هل يكفي إنكار ممارسات "داعش"؟
22 اغسطس (آب) 2014 09:00 | 1 تعليق

سعد الهبطي*
سعد الهبطي*

صُدم العالم للعنف الذي تمارسه بعض الحركات الإسلامية المسلحة، مثل "أنصار الشريعة" في اليمن و"جبهة النصرة" في سوريا و"بوكو حرام" في نيجيريا .. إلخ؛ ووصلت الصدمة ذروتها مع حركة "داعش" التي أعلنت قيام الخلافة الإسلامية.

لا يخفى أن هناك عوامل محلية وإقليمة ودولية ساهمت في إيجاد هذه الحركات، وهيأت المناخ المناسب لظهورها وتمددها، لكن كل ذلك لا يجوز أن يثنينا عن الاعتراف بأن الدين أيضا عامل رئيسي في إيجادها، حيث يمثل الإسلام منظومتها العقيدية والفكرية التي تنطلق منها في تبرير ممارساتها وإضفاء طابع الشرعية الدينية عليها، بدءا من تكفير الديموقراطية وأنظمة الحكم المدني، مرورا بجزّ الرؤوس وبتر الأطراف، وانتهاء بالصلب وترك الجثث تتعفن في الساحات العمومية ..إلخ، وما يتصل بكل ذلك من إجبار الأقليات غير المسلمة على الإسلام أو التهجير ..إلخ.

الوقوف عند عامل الدين باعتباره الأرضية التي تشكل منطلق هذه الحركات في رؤيتها لعموم القضايا الدينية يستوجب طرح أسئلة نقدية جريئة وصريحة يمكن معها مراجعة بعض جوانب الإشكال في منظومتنا الفكرية والدينية بما يحصن مجتمعاتنا الإسلامية من تكرار مثل هذه التجارب السيئة في مستقبل الأجيال القادمة.

الموقف الديني حيال هذه الجماعات - سواء في ذلك موقف المؤسسات والهيئات الدينية الرسمية وغير الرسمية، أم موقف أفراد العلماء والشيوخ- يطغى عليه طابع الصمت والتجاهل، وأقصى ما وصل إليه لحد الآن، هو بيانات الإنكار.

هذا الإنكار وعلى الرغم من أهميته وضرورته على المستوى النظري، يبقى من الناحية العملية أمرا غير ذي جدوى أمام هذه الحالات ما لم تتبعه إجراءات عملية من شأنها إصلاح جوانب الخلل التي أصابت الحقل الديني في بلداننا الإسلامية، ذلك لأن كثيرا من أفراد هذه الجماعات هم من زاوية أخرى، مجرد صناعة وإنتاج لخطاب ديني لا زال يصدر لحد الآن عن كثير من الشيوخ والهيئات الدينية.

يتقاطع توجه هذه الجماعات بدرجات متفاوتة مع كثير من الخطابات الدينية المنتشر اليوم -سواء تلك المرتبطة بالتوجه السلفي بجل تلويناته، أم تلك المرتبطة ببعض الاتجاهات الحركية-؛ إلا أنه يتطابق من حيث نزعته التكفيرية مع الفكر الوهابي إلى حد يبدو وكأنه مجرد امتداد له، كما تشهد على ذلك مصادر هذا الفكر؛ وكمثال على ذلك، النصوص التالية من كتاب: "المختصر المفيد في عقائد أئمة التوحيد".

جاء في ص 123/124؛ من هذا الكتاب: "من خرج عن حكم الله، وعدل إلى ما سواه من الأحكام الجاهلية وجعل ذلك شريعة مقدمة، أو مزاحمة لشريعة الله، فهو كافر يجب قتاله حتى يعود إلى حكم الله ورسوله، .. وأي دولة تنتهج هذا النهج، تصبح دولة جاهلية كافرة ظالمة فاسقة، يجب بغضها ومعاداتها، وتحرم مودتها وموالاتها". 

وفي ص 128/129: "فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيَّأة مكملة مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به، وتقرهم عليه، وتحتِّمه عليهم. فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة لشهادة أن محمدًا رسول الله بعد هذه المناقضة؟!". 

وفي ص 129 تحت عنوان: "(حكم البلدة التي تحكم بالقانون الوضعي) وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمهما الله تعالى: هل تجب الهجرة من بلاد المسلمين التي يحكم فيها بالقانون؟ الجواب: البلد التي يحكم فيها بالقانون ليست بلد إسلام، تجب الهجرة منها". انتهى.

وفي ص 130: "وسئلت اللجنة الدائمة: نحن نعيش تحت حكومة غير مسلمة وهي تُحكَّم القانون الوضعي. فهل لنا أن نرفع إليها قضايانا؟ الجواب، الحمد لله وحده .. وبعد: لا يجوز لمسلم أن يتحاكم إلى حكومة غير مسلمة قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} المائدة: 44." انتهى.

هذه النصوص وأمثالها صريحة في نشر فكر التكفير والخروج على المجتمع، وما يترتب على ذلك من وجوب قتال هذه الدول الإسلامية التي تحكم بالقانون الوضعي، وهو أمر تمت الدعوة له بشكل صريح في هذه النصوص السالفة الذكر.

هذه النصوص وأمثالها، هي الأساس النظري لمنهج "الهجرة والتكفير" الذي يمثل قاعدة تفكير هذه الجماعات المسلحة؛ من هنا ندرك لماذا تكفر هذه الجماعات حتى الدول التي تديرها حكومات محسوبة على التيار الإسلامي مثل تركيا والمغرب، كما وثق ذلك مقاتلوا هذه الجماعات من خلال عدد من الأشرطة المرئية. 

تتخذ هذه الجماعات من قراءتها لنصوص القرآن والسنة وتراثنا الديني سندا شرعيا لتبرير ممارساتها وإضفاء طابع الشرعية الدينية عليها، ويكاد يكون لكل هذه الجماعات هيئات شرعية تفصل في الأحكام التي يُراد تنفيذها.

في أحد الأفلام الوثائقية عن تنظيم "داعش" وكيفية إدارته للأراضي التي أصبح يسيطر عليها، سُئل أحدُ القضاة المكلفين بـما سُمي "شؤون أهل الذمة" عن تعامل التنظيم مع المسيحيين، فأجاب بأنهم استدعوهم وخيروهم بين أن يعطوا الجزية أو يسلموا، وإلا فالقتل والاقتتال، وأقسم على هذا الحكم قائلا: "فوالله ما ظلمناهم"؛ مما يعني أنه مطمئن إلى أن الحكم الذي نطق به، هو الحكم العادل المسنود بنص القرآن في نظره.

لهذا فإن مجرد إنكار تصرفات هذه الجماعات والشعور بعد ذلك بإبراء الذمة من كل مسؤولية أدبية وأخلاقية لا يجوز اعتباره أمرا كافيا إطلاقا، بل لا بد من فتح نقاشات صريحة وعقلانية في كثير من القضايا الدينية التي لا زال يحيط بها الكثير من الإشكال وتمثل بؤرا للتوتر والصراع الديني، من مثل قضية الإيمان والكفر، أو بتعبير آخر "حرية العقيدة"، وقضية الحكم، والخلافة، ومفهوم الدولة الوطنية، والمواطن، والمجتمع المدني، .. إلخ.  

 

*إمام مسجد بألمانيا.

التعليقات السابقة

توحيد الأهلة

نورالدين عمراوي
27 اغسطس (آب) 2014 15:34‎

سلام
إلى الذين...(لا يكادون يفقهون قولا):و على رأسهم,داعش و بوكو حرام
1-(...ويل للعـرب, من شر قد اقترب...).....الحكام... أحسبه,قريبا....جدا.
...لأننا ...
2-(....قوم من قبل المغـرب...)

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق