فيلم تحت السقف للسوري نضال الدبس: غوص في المحرّمات
17 سبتمبر (أيلول) 2014 10:11 | 0 تعليق
مشهد من الفيلم -(ذوات)
رمى مروان بقطعة القماش البالية إلى الأعلى في محاولة لوقف رشح الماء في سقف منزله حتى في أيام الصيف الملتهب حرّاً. هذا هو أول مشهد في فيلم "تحت السقف" للسوري نضال الدبس، والذي عرض، مؤخراً، في قاعة الجليل بمتحف محمود درويش في مدينة رام الله، في إطار مشروع "الأربعاء سينما".
وتروي وقائع الفيلم قصة مروان الذي وصل دمشق لاجئاً من الجولان التي احتلت لتوها من جانب جيش الاحتلال الإسرائيلي، وهو الذي يمضي دهراً تحت هذا السقف مستغرقاً في مختبره لتصوير الأفلام دون أن يعي ما يحدث حوله، حيث يستفيق فجأة على واقع مختلف لم يألفه، ويحاول لاحقاً نسف الواقع السابق من خلال إتلاف مكتبته التي تحوي كتباً يسارية باتت غير ذات جدوى، ليعمل فيما بعد على تصوير الحفلات والإعلانات.
وتحت السقف الرطب الذي لا يكف عن الرشح، يتفاعل مروان مع مجموعة من الأصدقاء في حوارات ونقاشات مفعمة بالحيوية، لا تخلو في بعض الأحايين من جلسات شعر ونقده.
ومع توالي المشاهد تبرز من بين أصدقاء "تحت السقف" شخصية أحمد، باعتبارها الأكثر تأثيراً، فهو الذي كان قد اقترن مع الحب القديم لمروان، لينا، وهو الذي سيثير بغيابه شجون الحب القديم بين الاثنين؛ ففي إحدى الأمسيات يفرط أحمد في الشرب، فيغط في نوم عميق لا يستفيق منه.
ومع تفجر هذا الحدث المأساوي (موت أحمد)، تتقد خيالات الصديق مروان حيال حبيبته القديمة لينا، حيث يشرعا في تغذية الأمل ببناء المستقبل الذي حال القدر دون أن يحققاه واقعاً ملموساً.
ولينا التي بدأت حياتها بذكرى أليمة، تتلخص في محاولة أخيها الاعتداء عليها لتعاني أزمة نفسية ترافقها طيلة حياتها تزداد حدة بعد وفاة زوجها، تحاول الثورة على واقعها من خلال رغبتها في الحصول على طفل عبر علاقة غير شرعية مع مروان.
ولا يمكن تناول "تحت السقف" على أنه مجرد قصة حب ملتهبة، فهو في الواقع محاولة لإعادة قراءة التاريخ الاجتماعي لسوريا خلال الأربعين سنة الأخيرة، وهذا ما يلاحظ بوضوح، من خلال التعابير والدلالات المعاصرة المستخدمة بين الشخوص، والتي تعكس إشكاليات باتت جزءاً من الهم الاجتماعي السوري الراهن ما قبل الثورة، خاصة أن الفيلم يعود إنتاجه إلى قرابة ثماني سنوات.
نقد المثقفين
وفي حديث لـ"ذوات" عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك، قال المخرج نضال الدبس: "الحقيقة أن الفيلم يمثل نقداً مباشراً لحفنة من المثقفين السوريين في عقد الثمانينيات، والذين كانوا يتشدقون بأفكار متحررة وتقدمية كالحرية الجنسية مثلاً، لكنهم كانوا أعجز من أن يمضوا لتحقيقها على أرض الواقع"، مضيفاً "كل ما وددت قوله هو إظهار البون الشاسع بين الأيديولوجية الصرفة والعواطف الجياشة والتشديد على رفض النفاق الاجتماعي".
وأوضح المخرج السوري، الذي يقيم في القاهرة منذ ما بعد اندلاع الثورة السورية أن فيلمه "لاقى إعجاباً كبيراً من جانب المفكرين اليساريين" في الوقت الذي رأى فيه البعض أن "الوقت ليس مناسباً لفتح نقاش من شأنه التأكيد على وهن تيار الفكر اليساري لصالح الإسلاميين".
مثار جدل
يرصد المخرج نضال الدبس بمأساوية وواقعية مظاهر غير مرغوب فيها، ولكنها وجدت لنفسها مكاناً في المجتمع السوري، حيث يعالج المخرج السوري نضال الدبس في فيلمه "تحت السقف"، مشكلات كانت مثار جدل في المجتمع السوري قبل الثورة، لعل أهمها العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج ومن ثم مسألة العنف ضد المرأة التي تبحث عن التحرر بصيغ متعددة، كما يغوص في العمق ليكشف عن هشاشة الواقع عبر سقفه الذي يمطر الحكايا والذكريات الأليمة، لكنه يشكل مع ذلك ملاذاً آمناً لأبطاله.
ما يميز الفيلم النفحة الواقعية المأساوية التي تغلفه، ما جعل البعض يتهم المخرج بالسوداوية، وإن كان الواقع غير ذلك... وقال الدبس لـ"ذوات": "أردت أن أكون صادقاً إلى أقصى الحدود: مع الشخصيات، مع المكان، تفاصيله، البيت، لون جدرانه، خصوصيته الدمشقية... لم أجد مكاناً يجمع ما أردت لإعطاء الإحساس حتى بالرائحة، فقررت بناء البيت، وجلبت المواد من دار دمشقية قديمة... مع الشخصيات، كان معياري الوحيد ترك مساحة لها للتعبير. إنها مجموعة من جيلي الذي أعرفه جيّداً، وأعرف كيف يفكر، يتحرك، يعبر... الحكاية هي كذلك سورية بسكونها، وبعدم وجود أحداث فيها!".
سوداوية
وحول اتهامه بالسوداوية، أجاب المخرج السوري "الفيلم يتحدث عن سوريا ما قبل الثورة، حيث العديد من الحواجز أمام الإبداع والفكر في سورية. وبالتالي ليست الأيديولوجيا خاصية سينمائية وليس السينمائيون هم المؤدلجون. ما يدعو إليه الفيلم هو تجاوز"سقف" الأيديولوجيا عبر التخلص من المرجعيات والثوابت: الشاعر، الكتب في الفيلم... والسقف الذي يحد من ذلك. لم أحاول تخطي هذا الواقع. كان عليّ إنجاز هذا الفيلم كي أتجاوز ذلك في ما بعد. الأفلام سابقاً كانت تعمل على الأيديولوجيا ولكن ليس من أجل تخطيها. لا أرى الفيلم سوداوياً ولا محبطاً، كئيباً ربما. لكن الغاية تكمن في الخروج من الكآبة وليس في تكريسها، إنه يدعو إلى تجاوزها عبر اكتمال الشخصية الرئيسة وقيامها بفعل مهم جدّاً: نبش الماضي، مهاجمته، رميه ومن ثم تدميره، وهو عمل ثوري. المواجهة هي المهمة في الموضوع بل هي الأهم".
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

