محمد متولي الشعراوي: عبقرية السهل الممتنع
31 ديسمبر 2014 | 0 تعليق
الفقيد محمد متولي الشعراوي -(أرشيفية)
بمجرد بلوغه الحادية عشرة كان ابن قرية دقادوس بمحافظة الدقهلية قد أتم حفظ القرآن الكريم بعد رحلة معاناة مع شيخ الكُتّاب، وعندما قدم والده أوراقه ليلحقه بمعهد الزقازيق الأزهري، وضع التراب في عينيه لكي تتورم علّهم يطردونه، لكنه فوجئ أنهم يقبلون حتى المكفوفين.
لم ييأس ذلك الطفل المتعلق بالحقل من تجنب هذا "المصير"، فحاول بمكر طفولي خداع الممتحن في حفظه للقرآن عندما تناسى بعض آياته، لكن سلامة نطقه فضحت خطته "نظر إليّ والدي نظرة كافية لأن تسحق أية رغبة أخرى غير أن أتلو القرآن، وفعلًا أسمعت الممتحن ما طلبه مني، فضحك وقال: لقد عرفت من البداية، وحتى ولو لم تكن حافظًا لأنجحتك في الامتحان".
لم يكن هذا الفلاح الصغير يعلم أنه سيغدو أشهر مفسري القرآن في العصر الحديث، بكاريزميته الطاغية التي يسّرت له تفاعلاً غير مسبوق مع الناس، وهو يشدهم مع كل كلمة دون أن يحمل سوى المصحف بين يديه، مازجاً في حديثه السهل الممتنع بين الفصيحة وعاميته الريفية المحببة التي عُرف بها بعيداً عن الابتذال الذي وقع فيه كثير من محاولي تقليده.
ولد محمد متولي الشعراوي عام 1911، وأظهر منذ صغره نبوغاً وحافظة عجيبة للشعر ومأثورات الأدب العربي التي ستكون من أهم ذخائر "إمام الدعاة". في عام 1923 حصل على الشهادة الابتدائية الأزهرية، ليدخل المعهد الثانوي الأزهري حيث حظي بين زملائه بمكانة خاصة، فاختاروه رئيسًا لاتحاد طلبتهم، ورئيسًا لجمعية الأدباء بالزقازيق. ولم يكن معهده بعيدًا عن الأزهر في القاهرة، فكان يتوجه وزملاءه إلى ساحاته وأروقته، ويلقي الخطب والشعر الذي برع بنظمه ضد الوجود الإنجليزي، مما عرضه للاعتقال أكثر من مرة.
وعلى الرغم من هذا التميز العلمي الذي حققه، لم تفارقه رغبته العارمة في البقاء بين إخوته لزراعة الأرض، وعندما أصر والده على اصطحابه إلى القاهرة ليلحقه بالأزهر الشريف، حاول عبثاً تعجيزه بطلب كميات من أمهات الكتب في التراث واللغة وعلوم القرآن والتفاسير والحديث، لكن والده فطن لحيلته، واشترى له كل ما طلب، ليلتحق بكلية اللغة العربية سنة 1937م، ويتخرج عام 1940، قبل أن يحصل على شهادة "العالِمية" الأزهرية مع إجازة التدريس عام 1943.
نشط الشعراوي في تلك الفترة سياسياً، ورغم رأيه المعروف بالإخوان المسلمين بأنهم "لا يقبلون الإسلام إلا من أفواههم"، إلا أنه كان من أشد المتحمسين لدعوتهم في بدايتها في أوائل الثلاثينيات، إذ كان يلتقي يومياً بحسن البنا نفسه مؤسس الجماعة بمقرها في حي السيدة زينب، بعد أن "بهره بعلمه الغزير وجاذبيته"، وتوطدت علاقته به، حتى أن أول بيان للإخوان كتبه الشعراوي بخط يده.
لكن خلافات الشعراوي "الوفدي" مع الإخوان بدأت مبكراً، إثر إلقائه قصيدة امتدح فيها سعد زغلول ومصطفى النحاس في الاحتفال الذي أقيم لإحياء ذكرى زغلول عام 1938، وكان السبب ما سمعه منهم بحق النحاس الذي كان يعتبره من أكثر رجال مصر وطنية "كان هذا الكلام جديدًا ومفاجئًا لي، ولم أكن أتوقعه، وعرفت ليلتها "النوايا"، وأن المسألة ليست مسألة دعوة وجماعة دينية، وإنما لعبة سياسية، وأغلبية وأقلية، وطموح إلى الحكم".
بعد تخرجه عين الشعراوي في المعهد الديني بطنطا، ثم انتقل بعد ذلك إلى المعهد الديني بالزقازيق ثم المعهد الديني بالإسكندرية، وفي عام 1950 سافر للعمل في السعودية أستاذاً للشريعة في جامعة أم القرى. وعلى الرغم من تخصصه اللغوي استطاع أن ينتزع استحسان وتقدير الجميع، عندما أثبت تفوقه في تدريس مادة العقائد.
وخلال مقامه هناك، كانت قصته المشهورة مع نقل مقام إبراهيم وتحديداً في عام 1954 إثر معرفته صدفة بالقرار، فقام بإرسال برقية إلى الملك سعود من خمس صفحات يبين فيها عدم شرعية هذا العمل، وبمجرد وصولها جمع الملك العلماء، فوافقوا على كل ما جاء في البرقية، فأصدر قرارًا بعدم نقل المقام، وأخذ بمقترح الشعراوي لتوسعة الطواف بوضع الحِجر في قبة صغيرة من الزجاج غير القابل للكسر، بدلاً من المقام القديم الذي كان عبارة عن بناء كبير يضيّق على الطائفين.
في عام 1963 وقع الخلاف بين الرئيس جمال عبدالناصر والملك سعود، فمُنع الشعراوي من العودة ثانية إلى السعودية، وعين في القاهرة مديراً لمكتب شيخ الأزهر الشريف الشيخ حسن مأمون. وفي عام 1966 سافر إلى الجزائر على رأس بعثة الأزهر، وخلال حفل الاستقبال الذي أقيم بمناسبة الذكرى الثامنة للاستقلال كانت بداية علاقته الروحية بالشيخ محمد بلقايد إمام علماء الجزائر الذي نظم فيه قصيدته المشهورة.
خلال مكوثه بالجزائر حدثت نكسة 1967، وكانت واحدة من أكثر مواقفه المثيرة للجدل عندما سجد شكراً لله "بأن مصر لم تنتصر، وهي في أحضان الشيوعية فلم يفتن المصريون في دينهم"، ولكن هذا لم يمنعه من رثاء عبدالناصر عقب وفاته عام 1970 في مقاله الشهير ".. مات جمال وليس بعجيب أن يموت، فالناس كلهم يموتون، ولكن العجيب، وهو ميت أن يعيش معنا..".
عُرف عن الشيخ الشعراوي عدم المكابرة في الحق، وليس أدل على ذلك من صورته الشهيرة، وهو يقرأ الفاتحة عند ضريح عبدالناصر عام 1995 بعد أن أتاه في المنام، وتبين له خطأ هجومه على الزعيم المصري إثر توسيعه تخصصات الأزهر إلى المجالات العلمية، وكان الشعراوي يرى ضرورة اقتصار هذه المؤسسة على العلوم الدينية.
وفي العام ذاته، كان آخر لقاء له مع الرئيس المصري السابق حسني مبارك عقب محاولة اغتياله الشهيرة في أديس أبابا، وظهر فيه مخاطباً مبارك، وهو يتكئ على عصاه متحاملاً على مرضه، وسط هتاف الحاضرين "لن أختم حياتي بنفاق، ولن أبرز عنتريتي باجتراء.. لن يحكم أحد في ملك الله إلا بمراد الله، فإن كان عادلاً فقد نفع بعدله، وإن كان جائراً ظالماً، بشّع الظلم وقبّحه في نفوس كل الناس".
حين عاد الشعراوي من الجزائر عين مديراً لأوقاف محافظة الغربية، ثم وكيلاً للدعوة والفكر، ثم وكيلاً للأزهر ثم عاد ثانية إلى السعودية، حيث قام بالتدريس في جامعة الملك عبد العزيز أستاذاً زائراً، ثم رئيساً لقسم الدراسات العليا بالجامعة عام 1972.
عرف الناس الشيخ الشعراوي، وتوثقت صلتهم به، ومحبتهم له عقب ظهوره عام 1972 مفسراً للقرآن في برنامج "نور على نور" الذي كان يقدمه أحمد فراج، ومن خلاله ذاع صيته في مصر والعالم العربي والإسلامي، وفي عام 1979 بدأ تفسيره المنتظم للقرآن الكريم. وصار الناس يترقبون برنامجه الذي تلقفته تلفزيونات العالم الإسلامي، ليستمتعوا بسماع تفسيره الذي واظب عليه حتى أواخر حياته "كلما قرأت القرآن وجدت فيه معاني وإشارات جديدة لم أدركها من قبل... إن عطاء القرآن متجدد ودائم لا يتوقف لمن يجيد قراءته".
في عام 1976م، اختاره ممدوح سالم رئيس الوزراء آنذاك، وهو في الحج وزيراً للأوقاف وشؤون الأزهر، وفي سياق إيمانه بالتعاملات المصرفية الإسلامية التي كان من أكبر المشجعين لها، أصدر قراراً وزارياً بإنشاء أول بنك إسلامي في مصر. وزادت في عهده الموارد من التبرعات وأموال الزكاة لثقتهم بنظافة يده ولما عرفوه عنه من سعة الإنفاق من ماله الخاص على المشاريع العديدة التي أقامها.
اقترح على السادات تحصين منصب شيخ الأزهر من العزل والتقاعد، وألاّ تقل رتبته عن رئيس الوزراء، وهو ما فسره البعض بطمعه بهذا المنصب، وكان رده بخلع الزي الأزهري ولبس الجلباب وغطاء الرأس المنتشر في الريف المصري الذي عرفه الناس به.
ظل الشعراوي في الوزارة حتى تقديم استقالته في تشرين الثاني عام 1978م، وكان أثار في مجلس الشعب قضية الفساد في وزارة الأوقاف، فضلاً عن موقفه من قانون الأحوال الشخصية الذي عرف بـ "قانون جيهان" ولم يقر إلا بعد خروجه من الوزارة.
أخذت المسافة بينه وبين السادات تتسع خاصة بعد حديث تليفزيوني، قال فيه: "إن الموت سوف يدرك كل البشر حتى الحكام في بروجهم المشيدة". فسافر إلى السعودية، ولم يعد إلا بعد اغتيال السادات عام 1981، وأُخذ عليه "إسرافه" قبلها في تأييده "لو كان لي من الأمر شيء لحكمت للرجل الذي رفعنا تلك الرفعة... ألا يُسأل عما يفعل"، وموقفه بتأييد اتفاقية كامب ديفيد، كما كان موقفه المثير للجدل في حرب الخليج الثانية عام 1991، بعد عدم استجابة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين لبرقيته التي دعاه فيها لإخراج الجيش العراقي من الكويت.
وعلى الرغم مما تعرض له الشعراوي أيضاً من هجوم من شيوخ السلفية كالألباني رداً على بعض آرائه الدينية كإنكاره لعذاب القبر وإجازته دفن الأولياء داخل المساجد والتوسل بالأنبياء، إلا أن مكانته في قلوب الناس لم تتزحزح، ولا يزالون يستذكرون دماثته وتواضعه الشديد في مواضع عديدة، كاتخاذه خلال فترة وزارته كرسي خيزران قريباً من الباب بدل الجلوس خلف مكتبه، وقصته المشهورة عندما رفع طلبة جامعة القاهرة سيارته افتتاناً به عقب درس ألقاه فيهم، فما كان منه عندما لمس في نفسه زهواً، إلا أن توقف عند أول مسجد صادفه وأخذ ينظف حماماته بعباءته.
في صباح يوم 17/6/1998م انتقل الشعراوي إلى بارئه، تاركاً عشرات المؤلفات، وإرثاً شفوياً لا ينسى، وأحاديث عجيبة من مريديه عن كراماته، حتى أن الصوفية أقاموا له مقاماً في محافظة الدقهلية. وكانت آخر كلماته، وهو على فراش الموت "لا يمكن أن تجد معركة بين حق وحق؛ لأن الحق واحد، ولا تطول المعركة بين حق وباطل؛ لأن الله قال (إن الباطل كان زهوقا).
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري


