ظل الحقيقة
17 سبتمبر (أيلول) 2014 01:00 | 0 تعليق
إذا رجعنا إلى القاموس العربي لطلب معنى كلمة الظل، فإنه سيحيلنا على معانٍ ومترادفات جمة منها كلمة جَنَاح ... حِضْن ... حِمَايَة ... كَنَف وكلها تشير إلى معنى متقارب هو أن الظل هو فعل حمى المظل "بكسر الظاء" للمظل "بفتح الظاء"، أو قل هو جعل المظل"بفتح الظاء" في كنف المظل "بكسر الظاء".
أما عن المعنى الاصطلاحي لكلمة الظل، حسب موسوعة ويكيبيديا، فالظل هو الظلام الذي يسببه جسم ما عندما يحجب الضوء من الوصول إلى سطح ما. فعندما تقف في ضوء الشمس يحجب الجسم بعض الضوء الذي كان يمكن أن يضيء الأرض، وهكذا يصبح ظلك منطقة مظلمة بشكل جسمك. فالأرض تلقي ظلاًّ على الفضاء، لأنها تحجب بعض ضوء الشمس. ويظلم القمر خلال الخسوف القمري، عندما يتحرك داخل ظل الأرض. 1
إذا كان الأمر كذلك فما هو ظل الحقيقة يا ترى؟ وأية حقيقة نقصد؟ وهل هناك حقيقة واحدة؟ أم حقائق متعددة؟ وهل يمكن الحديث عن ظل للحقيقة؟ أم أن الأمر يستلزم التحدث عن ظلال للحقيقة أو للحقائق؟
إن مفهوم الحقيقة يدل على عدة معانٍ، فهي الصدق في تعارضه مع الكذب، وهي الواقع في تعارضه مع الوهم.فـالحقيقة أحد الإشكالات الكبرى في مجال نظرية المعرفة وفلسفة العلم، فحينما يؤكد المرء وجود أو حدوث أمر ما، فهو يعتبره حقيقيا. وفي هذا السياق، تهتم فلسفة المعرفة بالبحث عن حلول للعديد من المسائل الفلسفية المتعلقة بموضوع "الحقيقة".2
أما عن الحقيقة التي نقصدها في هذا المقال، فهي معنى هذا الوجود الذي نحن فيه وما موقع الإنسان منه، وما المصير الذي سنؤول إليه ، إلى غير ذلك من الأسئلة الوجودية التي تحل العديد من الألغاز والتساؤلات الكبرى لدى كل إنسان.
من هذا المنطلق، يجيب جلال الدين الرومي عن أحد تجليات هذا المصطلح، حيث يقول: "الكلامُ ظلّ الحقيقة"، وهو هنا يتحدث عن الحقيقة كمقابل للكذب في وصفها للمعاني، بمعنى الحقيقة في بعدها اللغوي.
من جهة أخرى، يمكن القول إن أفعال الإنسان ظلت تعكس حقيقة الإنسان القلبية لذلك قيل "كل إناء بما فيه يرشح" وقد يحاول لئيم خسيس أن يخدع الناس فيتظاهر بالنّبل والكرم، ولكن طبعه يغلب تطبّعه، وخلقه يغلب تخلّقه، فيعود إلى ما جُبل عليه من سوء، وإلى ما فطر عليه من لؤم، وفي هذه الحقيقة البشرية قال شاعر عربي عركته التجارب وعجم الناس:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم 3
وهكذا، فمن أراد أن يعرف حقيقة نفسه ومقامها عند ربها فلينظر إلى ظلها في هذا الوجود من خلال الأفعال الإنسانية الصادرة عنها وليس هذا وحسب، بل وحتى قياس ذلك الشعور القلبي الموازي لذلكم الفعل، هل يقوم به الإنسان عن طواعية وبمحبة أم بمشقة شعورية كبيرة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث شريف اعتبره العلماء من الأحاديث القليلة التي عليها مدار الإسلام "ألا إن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه" 4 ، بمعنى أن ظل الله في الأرض هو تلك الحدود التي رسمها لعباده التي لا ينبغى تخطيها " ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون" البقرة 229، ثم أردف في نفس الحديث بقوله: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". و هكذا، فإن القلب هو محط تجليات النور الإلهي المتمثل في القرآن والسنة الذي كلما سطع نوره في القلب إلا وتجلى ظل حقيقته خيراً أم شرّاً، على هذا الوجود حيث إن المؤمن حينما يسمع كلام الله وجد في نفسه مسارعة طواعية لفعل الخيرات دون تكلف منه و كلما ابتعد الإنسان عن دائرة الإيمان، كلما وجد مشقة كبيرة في امتثال الأوامر.
قد يعترض معترض على هذا الكلام بقوله إننا نجد من غير المؤمنين من يسارعون في فعل الخيرات كالمؤمنين وجوابهم أن أولئك تجلى في قلوبهم نور الضمير الأخلاقي، وهو مستوى معين من الأخلاق الإنسانية المبنية على العقل الذي إنما هو في حقيقة أمره إلهي أيضاً، سواء فطن الإنسان إليه أم لم يفطن لأن الله سبحانه وتعالى قال: "وعلم آدم الأسماء كلها" بمعنى أن الإنسان خلق وهو مفطور على تعلم الأشياء وتصورها، لأن فيه قابلية كبرى على تمييز الأمور سواء الحسية كالسماء والأرض والعلو والدنو والكل والجزء كما هو مفطور على معرفة الأسماء المعنوية كالخير والشر والخبث والنبل والكرم والبخل وغير ذلك من القيم الإنسانية ، وإنما أتى الوحي لتتميمها "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" أورده مالك في الموطأ.
إن مخلوقات الله المبثوثة في هذا الوجود سواء كانت حسية أو معنوية، تجريدية ، فإنما هي تجلٍّ للحقيقة الإلهية على هذا الوجود وما على الإنسان إن أراد صلاح آخرته وفلاح دنياه إلا التعلم و القراءة من خلال السبورة الكونية التي تعلمنا صباح مساء الكثير، إن نحن توجهنا إليها بعقول باحثة، ومن تنبه لهاته الحقيقة هم الغرب الذين طوروا اليوم تخصصا جديدا هو التكنولوجيا الحيوية أو التقانة الحيوية أو التقنية الحيوية (بالإنجليزية: Biotechnologies) وتعريفها حسب موسوعة ويكيبيديا هو تطبيق المعلومات المتعلقة بالمنظومات الحية بهدف استعمال هذه المنظومات أو مكوناتها في الأغراض الصناعية؛ أي أنها تقانة مستندة على علم الأحياء بمعنى ملاحظة مدققة للقوانين التي تقوم عليها الطبيعة، وهي تستعملَ اليوم في جميع مناحي الحياة من الزراعة، وعلم الغذاء، والطب وصناعة السيارات ...إلخ 5.
ومن غريب ما قرأت في هذا السياق على صفحات جريدة الحياة اللندنية أعلنت "نيسان" عن بدء تجاربها لنوع من الطلاء يمكنه أن يغسل نفسه بنفسه من دون الحاجة للماء أو الصابون. وبحسب الشركة، فإن الاختراع المسمى Superhydrophobic يقوم على فكرة عدم التصاق الأوساخ بجسم السيارة ابتداءً عن طريق جعل القطرات تبدو مكورة أكثر من كونها مفلطحة كما هو السائد. ومن ثم تسقط الأوساخ تلقائياً، لأنها لا تتمكن من الالتصاق. كما أن من الملاحظ أن المادة التي بدأت "نيسان" في اختبارها على أسطح السيارات لا تجعل أجسام السيارات مضادة الاتساخ فوراً لكنها تبدو وكأن الأوساخ تزول تلقائياً خلال ثوان من التصاقها بجسم السيارة. 6.
هذا النوع من الطلاء تم اكتشافه مؤخراً من طرف عالم ألماني يدعى "و. بارثلوت"، يعد رائد علم المواد ذاتية التنظيف التي يعتمد بعضها على «تأثير اللوتس»، في حين يعتمد بعضها الآخر على خاصية معاكسة تماماً تدعى ـ المحبة الفائقة للماء ـ وعلى تفاعلات كيميائية حفزية، تبين ل لــ"بارثلوت" حسب مجلة ساينتيفيك أمريكان، أن الأوساخ كما الماء تلامس قمم نتوءات ورقة اللوتس فقط، وتبلل قطرات ماء المطر الأوساخ بسهولة، فتتدحرج معها بعيداً عن الورقة. ويعد اكتشاف تعزيز النتوءات الميكروسكوبية لعملية التنظيف تناقضاً ظاهرياً رائعاً. لقد تعلمت من والدتي أن الشقوق والتجاعيد في المئزر تؤوي الأوساخ ـ وهذا يتفق والحكمة التقليدية الشعبية التي تقول إذا أردت أن تبقي الأشياء نظيفة فاجعلها ملساء. ولكن النظر إلى نبات اللوتس يبين أن تلك المقولة ليست صحيحة تماما.
وقد بدأ استكشاف تأثير اللوتس بمحاولة فهم القدرة على التنظيف الذاتي التي تمتلكها بعض أنواع السطوح ـ الشمعية ذات البنى الميكروسكوبية أو النانوسكوبية. وتوسع هذا البحث اليوم ليشكل علماً جديداً كلياً يهتم بالابتلال والتنظيف الذاتي وإبادة البكتيريات (التطهير).7.
* باحث مشارك بمركز جاك بيرك للعلوم الاجتماعية والإنسانية، الرباط
1، مجلة ويكيبيديا الإلكترونية
2، المرجع نفسه
3، محمد الهادي الحسني، وكل إناء بما فيه يرشح ، مجلة الشروق أون لاين.
4، أخرجه البخاري.
5، مجلة ويكيبيديا الإلكترونية
6، الحياة اللندنية ، 29 أبريل 2014
7، مجلة ساينتيفيك أمريكان: http://www.oloommagazine.com/articles/ArticleDetails.aspx?ID=2104
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

