شلاير ماخر: مؤسس الهيرمينوطيقا الحديثة
01 ديسمبر 2014 | 0 تعليق

ذوات - نزهة صادق

يعد الفيلسوف الألماني وعالم الدين فريديريك شلاير ماخر مؤسس الهيرمينوطيقا الحديثة، حيث وضع أسسها الفلسفية، وعبّد الطريق للمفكرين آخرين، لكي يطوروا هذا العلم، ومثّل بذلك الموقف الكلاسيكي في عالم الهيرمينوطيقا.

نقد ماخر الأرثوذكسية والبروتستانتية التقليدية، جامعاً بين التنويروالنقد، وكان لأعماله أثر عميق في الفكر المسيحي، وسماه الكثيرون "أب علم اللآهوت البروتستانتي الحديث" و"الحركة الأرثوذكسية الجديدة في القرن العشرين"، كما شكّلت أعماله جزءاً مهماً في تأسيس لمجال"الهيرمونيطيقا الحديثة"، حيث قام بتركيزالانتباه على المعنى والمعيش من النص المؤول إلى الذات المؤولة.

ولد حفيد القس دانيال ماخر، شلير فريديريك في مدينة "بروسيان بيليسيا"، وكان جده ينتمي إلى طائفة "زيونيتس"، وهي من أهم الفرق الدينية التي ازدهرت في القرن الثامن عشر في دوقية "بيرغ".

تعلم فريديريك شلاير ماخر في مدرسة كنيسة" مورفيان" ثم في بارلي، وبما أن الدراسات الدينية في مدرسة "مورفيان" لم تقنع حسه النقدي، إذ كانت تتبنى حركة التقوية(Pietism)، وبعد الحصول على الإذن من أبيه، توجه شلاير ماخر إلى جامعة "هال" للدراسة، الجامعة التي تجاوزت مبادئ حركة "التقوية"، وتبنت الفكر النقدي لفريديريك أوغست كونت وجوهان سالومو سيملر.

عندما كان شلايرماخرطالباً في علم الأديان، كان ينجز قراءات حرة خارج المقرر الذي كان يدرس فيه، ومن جهة أهمل قراءت العهد القديم واللغات الشرقية التي كان يدرس في جامعة "هال"، وبالمقابل اهتم بمحاضرات سيملر، التي مكنته من الاطلاع على تقنيات النقد التاريخي للعهد الجديد لكل من جوهان وأوغست إيبرهارد، الفيلسوف الذي حببه في فلسفة أفلاطون وأرسطو، كما درس كتابات إيمانويل كانط وفريديريك هينريش جاكوب، وعمل على تطبيق أفكار الفلسفة اليونانية في إعادة بناء النظام الكانطي، الشيء الذي مكنه من تطوير حس عميق ينبني على الشك، وبالتالي رفض الأرثوذكسية.

ساعده حسه النقدي على تجاوز حركة "التقوية" في كنيسة" مورفيان"، والتوجه إلى جامعة "هال" التي تبنت الفكر النقدي لأوغست كونت.   

يقول بريان غيريش أهم الدارسين لأعمال شلاير ماخر، إن فريديريك شلاير ماخر كتب في رسالة لأبيه محاولاً جذب انتباهه إلى قضايا مهمة، " إن أساتذته فشلوا في التعامل مع الشكوك الواسعة النطاق التي أشكلت على العديد من الشباب في الحاضرفي علاقتهم بالمعتقدات"، غير أن أباه لم ينتبه لإشارة شلاير ماخر، على الرغم من اطلاعه بنفسه على العديد من القراءات النقدية في الآداب التي انتشرت آنذاك، كما أنه اعتبرها مجرد مضيعة للوقت، ونتج عن هذا الرد أن شلاير ماخر قاطع مراسلة أبيه لستة أشهر كاملة، 21وفي يناير(كانون الثاني) عام1787، عاد ماخر لمراسلة أبيه ليروعه بخبر في رسالة، أعلمه فيها أن الشكوك الواسعة التي تحدث عنها، إنما هي شكوكه، حينها قال أبوه: "إن الإيمان هو شعارللربوبية" وهوسبب ملكية الله وعظمته".

كتب شلاير ماخر لأبيه رسالة آخرى رداً على ما قاله حول الإيمان، قائلاً: "إذا كنت تؤمن بأن الإيمان هو" شعار للربوبية"، وهو سبب ملكية الله وعظمته"، وأنه بدونه لا أحد سينجو من الخلاص النهائي في العالم الأخروي، ولن ينعم بالهدوء في هذا العالم، وأعلم أنها معتقداتك، إذن ادع لي ربك بضمانها لي، لأنني فقدتها، ولاأظن أن الذي يعتبر نفسه ابن الإنسان هو الله الخالد والحقيقي، لذا لا أستطيع الإيمان بذلك".  

أصبح شلاير ماخر المعلم الخاص لعائلة فريدريك ألكسندر بورغراف زودزهان شولبيتن بعدالانتهاءمندروسه في"هال" ((1741-1810، وتمكن شلاير ماخرفي هذهالأسرةالأرستقراطية من تطوير حبه العميقللأسرةوالحياة الاجتماعية، وبعدبعامين، وفيعام 1796 ، أصبحقساًلـ"مستشفى شاريتيه" في برلين.

نظراً لأن مهاراته في الوعظ والدعوة لم تتطوربعد، توجه فريديريك إلى دراسة المجتمع والثقافة وفي الدراسات الفلسفية المعمقة، الشيء الذي منحه متعته الروحية، وشكل إطار عمل لنسقه الفلسفي والديني. ومكنه من التعرف على الفن، الأدب، العلوم، والثقافة العامة.

تأثرشلاير ماخر بشدة بصديقه كارل ويليام فريديريك فان شليغل، ممثل الحركة الرومانسية الألمانية، وقد تجلى بوضوح اهتمامه في رسالته السرية لشليغل، إضافة إلى رسائله للألينور كريستيان غرونو التي كان على علاقة بها لمدة السبع سنوات (1798–1805)، والتي كانت زوجة رجل الدين البيرليني أوغست كريستيان غرونو.

على الرغم من أن مبادئ شلاير ماخر لم تتغير في نهاية المطاف،إلا أنه كان للحركة الرومانسية تأثير خاص على مساره، حيث ركزعلى العواطف الإنسانية والخيال.

أثرت الحركة الرومانسية على مساره، حيث قادته إلى التركيز أكثر على العواطف الإنسانية والخيال. 

كما كان لسبينوزا وأفلاطون أثر عميق عليه، ويدين لكانط الكثير، على الرغم من خلافهما الرئيس في نقط عديدة، كما استفاد من مواقف جاكوب التي تعاطف معها، ومن أفكار "فيشيت" و"شيلين".

أكد شلاير ماخر في أول كتاب له أن للدين، مكانة ثابتة في الطبيعة البشرية، ومن أجل ذلك ميز بين ما اعتبره بالرسوم الكاريكاتورية الحالية للدين، وقام بإنجاز وصف دائم لتجلياتها، الشيء الذي كان عموداً فقرياً لنسقه اللاهوتي.

كشف فريديريك شلاير ماخر في منولوج له، عن بيان أخلاقي أعلن فيه عن أفكاره حول حرية واستقلال الروح، وعلى علاقة العقل بالعالم الحسي، ورسم فيه النموذج المثالي لمستقبل الفرد والمجتمع.

عمل شلاير ماخر كقس ما بين عام 1802 إلى 1804في بلدة "برومينيان ستولب"، وقام بترجمة أعمال أفلاطون، حيث أراح فريديريك شليجل من هذه المهمة التي كانت كلفا بها معاً، بالإضافة إلى أعمال أخرى.

كان له أثر عميق في الفكر المسيحي

أخذت أولى إنتاجات فريديريك شلاير ماخرالفلسفية " الخطوط العريضة لنقد مذاهب الأخلاق انطلاقاً من "1803" وقتاً مهماً من اهتمام شلاير ماخر، وهي عبارة عن نقد لكل الأنظمة الأخلاقية السابقة، بما فيها النسق الكانطي، والفيختي، والذي أخذ فيه حصة الأسد في النقد كل من النسق السبينوزي والأفلاطوني. ويؤكد نقده هذا أن سلامة النظام الأخلاقي هي اكتماله من وجهة نظر القوانين، وإنهاؤه لحياة الإنسان ككل وكترتيب متناغم من حيث الموضوع بموجب مبدأ أساسي وحيد، ذلك أنالقوانين من التي من صنع الإنسان، والعقود الاجتماعية أيضاً، لا تعارض مع الأخلاق الكونية.

وعلى الرغم من أن الكتاب ركز بالأساس على النقد وعلى الجوانب السلبية، إلا أنه أعلن رأي شلاير ماخر في علم الأخلاق، وأسس لاحقاً لبنة لآعمال "غوتلرل" Güterlehre. وبما أن أسلوب كتابة الكتاب تميز بالغموض ونبرة السلبية، فلم يعرف انتشاراً فورياً.

انتقل شلاير ماخر من قس إلى أستاذ للدراسات الدينية في جامعة "هال" ما بين و 18071804، وسرعان ما حصل على مكانتة متميزة كأستاذ وكواعظ، وكان له تأثير كبير فيما كان يقوم به، على الرغم من اتهامه بالإلحاد، واتهامه بتبنيه للفلسفة السبينوزية وللمبادئ الحركة الدينية"التقوية".

كتب شلاير ماخرما بين و 18071804 ، حواره"ليلة عيد الميلاد: حوار حول التجسيد" (1806)، ما شكل نقطة وصل بين خطابه وأعماله الدوغمائية العظيمة(الإيمان المسيحي)، وأعلن فيه عن إعجابه بالمسيحية.

 الهيرمينوطيقا تتطلب اعتماد قواعد اللغة والعلوم كمواد مساعدة لها.

يعود إلى شلاير ماخرالفضل في نقل مصطلح الهيرمينوطيقا من دائرة الاستخدام اللاهوتي إلى مجالي العلم والفن، مؤسساً بذلك قواعد لـ"عملية الفهم"وشروطها في تحليل النصوص، وبالتالي حرر الهيرمينوطيقا من خدمة علم خاص، لتصبح بذلك علماً قائماً بذاته.

"يرى شلايرماخر أن الهيرمينوطيقا تتطلب اعتماد قواعد اللغة والعلوم كمواد مساعدة لها. إلا أن العلاقة بين هذين المجالين دائرية: فعلم قواعد اللغة والعلوم لابد أن يكون سابقاً بفهم الخطاب النحوي والعلمي، والحال أن الفهم باستمرار يتضمنه كل فعل تعلم، ويحدث أثناء الطفولة على وجه الخصوص. من هنا تبرز كلية الهيرمينوطيقا المتعلقة بكلية الفهم، فهذا الفهم هو الفعل الأساسي لاكتساب المعرفة الثقافية"، كما جاء في كتاب هيرمونيطيقا الباطن للكاتب محمد مستقيم.

يرى شلاير ماخربما أن الخطاب، منتوج فن البيان، وأنه يتضمن فكراً معيناً، فهو يمثل تركيبة مشعبة، "إننا لا نفهم غير ما أعدنا بناءه بكامل علاقاته وفي سياق معين"، كما أن الهيرمونيطيقا كفن تأويلي عليها أن تدرك الخطاب انطلاقاً من اللغة والنشاط الذهني للفرد، وينبغي على المؤول أن يقوم بمهمتين" أن يقصي الذات التي تقوّل الخطاب إلى مركز ثانوي بأن يعتبرها كوسيلة للغة، كما يجب عليه أن يعتبر تلك الذات كالسبب الحقيقي للخطاب، واللغة كمجرد مبدأ سلبي تحديدي" كما جاء في كتاب "فلسفة التأويل" للكاتبة نبيهة قارة.

توفي شلايرماخر عن سن يناهز 65 عاماً بسبب التهاب رئوي عام 1834، "بعد أن حرر الهيرمونيطيقا من قبضة اللاهوت، وأصبحت بفضله مبحثاً مستقلا عن مباحث الفلسفة، بمفاهيم وأدوات خاصة، يأتي على رأسها مفهوم الدائرة الهيرمونيطيقية كأداة لتحليل، والتي تعني حسب ماخر اجتماع الأجزاء مع الكل، واجتماع الكل مع الأجزاء في النص؛ أي أن النص يجب أن يفهم على ضوء هذه العلاقة الجدلية بين الكل والأجزاء".

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق