هادي يحمد يرصد ملامح السلفية الجهادية بتونس
29 اغسطس 2015 | 0 تعليق
الباحث والإعلامي التونسي هادي يحمد
أصدر الباحث والإعلامي التونسي هادي يحمد مطلع السنة الجارية كتابا حول السلفية الجهادية بتونس بعنوان "تحت راية العقاب"، يتناول دراسة ميدانية لأولئك التونسيين الذين اقتنعوا بالفكر الجهادي حلا وبالقتل والترهيب أداة للتعبير عن أفكارهم. إنه من هذه الزاوية من الكتابات النادرة في العالم العربي التي تحاول رصد محطات التحول لدى الشباب الجهادي، ومن ثم استشراف العلاجات اللازمة والضرورية للانحرافات الفكرية التي يكون الدين باعثا لها.
ومن أجل تسليط الضوء على غايات الكتاب وتعريف القارئ العربي بخصوصية التفكير الجهادي في تونس، واكتساب نظرة مقربة للتفاعلات السياسية في حقلها الديني، أجرى موقع ذوات حوارا مع صاحب الكتاب، أبرز من خلاله الملامح العامة في مسار الحركة الجهادية التونسية، واستشراف تحولات الإسلام السياسي عموما في هذا البلد العربي الذي يشهد انتقالا تاريخيا نحو نموذج الحكم الديمقراطي.
1-ـ الأستاذ هادي يحمد، صدر لكم مؤخرا كتاب حول السلفية الجهادية في تونس بعنوان "تحت راية العقاب"، والملاحظ أنكم تجنبتم عرض خلاصات بحثكم، لماذا ؟
في الحقيقة الفصل الأخير، والذي عنونته بـ “الفريضة الغائبة”، والذي يتحدث عن ضرورة إقناع قيادات السلفية الجهادية التونسية بضرورة المراجعة لأفكار العنف يمثل فتح أفق في خاتمة الكتاب؛ فهو من هذه الوجهة خروج عن المألوف منهجا ومضمونا.
تجنبت تخصيص فصل يعرض خلاصات البحث لأسباب مضمونية بحتة تتعلق بمسارات الكتاب ومستقبل الظاهرة. كنت قد أكدت في المقدمة أننا أمام ظاهرة معقدة ومتشابكة، وهي مفتوحة في واقعنا التونسي على جميع المسارات، باعتبارها مرتبطة بالقوة بمحيطها الإقليمي.
بالعودة إلى الكتاب، يمكن للقارئ أن يتلمس أن الفصول السبعة عشر يمكن قراءتها بطريقة منفصلة عن بعضها البعض، في نفس الوقت الذي نجد فيه من الروابط ما يجمعها زمنيا ومكانيا.
يعني منهجيا أردت للكتاب أن يعالج قضية جدية بطريقة مختلفة لا من حيث الأسلوب فقط، بل أيضا من خلال ترتيب الفصول والتركيبة المعتمدة في الكتب الأكاديمية التقليدية. إذا كان لا بد من تقديم في أي كتاب، فهل نحتاج فعلا إلى فصل في الخاتمة يخصص للخلاصات؟ أليست الخلاصات بحد ذاتها توجيها للقارئ؟! ربما إحدى ميزات الكتاب أنه يدفع القارئ إلى التفكير والخروج بخلاصات ذاتية وخاصة.
2 ـ هل للسلفية الجهادية في تونس ما يميزها عن مثيلاتها عبر العالم؟ وما موقف رموزها من تنظيم الدولة والخلافة التي أعلنها؟
عندما أنهيت الكتاب في يناير (كانون الثاني) 2015، كنا في تونس قد دخلنا مرحلة المواجهة مع السلفية الجهادية وتعبيرتها التنظيمية "أنصار الشريعة". كان التنظيم في حالة مواجهة محلية، وكان تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في حالة هيجان وتمدد في المشرق العربي. لم يكن من السهل بالنسبة إلى قيادات السلفية الجهادية التونسية اتخاذ مواقف محددة وواضحة من تنظيم الدولة بسبب الصراع بين "الدولة" و"النصرة."
تأثر تنظيم أنصار الشريعة التونسي بهذا الانقسام الحاصل في الشرق. جزء مهم من شباب السلفية الجهادية التونسية انضم فعلا إلى تنظيم الدولة، وبايع أبوبكرالبغدادي فيما بقي جزء آخر وخاصة القيادة التي تحيط بسيف الله بن حسين (زعيم أنصار الشريعة في تونس) على بيعتهم القديمة لتنظيم القاعدة الأم في أفغانستان بقيادة أيمن الظواهري.
مع العمليات الإرهابية الأخيرة التي وقعت في تونس (عميلة سوسة ومتحف باردو في العاصمة)، بات من الواضح أن هناك صراعا جاريا حول الاستحواذ على العمل الجهادي واستقطاب الشباب المتردد.
3 ـ كيف يجري هذا الصراع بالضبط؟ وأين تنحصر أهم التمايزات داخل الصف الجهادي التونسي؟
من المهم القول إن المظاهر الأولى للصراع صلب تنظيم أنصار الشريعة، بدأت منذ كانون الثاني (يناير ) من سنة 2013 حينما افتك جزء من "الجناح الشبابي" المتشدد المبادرة من قيادة التنظيم وقام في أوائل فبراير(شباط) من ذات العام بأول عملية اغتيال في تونس بعد الثورة، ونعني اغتيال الشهيد اليساري شكري بالعيد.
كان الأمر يتعلق بفرض خيار المواجهة من قبل جزء من التيار على القيادة التي كانت مترددة في المرور إلى مرحلة "شوكة النكاية"؛ إذ إن جزءا من شباب السلفية الجهادية كان يميل منذ خروج تنظيم أنصار الشريعة إلى العلن إلى العمل المسلح، غير أن سيف الله بن حسين زعيم التيار كان يعمل على احتواء هذه الفئة، وبالتالي "تأجيل" هذه المرحلة ومن ثم احتواء هذا التيار داخل التنظيم.
مثل القيادي أبوبكر الحكيم الذي قاتل إلى جانب تنظيم التوحيد والجهاد في العراق سنة 2004، والذي عاد إلى تونس في فبراير (شباط) 2011، كان من المقربين من أبي عياض التونسي، واختلف معه منذ الأشهر الأولى حول ضرورة المرور إلى العمل المسلح.
مباشرة بعد هروب سيف الله بن حسين إلى ليبيا والتحاقه بمعسكرات الجناح الليبي لأنصار الشريعة في نهاية 2012، انقطع حبل الوصل بين الرجلين. كان من الواضح أن جزءا مهما من شباب التيار، وخاصة بعد إعلان الحكومة تصنيف أنصار الشريعة كنتظيم إرهابي، اقتنع أن خيار المواجهة تأجل كثيرا، وأن سياسة "التهدئة" التي اعتمدها التنظيم أدت بشباب التنظيم إلى المحرقة، إما إلى السجون أو الهروب نحو ليبيا أو بلاد الشام.
لم يتردد أبوبكر الحكيم، والذي يلقب بأبي مقاتل في إعلان خروجه في شريط فيديو من مدينة الرقة السورية في ديسمبر (كانون الأول) 2014 ليعلن بيعته لخليفة الدولة الإسلامية. هذا التوجه من قبل جزء من شباب أنصار الشريعة ومبايعتهم للدولة تدعم ببيعة كمال زروق الذي كان يؤم الناس في أحد أبرز معاقل أنصار الشريعة بالعاصمة (الجبل الأحمر) لتنظيم الدولة والتحاقه بها في سوريا.
تمحور الانقسام صلب التيار السلفي الجهادي إذن حول مسألة: من نبايع، القاعدة أم تنظيم الدولة؟.
4 ـ يقوم بحثكم على دراسة ميدانية شملت مقاربة الأوضاع المعيشية لعدد من الجهاديين ومباشرة حوارات مع بعض قياداتهم، كيف تأتّى لكم ذلك مع العلم أنكم تنطلقون من خلفية حداثية تصطدم كليا مع مرجعية الجهاديين؟
كل اللقاءات التي أجريت مع قادة الجهاديين وشباب التيار وقعت في الفترة التي سبقت مرحلة المواجهة وتصنيف تنظيم أنصار الشريعة كتنظيم إرهابي في أكتوبر من سنة 2013؛ أي بعد حادثة اغتيال محمد البراهمي النائب في المجلس التأسيسي عن التيار الشعبي.
كانت اللقاءات في أواسط 2012 وحتى قبلها بسنوات. في ذلك الوقت كان هناك شبه انفتاح من التيار السلفي الجهادي على الإعلاميين ورغبة من قياداته للظهور في وسائل الإعلام.
الأهم ربما أن بعض الحوارات أجريتها مع شباب جهادي خارج تونس، وخاصة المجموعة التي ذهبت للقتال إلى جانب المحاكم الإسلامية في الصومال قبيل الثورة. طبعا، لا يخلو الأمر من ريبة في لقاء هذه الجماعات وقياداتها، ولكن نجاح أي عمل إعلامي أو بحثي يرتبط بالقدرة على إقناع الطرف الآخر، وإن كان معاديا على قبول المحاورة. الأكيد أن بعضا من عمل الصحفيين والباحثين يقوم على تهيئة الظروف المناسبة لإجراء لقاءات مع أشخاص خطيرين ويحملون أفكارا مسبقة على من يطلب منهم حوارا. يعني هي عملية "ترويض صحفي" مطلوبة في عملنا الإعلامي والبحثي.
5 ـ جميل، لكن ما الدواعي التي تحمل، في اعتقادك، القيادات الجهادية إلى قبول هذا النوع من الحوارات مع من لا يشاطرهم التوجه الفكري؟ وكيف تتوقع وقع الكتاب عليهم بعد صدوره؟
يتعلق الأمر في اعتقادي، بالواقع الجديد، واقع الحرية المطلقة، حيث انتفت شماعة المظلومية ووجد الآلاف من الشباب الجهادي أنفسهم أحرارا، وخاصة بعد قرار حل جهاز أمن الدولة الذي كان مكلفا بهم.
فكان التعامل مع الإعلام أحد الأسئلة المحيرة في هذا الواقع الجديد. وهنا يجب أن نعود إلى شهر أبريل من سنة 2011 عندما عقد أنصار الشريعة أول مؤتمر علني لهم في ضاحية سكرة شمال العاصمة. كان شعار المؤتمر هو "اسمعوا عنا ولا تسمعوا عنا"، وكان من بين الحضور مراسل قناة الحرة الأمريكية الناطقة بالعربية فضلا عن صحفيين آخرين، وكانت التوصية واضحة في الورقة التي وزعت في بوابة المؤتمر: "لا يمكن الإدلاء بأي تصريح صحفي من قبل الشباب وترك الأمر إلى هيئة تنظيم المؤتمر."
أعتقد أن الحوارات التي قمت بها مع قيادات التيار وشبابه كانت مرتبطة بفترة حيرة التعاطي مع الإعلام التي شكلت بدايات خروج التيار إلى العلنية.
من هذا الباب، أعتقد أن الأمر يرتبط بما يمكن أن أسميه بوجود "حالة جديدة" ولدتها الثورة، ولم تكن تتوفر على إجابات فقهية كلاسيكية مستقاة من المدونة التكفيرية الرافضة بالكلية لأي تعامل مع الدولة الحديثة.
وعن رد فعل شباب التيار السلفي الجهادي على الكتاب، فإني لم أجد أثرا سلبيا أو إيجابيا للكتاب في منتدياتهم. ربما يكون واقع السجون والمطاردة الأمنية لهم في الوقت الحالي مانعا وجيها في أن يدلي من قرأه منهم برأيه في الكتاب.
وفي كل الحالات، أعتقد أنهم قرروا على اختلافاتهم داخل التيار الدخول في مرحلة المواجهة المسلحة التي أعطيت فيها الأولوية للرصاص لا للقراءات أو الرد على الكتابات.
6 ـ هل لازال الرهان قائما على نجاح التجربة الديمقراطية في تونس لاحتواء الظاهرة الجهادية؟ وهل يمكن توقع تحول في مرجعيتها الأيديولوجية نحو الاندماج في الثقافة الحديثة على غرار ما حدث لتنظيم النهضة الإسلامية لراشد الغنوشي؟
لا يمكن أن تجري في اعتقادي مراجعات حقيقية للتيار السلفي الجهادي التونسي دون حدوث هذه المراجعات في مراكز القرار والتفكير الجهادي، سواء في سوريا والعراق أو في أفغانستان أو اليمن.
نحن أمام ظاهرة معولمة ينتفي فيها جانب الاستقلالية الوطنية. من المهم القول إن المراجعات على محدوديتها في وقف العنف الجهادي نهائيا في المنطقة العربية، التي وقعت في العديد من البلدان قبل ما سمي بالربيع العربي مست أولا المركز وأقصد الفكر الجهادي المصري (مراجعات سيد إمام) لتمتد فيما بعد إلى ليبيا والمغرب الأقصى والجزيرة.
من هذا الباب بالذات، أعتقد أن اندماج “الجهادية التونسية” في المشهد السياسي التونسي بصفة مستقلة عن ارتباطاتها الإقليمية على غرار حركة النهضة أمر مستبعد. ستبقى التجربة الديمقراطية التونسية رهينة هذه التحولات الدولية ورهينة تنامي الظاهرة الجهادية إقليميا ودوليا.
7 ـ نود سؤالك عن موضوع آخر، يتعلق بالقيمة المضافة التي حملتها تجربة "الحكم" التي خاضها الإسلاميون في تونس، في إطار الترويكا مع حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل العمل والحريات؟ وهل لفشل حليفهم منصف المرزوقي في الانتخابات الرئاسية أسباب أيديولوجية؟
إذا كان ثمّة من قيمة مضافة لتجربة الحكم التي خاضها الإسلاميون في إطار تحالف الترويكا في تونس، فهي مزيد تعميق قيمة الاختلاف السياسي وقبول التعايش بين الفرقاء السياسيين. فالجميع فهم أن خروج أي طرف عن هذا الإجماع سيهدد التجربة الديمقراطية برمتها.
أعتقد أن الترويكا وخاصة حركة النهضة استفادت من أخطائها في بداية الحكم، ودفعت أنصارها إلى مزيد من الاعتدال ولجم الاحتقان والتحريض السياسي المؤدي إلى العنف بالضرورة.
دفعت الساحة السياسية والاجتماعية التونسية الثمن غاليا في الوصول إلى هذه المرحلة السياسية. كانت الضريبة عمليات اغتيال وقتل للجنود ورجال الشرطة وصولا إلى قتل السياح الأجانب. فهم الجميع أن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع والقبول بنتائج الانتخابات مهما كانت نتيجتها هو الطريق الوحيد للحفاظ على السلم الاجتماعي.
من المؤكد انتخابيا أن الرئيس السابق المنصف المرزوقي دفع غاليا ثمن تحالفاته مع الأطراف المتشددة. استعانة المرزوقي برموز السلفية أدى إلى نتيجة عكسية في حملته الانتخابية. كانت البلاد قبل الانتخابات بأشهر ، في أواسط 2014؛ أي بعد سلسلة الاغتيالات والقتل ، تبحث عما يعيد لها توازنها السياسي والسلم الاجتماعي، ويذكرها بالنموذج المجتمعي الذي سطره مؤسس دولة الاستقلال الحبيب بورقيبة.
8 ـ لكن، ألا تعتقد أن قبول القوى الدينية المتشددة التحالف مع المرزوقي يعد بمثابة مؤشر على قابليتها للتحول والتغير، ومن ثَمَّ التدرج في الاندماج السياسي والاجتماعي، وبالتالي يكون من الحكمة التعامل بمرونة مع قرارات التحالف الصادرة من الأطراف الحداثية بدل شيطنتها؟
أرى أن الأمر يرتبط بتبادل مصالح وظيفي لا يعكس تغييرا، فهذه القوى الدينية لا ترى في المرزوقي الشخصية "العلمانية" التي تؤمن بعالمية حقوق الإنسان، ولكنها ترى فيه "الضامن" الوحيد لأن تواصل تمتعها بحرياتها وخيامها الدعوية في الشوارع وسيطرتها على الخطاب المسجدي، وبالتالي بمزيد من الحريات الدينية التي تتيح لها إنجاح "الأسلمة التامة".
من جهة أخرى، لا أعتقد أن المرزوقي كان يرى هذه القوى مشاريع فكرية قابلة للتطور ولكنه كان يحتاجها فقط يوم الانتخابات للإدلاء بأصواتها له . فكان التعامل بين الطرفين مصلحيا وظيفيا لا غير.
9 ـ هل كان بالإمكان "توريط" هذه الجماعات المتشددة أكثر في العملية الانتخابية، وبالتالي "إدماجها" في العملية السياسية؟!
سؤال وجيه، ولكن من المهم القول إن القوى الدينية المتشددة التي دعمت المرزوقي كانت من التيار السلفي غير الجهادي التي تحصلت على التأشيرة كحزب "الخلاص" السلفي وحزب التحرير الإسلامي وقاعدة كبيرة من جمهور حركة النهضة المشاركة منذ الثورة في العملية السياسية ومعترفة بمؤسسات الدولة.
الإشكال أن هذه القوى الدينية السلفية المتشددة، والتي لم تتورط في لعبة العنف مثل تيار أنصار الشريعة، لم تبدِ أية مراجعات حقيقية. صحيح أنها معترف بها وتنشط بكل حرية وتعترف بالترخيص القانوني الذي منحته لها الدولة غير أن مرجعياتها تذهب إلى ازدراء الدولة المدنية والدستور الوضعي، وهي تأخذ منه وتستدل بما يتوافق مع مراجعها الدينية.
ـ في الختام، أي مستقبل للإسلام السياسي سيكون في تونس الديمقراطية حسب رأيكم؟10
إذا اعتمدنا حركة النهضة كمثال رئيس للإسلام السياسي، فإن خطابها يسير نحو الاندماج الكامل في منظومة الدولة المدنية. لكن يبقى تأصيل هذا الاندماج فكريا أمرا في غاية الأهمية.
فإلى اليوم، وفي انتظار المؤتمر القادم لحركة النهضة تواصل الحركة اعتماد وثيقة "المنهج الأصولي" ذات الأرضية الإخوانية الحالمة بطوباوية المشروع الإسلامي.
هذه الوثيقة تعد نصا موازيا لمشروع الدولة المدنية الحديثة التي بنيت عليها التجربة الديمقراطية التونسية بعد الثورة. ومن المهم القول، إن قيادات حركة النهضة على وعي كامل بهذه الانفصامية التي تعيشها قاعدة الحركة.
فمقابل الخطاب السياسي المدني المتطور الذي تقدمه القيادة لا يزال شباب الحركة يؤمن بمقولات من قبيل "الدولة الإسلامية" و"المشروع الإسلامي" وقياس نشاطهم الحياتي طبقا لثنائية "الحلال والحرام" بدل ثنائية "القانوني والمنافي للقانون".
في المقابل، فإنه على خلاف التجربة المصرية مع الإخوان أعتقد أن التجربة التونسية المدمجة لحركة النهضة في العملية السياسية ستكون أكثر إفادة للاستثناء التونسي، وستجبر حركة النهضة تدريجيا على التخلي عن عناصر التشدد والرفض للدولة المدنية، وهو ما نفهمه من استبعاد للعديد من رموز التشدد داخلها خاصة الصادق شورو والحبيب اللوز.
لو مضت النهضة في مراجعات فكرية أبعد من خطابها السياسي المتطور، فإن الأمر سيؤهلها لأن تكون حركة إسلامية نموذجا في العالم العربي تقدم مثالا جيدا لحركة إسلامية تؤمن بعلوية الدستور المدني والخروج من طوباوية الدولة الإسلامية، وبالتالي تمكين شبابها من الاندماج في مشروع الدولة المدنية بما يؤدي إلى نزع القداسة الدينية عن أي فعل سياسي.
سيظل تحول خطاب حركة النهضة سطحيا طالما لم يمس الجوهر المرجعي، وطالما بقيت الأدبيات الإسلامية الإخوانية التقليدية مسيطرة على الحركة.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

