قراءة في إشكاليّات الترتيب التاريخي للقرآن
02 فبراير 2015 | 0 تعليق
قرآن للتدبر -(أرشيفية)
أمر يكاد يكون مُجمعا عليه، سواء في مصنّفات المسلمين القدامى، أو في الدراسات الحديثة كذلك، ويتعلّق بصعوبة الترتيب التاريخي للقرآن، إن لم نقل استحالته. هذه إحدى مقدمات الدراسة التي يشتغل عليها الباحث التونسي نادر الحمّامي، وجاءت تحت عنوان "إشكاليّات الترتيب التاريخي للقرآن"، ونشرت في موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.
وتروم الدراسة طرح الإشكاليّات أكثر من البحث عن الحلول، كان نتيجة تقليب طويل لمحاولات ترتيب القدامى والمحدثين للقرآن ترتيبا تاريخيّا، وهي أيضاً مساهمة أخرى لبحوث في هذا المجال نفسه، انطلقت منذ سنوات قليلة لإعادة النظر في المقاربات التاريخيّة، لتشكّل القرآن وتطوّره ونشير هنا بالخصوص إلى ثلاثة أعمال أساسيّة أفدنا منها كثيرا في هذا البحث، العملان الأوّلان نقديّان يقومان على المراجعات، والعمل الثالث تقنيّ يقدّم مشروعا جديدا.
ولاحظ الباحث باقتدار أن الكثير من الدارسين المحدثين ذهبوا إلى اعتبار أنّ اهتمام المسلمين القدامى بالترتيب التاريخي للقرآن، يعود أساساً إلى المشغل الفقهي، حيث يرتبط الأمر في نظرهم بمعرفة الناسخ والمنسوخ في القرآن. ولئن كان لمثل هذا الاعتبار أهميّة، وله أيضا ما يبرّره بحكم وصول مصنّفات قديمة في علم النّاسخ والمنسوخ، وأهمّها كتاب أبي عبيد القاسم بن سلاّم (ت 224 هـ) بالإضافة إلى اهتمام المفسّرين القدامى بهذا المبحث، فإنّ الأمر يبقى في حاجة إلى تدقيق كبير، وخاصّة من جهة الأسبقيّة التاريخيّة لاهتمامات المسلمين بداية من عصر التدوين بالخصوص.
ما يذهب إليه الباحث، بل واجتهد في البرهنة عليه، أنّ الاهتمام بترتيب القرآن تاريخيّا لم يكن نابعاً في البدء من حاجات تفسيريّة أو فقهيّة بقدر ما كان ناتجا عن الانشغال بكتابة سيرة النبيّ. وهذا الاعتبار الّذي ذهب إليه له ما يبرّره موضوعيّاً، وهو أنّ أولى المصنّفات الّتي وصلتنا كانت في السيرة والمغازي، ونقصد على سبيل التدقيق سيرة ابن إسحاق، إذ يقف على اعتماد مكثّف على الآيات القرآنيّة لصياغة سيرة النبيّ، والواضح أنّ ذلك الاعتماد كان للبحث عمّا يدعم تمثّلا مخصوصا لحياة النبيّ في القرآن أكثر من استخراج حياته من الآيات.
ولأن الحديث عن موضوع الترتيب التاريخي للقرآن، يتطلب المرور على المدرسة الاستشراقية؛ فقد ارتحل الباحث بالطبع مع أعمال المدرسة في الموضوع، وفي مقدمتها كتاب "تاريخ القرآن" لتيودور نولدكهالصادر سنة 1860، والذي يُعدّ نقطة البداية للدراسات الاستشراقيّة الكلاسيكيّة في مجال الدراسات القرآنيّة، ولعلّه من المهمّ هنا، يضيف الباحث، التذكير بأنّ النواة الأصليّة لعمل نولدكه بحث آخر قدّمه هو نفسه سنة 1856 خصّصه بالكليّة لمسألة الترتيب التاريخي للقرآن، مستندا إلى بحث سابق أنجزه غوستاف فايلسنة 1844. وأهمّ ما جاء في عمل فايل تقسيم سور القرآن تاريخيّاً إلى أربع فترات، ثلاث منها مكّيّة وواحدة مدنيّة، غير أنّه لم يرتّب السور المكّيّة ترتيبا داخليّا دقيقا، ولم يقم بذلك إلاّ مع السور الثلاث والعشرين الّتي اعتبرها مدنيّة. أمّا السور المكيّة، فاكتفى بتوزيعها على ثلاث فترات ومردّ ذلك، في نظر فايل، عدم إمكانيّة التعرّف بدقّة على مراحل تطوّر الدعوة المحمّديّة قبل الهجرة إلى المدينة. وهذا الأمر مرتبط منهجيّا في نظر فايل، مثله في ذلك مثل المستشرقين الكلاسيكيّين، أنّ القرآن لا يمكن فهمه إلاّ من خلال علاقته بسيرة النبيّ.
في أهم استنتاجات الدراسة، يتضح أن الباحث اجتهد في التوقف عند بعض النماذج من محاولات ترتيب القرآن تاريخيّا دون ادّعاء استيفاء كلّ المحاولات، ودون ادّعاء التعرّض إلى كلّ مستنداتها وما تثيره من إشكاليّات، ودون أن نتوقّف عند خلفيّات، مثل تلك المحاولات، وراهن على طرح عدد من الإشكاليّات، لعلّها تكون منطلقاً لإعادة النظر في واحد من أبرز المواضيع الّتي شغلت وتشغل الباحثين في الدراسات القرآنيّة وفي السيرة وغيرهما من مجالات البحث في الفكر الإسلاميّ المبكّر تشكّلا وتطوّراً.
لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

