وحوش هي السلطة والجماهير والمعاش اليومي للمبدع، مشدداً على أنه ليس ثمة مكانٍ في الأرض، يتاح فيه الإبداع بكل تسهيل، دون أي من هذه العقبات. لكن زوال واحد منها وحسب، يفتحُ كوّةً كافية للهروب من سجن الاجترار والظلامية.

وأضاف عبيدات في حوار أجراه الزميل معاذ بني عامر، ونشر في الموقع الإلكتروني لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، أن الإبداع يحتاج إلى الحرية، مذكّراً بأنالإنسان العربي في المشرق لم يحكم نفسه منذ قرابة ألف عام؛ فبعد الحكم العباسي المتهالك، جاء السلاجقة، فالأيوبيون، فالمغول، فالمماليك، فالعثمانيون؛ وكل هؤلاء كانوا قوى عسكرية غاصبة غير منتَخَبَة، ولا شأن لها بالعدالة والشرعية الشعبية، وغايتهم الكبرى الضرائب والإقطاع والجاه والهيلمان والتوسع والنهب والسبايا.

 وحذر من الانخداع ببعض الأوقاف من المساجد والمدارس هنا وهناك، فهم، بحسبه، يضحكون بها على العامة من المتدينين، كما هي الحكومات العربية اليوم.

 وهكذا، يتابع، "جاءت تلك القوى الغاصبة بغير عناية بالآداب العربية والعلوم العقلية، فانحطَّ الشعرُ العربي، وتدهور الاجتهاد والفلسفة، علاوة على تدهور المعاش، فخرج الإنسان العربي أمياً مطلقاً في الغالب".

السلطة والمعرفة

وقال عبيدات: لهذه الأسباب نفهم لماذا لا ينتج العالم العربي المعرفة، ذلك أن الذي لا يملك ثروته في الغالب، ولا السلطة على إدارتها، فكيف به ينتقل للعرض الواضح والنقد المنطقي والتخليق الواقعي في بناء النماذج المعرفية؟  لافتاً إلى أن هذه مراحل لاحقة وبعيدة في الإبداع، لا ينالها إلا من نال معاشه وسلطته أولاً.

عبيدات: أنظمتنا استبدادية والإنسان العربي في المشرق لم يحكم نفسه منذ قرابة ألف عام

ويستدرك عبيدات قائلاً: ومع طوفان الكتب العربية على الشبكة العنكبوتية، من كل الأجناس المعرفية، في السنوات الأخيرة، فإن الأمل معقود على التعلُّم الذاتي، كما يطرحه موقع خرائط المعرفة وغيره، وعلى من يحاربون أميَّتَهُم، وكذلك على من يُعينونَ على معاش المبدعين، بشرط أن تكون غايتهم الإبداعيةُ اشتغالاً (واضحاً منطقياً واقعياً) في (عرض وتجديد وتخليق) سلسلة تطور الوجود (في العلوم الطبيعية والعقلانية والاجتماعية والإنسانية).

وبيّن أن الثقافة في العالم العربي ليست جزءًا من عجلة الإنتاج المعاشي، كما هي في الغرب فناً وأدباً وتقنية وجدالاً لإدارة المجتمع؛ فالمؤرخ العربي يعسُر عليه أن يعيش من كتابه، لأنه يعلم أن بيع 3000 نسخة في عشرة أعوام من كتبه لأمة تفوق 330 مليون لن يوفر له ما يكفي من الطعام؛ فما بالك بالأستاذ الجامعي الذي ينهمك في تدريس أربعة صفوف في الفصل الدراسي، بما فيها من تصليح لمئة أو مئتين من امتحانات الطلبة أكثر من مرة، فلن يجد في الكتب أو البحوث التي ينتجها شيء يعوِّلُ فيها على معاشه، بل ولن يجد الوقت للبحث العلمي. وكذا المهندس العربي في الغالب، لا يجد مستثمرّاً يموِّلُ مخترعاتِه، فيقيم له مصنعاً يسوقها، حتى تندغم فائدة الرأسمالي بمنفعة المهندس المطوِّر للتقنيات. وهذا الاندغام التقني-التجاري بالمناسبة، هو سر ظهور الثورة الصناعية للتحالف الحاصل بين البرجوازية والمتعلمين.

خرائط المعرفة البشرية

وبخصوص مشروعه "خرائط المعرفة البشرية" الذي يرصد له نظاماً من العلامات بمثابة ست نجمات أو مراتب، اعتبر عبيدات أن خالق الحقل المعرفي هو خالق شجرة، وخالق الموضوع هو خالق فرع في هذه الشجرة؛ ففازا بالمرتبتين السادسة والخامسة على الترتيب. أما مجدد الحقل أو مجدد الموضوع، فهما لا يقتويان على التخليق، لكنهما يقومان بأخذ فروع أو جذوع، فيعيدان استزراعها في تربة جيل جديد من القراء والدارسين، في سياق مستجد من النوازل والحادثات، فكان لهما المرتبتان الرابعة والثالثة على التعاقب. أما عارض الحقل، فهو من يعتني بالجذع بعد ذوبان الخريف وتجدد الفصول. وعارض الموضوع يرعى ويقلِّمُ الفرع الجزئي كل ربيع، فنالا المرتبتين الثانية والأولى على التوالي.

عبيدات: كثيرٌ من الجامعيين العرب لم يكتبوا بحثاً واحداً في حياتهم، ولم يقرؤوا كتاباً واحداً خارج المنهاج.

وأشار الباحث الأردني إلى أن العالم العربي منذ الاستقلال، استبداديٌ في الجملة في أنظمته الملكية، وأقرب للفاشية في أنظمته الجمهورية؛ فأي إبداع سينتج في إدارة الثروة أو المشاركة في إدارة السلطة، عندما تكون أية كلمة تطلبُ الحقَّ يتبعها جلدٌ وحبسٌ واغتصاب للمحارم؟ أما جماهير أمة العرب (على ما يُستثنى منها من شباب واعد وطاقات هادرة وعقول كهلة هادئة رزينة)، فهي أقرب للأمية في الغالب. والأمية -ما أقبحها- عندي على مراتب: فالقارئ لعلامات الطرق، والمكونات الغذائية لقطعة الشكولاتة، والمستكفي بذلك طرّاً، هو أميٌّ في عالم المقالات فما فوق. وأما العاكف على المقالات الصحفية، غير المجاوز لها، فهو أميٌّ في البحوث العلمية. وأما العاكف على البحوث، غير المجاوز لها، فهو أميٌّ في عالم الكتب. ومع أنه يمكن لقارئ البحوث، من ناحية المقدرة، أن يقرأ كتاباً، لكن إذا لم يكن عنده دربة وكفاية وخبرة في إنهاء كتاب للدخول في غيره؛ فهو عاجز فعلاً، وإن كان قادراً على القراءة بالقوة ! والقارئ للكتب، غير العاكف على كتابةِ مقالاتٍ أو فصولٍ أو كُتبٍ، هو عاجزٌ في الإنتاج الكتابي، وإن بلغ الغاية في الاكتساب المعرفي.

 الجامعيون والقراءة والإبداع

ويقرّ عبيدات بأن كثيراً من الجامعيين العرب لم يكتبوا بحثاً واحداً في حياتهم، لا بل إن بعضهم لا يحسن كتابة المقال القصير! وكثير من الجامعيين العرب لم يقرؤوا كتاباً واحداً خارج المنهاج. وإذا نظرنا للتراتبية في الذكاء والتحصيل العلمي، حيث يتربع أهل الطب والهندسة والتجارة في أعلى سُلَّم القبول الجامعي العربي، وإذا عرفت أنهم يقرؤون ملخصات مستنسخة من محاضريهم، أو فصولاً مصوَّرة مجتزأة من الكتب لا يُتمُّونها أصلاً، أصابتك صعقة في كون أعلى السلم الجامعي يعاني من أمية الكتاب! ولذا تنفرُ الجماهير العربية عموماً من الكتاب، على قدر زيادته في الإبداع؛ ذلك أنه كلما زاد الإبداع، زاد طولُ الكتاب وسعةُ معلوماتِه، وتعقَّدت استنتاجاته ومقدارُ الجهد المطلوب في مدارَسَتِه وتفهمه.

ودعا عبيدات، من أجل دعم القراءة ومشاريع الإبداع في العالم العربي، إلى أن ينتقل العربُ اليوم لتأسيس مساجد العلم والمعرفة، من خلال دور النشر ومنتديات المطالعة. والطريق الثاني لدعم معاش المبدع، هو أن توقَفَ وقفياتٌ بعيدة عن عسس السلطة، ولغط الجماهير، لمن يطرقون الإبداع بكل مستوياته. وهكذا تدعم هذه الوقفياتُ السنوية أوائل التخصصات، وإرسال المبتعثين للخارج، وجوائز سنوية لمخترعات مناسبة للمناطق المحلية، كتحلية المياه، أو تكرير المخلفات، أو علاج المدخنين. ولابد من طرق أخرى، يمكن للمبدعين الزيادةُ فيها لتعبيد الطريق أمام توفير معاش لخلق بيئة إبداعية تُدخِلُ المبدعَ عجلةَ الإنتاج المعاشي.

للاطلاع على الحوار كاملاً يرجى النقر هنا

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق