الحركات الإسلامية والحراك العربي: رؤية نقدية
04 سبتمبر (أيلول) 2014 09:28 | 0 تعليق

القيادي الإسلامي الونسي راشد الغنوشي لدى عودته من المنفى -(ذوات)
عمان - ذوات

حدثت انتفاضات الربيع العربي بشكل فاجأ كثيراً من الملاحظين والمحلّلين والسياسيّين، وكان الواقع أسرع من أن تستوعبه النخبة، فراحت تلهث وراء أحداث سريعة لا تهدأ، وتحمل كل يوم جديداً قد يبدّل رأياً أو يعدّل موقفاً.

وتتجه دراسة حديثة صادرة ضمن منشورات "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" بقسم الدين والسياسةللباحث التونسي عمار بنحمّودة بعنوان "أوهام الأصوليّة وسراب الديمقراطيّة: رؤية نقديّة "للحركات الإسلاميّة" و"الثورات العربيّة"، إلى فهم الديمقراطيّة جدلاً بين مفاهيمها نظريّاً وممارستها سياسيّاً، وفهم صدمة الممارسة التي جعلت أصحاب شعار "الإسلام هو الحل" يواجهون الاختبار الواقعي لشعاراتهم دون إغفال البحث في "الصحوة الأصوليّة" التي بدأت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحفر عميقاً في سجلّ الحركات الأصوليّة وعلاقتها بالولايات المتحدة الأمريكيّة.

ويبين الباحث في بداية دراسته إلى أن اختلاف التأويل بين المسلمين ظل في النص القرآني لا خارجه، وكان ذلك مسؤولاً عن إقصاء مباحث فكريّة أخرى، وقضت هذه النصوص بثنائيّة حكمت الفكر الإسلامي أساسها الفصل بين المقدّس والمدنّس، ولقد اتّجهت المقدّسات نحو الانتشار وفق منحيين: تقديس النصوص وتقديس الأشخاص.

لعبة الجهاد

وكل هذا الإرث بقي، وفق الباحث، حاضراً في اللاوعي الجمعي للمسلم، والحكم الثابت الذي يعتقدون فيه أنّهم على دين الحق، وأنّ خصومهم في ضلال مبين. ولذلك فقد ارتبط نشاط الفكر الديني بفترات الصدام قديماً وحديثاً، وبعقليّة المؤامرة.

وبرع الوعي الديني، بحسب بنحمودة، في نحت هندسة الثنائيّات تلازماً بين الملائكة والشياطين، أو بين الجنّة والنار أو بين الدنيا والآخرة، وهي الثنائيّات ذاتها التي حكمت الوعي الإسلامي الذي يعتقد في ذاته الخير المطلق، ويرى في الآخر شيطاناً رجيماً. ويمكن رصد هذا المنطق في النصوص التأسيسيّة للحركات الأصوليّة؛ فالوعي الأصولي مسكون بالنرجسيّة وعقدة الاستعلاء والفصل بين ما هو إسلامي وغير إسلامي.

وينوه الباحث إلى أنه رغم ما يوهم به بعضهم من الاعتدال والوسطيّة التي يدعو أصحابها إلى نبذ التكفير وتجنبه، فإنّهم سرعان ما يفعلون ما نهوا عنه، فيصير الإيمان أرضاً تحتكرها الفرقة الناجية ويمنع المعارضون السياسيّون من دخولها.

ويوضح بنحمودة إلى أنه لا يستطيع طرف متحصّن بالخطاب الديني أن يجد حسماً في شرعيّة الجهاد من عدمه؛ إذ تظل مسألة القطع في دلالات النص دعوة إلى التسامح أو العنف غير متحقّقة؛ فالنص القرآني حمّال لوجوه التأويل على اختلافها، لذلك ترى مشهداً أقرب إلى الفتنة يجد فيه كل فريق حجّيّته من الكتاب والسنة، سواء أكانوا مقاتلين أم قاعدين، ولذلك فالحسم في المسألة لا يمكن أن يكون دينيّاً، وإنما يجب أن يتّجه نحو البحث في الأسس الواقعيّة لكلّ خطاب، حتى ندرك مدى وجاهته المنطقيّة انطلاقاً من معايير عقلية.

لا يستطيع طرف متحصّن بالخطاب الديني أن يجد حسماً في شرعيّة الجهاد من عدمه؛ إذ تظل مسألة القطع في دلالات النص دعوة إلى التسامح أو العنف غير متحقّقة

وينوه الباحث إلى أن العالم الإسلامي غرق في خرافة المواجهة وأسطورة صدام الحضارات ليخرج الغرب في كل مرّة منتصراً في حروبه الاستعراضيّة التي لا تتكافأ فيها القوى، ولقد استطاعت الولايات المتحدة تصدير أزماتها الماليّة من خلال خلق مبرّر جديد لتروّج مصانع الأسلحة بضائعها في العالم؛ وبأنها وحدها القادرة على تقمّص دور "أوديب" لتقتل الوحش؛ لأنّها تدرك لغته وتناوره بأسلحته، ومن هنا ولدت حكاية الشيطان "الإرهابي"، فبعد أن كان مطيعاً لربّه ملاكاً طاهراً يأتمر بأمره في حربه ضد السوفييت في أفغانستان، فسق عن أمر ربّه، وغوى. ولذلك صارت كل الغزوات التي قام بهاالجيش الأمريكي ضدّ فلول القاعدة وينابيع الإرهاب تكتسب الشرعيّة الأخلاقيّة للدفاع عن صرح الخير والحرّيّة ضد الشيطان الإرهابي.

 

روح الانغلاق والمفهوم الضيّق للهويّة

ويمضي الباحث في الدراسة بقوله: يتأسّس الإسلام الأصولي المؤمن بخيار العنف على مرجعيّة نصّيّة، ولا يقوم على مقاربة الواقع بادعاء خوض حرب دينيّة اقتصاديّة، وبأنّ الغرب يريد إبعاد الناس عن طاعة الله ليستعبدهم ويحتلّ بلدانهم وينهب ثرواتهم.

ومهما حمل هذا التيار من رايات المقدّس فإنّ ذلك، بحسب الباحث، لا يمكن أن يحجب ضعف تلك التيّارات وعجزها عن تنظيم صفوفها لتتحوّل من طور العمل السري إلى إقامة كيان سياسي بسبب الطابع الصّداميّ والوجه العنيف الذي ظهرت به هذه التيّارات فكتب عليها الانغلاق والعجز عن الظهور لا في الساحة الدوليّة فحسب، بل في الساحات الوطنيّة أيضا.

ويبين أن الجماعات المؤمنة بالفكر السلفي العنيف تنطلق من مسلّمات الهويّة المنغلقة التي ترى المسلم فقط من اتّبع صراطاً واحداً من العقيدة قُدّ على مقاس فكرها، ولذلك فهي تعيش كلّ مخزون الفتنة التاريخي، وصراع الفرقة الناجية ضدّ فرق الهالكين، وهي تفرض بخطابها إقصاء كلّ المختلفين، قد كانت الغلبة السياسيّة تعطي هذا الخطاب شرعيّة، ولكنّها اليوم لا يمكن أن تفرض ذلك المنطق نفسه، فكل فرقة ترى نفسها على حقّ وتتّهم سواها بالضلال المبين.

ويتابع بنحمودة إن تجاهل الهويّة الوطنيّة والحديث عن الأمّة الإسلاميّة صار تجاهلاً للواقع وتأسيساً للوهم برؤية طوباويّة لا تخضع لسنن الواقع والتاريخ، ما يجعل الحديث عن دولة الخلافة بوصفه تأسيساً لدولة في كوكب آخر غير كوكبنا لعلّه المتخيّل السلفي. فهل يكمن الحل في الخيار الديمقراطي؟

 

واقع الديمقراطيّة في دول الربيع العربي

لعلّ أكبر الانتقادات التي وجّهت إلى كلّ التجارب السياسيّة القائمة في العالم العربي والإسلامي، إنّما كانت، وفق قول الباحث، في عجزها عن تحقيق الديمقراطيّة. وقد مكّنت الديمقراطيّة من صعود "الإسلام السياسي" إلى الحكم، في مصر وتونس، وفي المثال الأوّل خرج الشعب وخطب العسكر لينهي تجربة فاشلة سواء أأقررنا بشرعيّة الثورة الثانية للشعب المصري أم سايرنا القائلين بأنّ العسكر كان من المنقلبين؛ وقد كشف الواقع أنّ ترديد عبارة الشرعيّة لن يقوّي الشرعيّة، وأنّ العجز عن فهم العلاقات الدوليّة والساحة السياسيّة يؤديّ دوماً إلى الانتقال الفجائي والسريع منالقصور إلى السجون.

ويشير الباحث إلى أن الديمقراطيّة نشأت غريبة عن ديارنا غير أصيلة في ثقافتنا، ولم تكن حاضرة في حقل تفكير علماء الإسلام، غير أنّ هذا الغياب، بالأمس، لا يعني استحالة إمكانيّة تأسيسها وتبيئتها اليوم في الثقافة العربيّة الإسلاميّة.

إنّ أفق تفكير الأسلاف كان يتحدّد بمعطيات مرحلة تاريخيّة حضاريّة معيّنة، كانت الديمقراطيّة فيها من مجال "ما لا يقبل التفكير فيه"، وذلك على العكس من المرحلة التاريخيّة التي نعيشها؛ ولقد كان ذلك سبباً في الصدام القائم بين فكر يحرص على مرجعيّاته التراثيّة وآخر مفاهيمه حديثة، وهو سرّ الأزمة التي اصطدم بها الإسلام السياسي، حين أراد أتباعه ترجمة تلك المفاهيم التراثيّة على أرضيّة واقعيّة..فذهب شعار الإسلام وبقي الفعل السياسي بكل مقتضيات الممارسة الماكييفيليّة وروح الانتهازيّة.

الديمقراطيّة نشأت غريبة عن ديارنا غير أصيلة في ثقافتنا، ولم تكن حاضرة في حقل تفكير علماء الإسلام

وينوه الباحث إلى أن الواقع العربي والإسلامي يحتاج إلى إصلاحات هيكليّة ليس حلّها السحريّ في مجرّد صناديق للانتخاب ودساتير قد تبقى مجرّد حبر على ورق، ذلك أنّ حقب الاستعمار والتبعيّة الاقتصاديّة قد ولّدت مشاكل قد لا تستطيع الديمقراطيّة حلّها.

فالديمقراطيّة، وفق بنحمودة، وليدة عمليّات تحوّل طويلة الأمد. وقد اجتازت جميع أشكال الديمقراطيّة التي عرفها العالم كلّ هذه العمليات قبل أن يتوصّل لوضع أدوات الحكم تحت رقابة جميع المواطنين. ولا تؤدّي الثورة إلى خلق الديمقراطيّة خلقاً مفاجئاً، ولكنّها تؤدّي إلى استبدال نظام أوليغاركي بآخر. ولذلك، فمسار تحقيق الديمقراطيّة في الدول العربيّة التي عاشت انتفاضات شعبيّة أطاحت بحكّام مستبدّين لا تزال طويلة وشاقّة وتواجه صعاباً داخليّة وخارجيّة.

 

صدام الديمقراطيّة والإرهاب

يبدو من ملامح الأوضاع السياسيّة المضطربة التي تعيشها دول الربيع العربي أنّ رياح الديمقراطيّة تجري بما لا يشتهي الشعب؛ وفق وصف الباحث، فقد صار الإرهاب هاجساً يفوق كل الهواجس الأخرى، فاستبعد التفكير في القضايا الإقليميّة، بل طواها النسيان في المتخيّل الشعبي والخطاب السياسي للأنظمة القائمة؛ فقد اقتصر مجهودها على حفظ استقرارها الداخلي وحماية وحدتها الوطنيّة التي قد تحتاج جهود حفظها في بعض الدول إلى مساعدات خارجيّة، وتشير المؤشّرات الاقتصاديّة إلى تعثّر مسارات التنمية بدل تطوّرها بعد توقّف الاستثمارات والمشاريع وتعطّل السياحة في بعض الدول.

أمّا في المجال الاجتماعي، فإنّ سقوط الدكتاتوريّة كشف، بحسب الباحث، عن بنية نفسيّة ترى في الحاكم سرّ التزامها بالقانون، فقد كثرت حالات خرق القانون وتخلّت كثير من الطاقات العاملة عن روح الانضباط والعمل والضمير المهني؛ فبرزت حاجة الشعوب العربيّة إلى تغيير هيكلي في تصوّراتها السائدة حول الدولة ومسؤوليّة المواطن في الحياة العامة؛ فهي في حاجة إلى ثورة فكريّة لمقاومة التواكل وعقليّة اللامبالاة التي تراكمت طوال حقبة الاستعمار والحكم الفردي.

 

الديمقراطيّة وبؤس المواطن العربي

ويبين الباحث أن الوعي العربي تأسّس على عقليّة الراعي والرعيّة؛ والديمقراطيّة تعني الخروج من إطار علاقة راع برعيّة إلى إطار شعب يعبّر عن مشاركته الفعليّة في الشأن السياسي من خلال مؤسّسات المجتمع المدني وحقّ الانتخاب، وتظلّ السنوات التي قضتها الشعوب خارج دائرة المشاركة السياسيّة سبباً جوهريّاً في إفقادها روح المبادرة والإقبال على المساهمة في شؤون المجتمع المدني، وهي مسألة تحتاج إلى سنوات طويلة من البناء المعرفي والجهود الفكريّة والبرامج السياسيّة ذات الروافد العلميّة من أجل تغيير تلك العقليّة بإصلاحات هيكليّة تبدأ من المجال الفكريوصولاً إلى تطوير المنظومة الاقتصاديّة وتحقيق العدالة الاجتماعيّة، ولذلك فقد تكون الديمقراطيّة مجرّد باب يدفع المجتمعات إلى مزيد من الصراعات والانقسامات الداخلية، مثلما يمكن أن يصير آليّة لمراجعات عميقة للأنظمة المعرفيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة.

أعظم ما تطمح إليه الشعوب العربيّة، بحسب الباحث، هو إيجاد آليّات تجعل العلاقات مع الدول القويّة أكثر تكافؤًا في المعاملات الاقتصاديّة والمبادلات التجاريّة، وحتماً لن تكون الحلول في اتّباع الخيارات الأصوليّة المؤمنة بانغلاق الهويّة ولا في الوقوف على عتبات الديمقراطيّة السياسيّة، وإنّما في احتذاء التجارب الآسيويّة وتحقيق الثورتين العلميّة والاقتصاديّة، لأنّهما مفتاح لحلّ كلّ المشاكل الاجتماعيّة.

 لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق