أبيقور: السعادة هي غياب الألم
24 نوفمبر 2014 | 0 تعليق

ذوات - نزهة صادق

لاتخف من الله، لاتخف من الموت، لاتخف من الألم، عش ببساطة، ابحث عن المتعة بحكمة، واعقد صداقات وابحث عن أصدقاء وعاملهم بحسن، كن مخلصاً في حياتك وعملك، وابتعد عن الشهرة والطموح السياسي، تلك إذن كانت المبادئ الأساسية للفيلسوف اليوناني أبيقور، الرجل الذي آمن أن الهدف من الحياة هوالسعادة، وأن الوصول إليها يتطلب حياة مطمئنة يغيب فيها الألم والخوف، وأن المتعة جوهر السعادة وضرورة وجودية يجب أن يقوم الفرد بمجهودات خاصة بغية تحقيقها.

نشأ أبيقور في ساموس، حيث قام أسلافه الأثينيون بإنشاء مستعمرة هناك، وكان والداه"نوكليس" و"هارييستريتي" أثينييْن يعشقانه كثيراً، وتعلم الفلسفة في صباه على يد معلم أفلاطون يدعى"بامفيلوس"، كما اشتهربـ"مدرسة الحديقة" الفضاء الذي تميز بكونه أكثر من مركز اختبارات وتبادل للمعارف، حيث كان يجالس فيه تلامذته ويعلمهم "حياة اللذة السهلة".

تميزت "مدرسة الحديقة" بكونها أكثر من مركز اختبارات وتبادل للمعارف، حيث كان يجالس فيها تلامذته ويعلمهم "حياة اللذة السهلة".

سافر أبيقور في الثامنة عشر من عمره إلى أثينا، حيث كان"كسينوقراط" يسير الأكاديمية، وكان أرسطو آنذاك معتزلاً في "خالسيس"، وبقي هناك لمدة سنتين، وبعد وفاة الإسكندر المقدوني، وقع الأثينيون تحت حكم الطاغية "بيرديكاس"، أحد قادة الإسكندر الأكبر وابن السلالة الأورونتية، والذي قام بتهجير جميع الأثينيين المقيمين بساموس إلى مدينة كولوفون، التي تقع على سواحل تركيا الآن، مما تحتم على أبيقور الانتقال إلى كولوفون للالتحاق بأبيه، وأسس هناك مدرسة باسمه، ثم عاد إلى أثينا في عهد"أناكسيرا"، حيث انشغل بالفلسفة، ويقول عنه الرواقي "ابولودور": "أبيقور تعلق بالفلسفة بسبب نفوره من علم النحو، ولأن النحاة في عصره لم يستطيعوا أن يشرحوا له معنى الكاوس عند هزيود"، ويقول عنه مينيب بأنه كان في بداية أمره يتعاطى النحو ثم اتجه إلى الفلسفة، حتى يفهم كتابات ديمقريطس.

تعلم أبيقور في مدينة ميتيليني اليونانية ما بين311 و310 ق.م، المدينة التي تقع على الساحل الجنوبي الشرقي لجزيرة ليسبوس مقابل الساحل التركي، وذهب بعدها إلى مدرسة في لامباسكس قبل أن يرجع إلى أثينا في العام 306 ق.م، ليبدأ رحلة مشوقة مع "الحديقة " أو "حديقة أبيقور"، وهي مدرسة فلسفية أطلق عليها أبيقور هذا الاسم نسبة لحديقته التي كانت تقع بين الرواق الإغريقي المعمد والأكاديمية الأفلاطونية.

تتلمذ على يد أبيقور الكثيرون، وكان أشهرهم "الأثيني"، و"تيموقراط"، و"ميترودور لمبزاك" الطالب الذي لم يفارق أبيقور قط منذ أن ارتبط به، وشهد له معلمه بكونه شخصاً رائعاً.

على الرغم من تأثر أبيقور بأسلافه المفكرين الأقدم منه، على وجه الخصوص الفيلسوف ديموقريطوس، إلا أنه ادعى تعلمه ذاتياً، واختلف اختلافاً جوهرياً مع معلمه ديموقريطوس في نقطة شديدة الأهمية، وهي مبدأ الحتمية. ولطالما اتهم الفلاسفة الآخرين بالخلط.

تتلمذ على يد أبيقور الكثيرون، وكان أشهرهم "الأثيني"، و"تيموقراط"، و"ميترودور لمبزاك".

خلافاً للنظرية الذرية التي تتأسس على تكوينات لا نراها ولا نحسها، تقوم فلسفة أبيقور على الإقرار بحقيقة المعطايات الحسية، حيث جعلها أبيقور أساس كل معرفة، وأرجع المعاني الكلية إلى تكرار التجربة التي نعود لتطبقيها بعد تثبيتها لفظياً. فالذرات توجد في كل مكان وفي الفضاء الكوني تتجانس بأعداد لا نهائية وعندما تتهيأ الظروف لإتلافها تتكون الكائنات والإنسان ليس استثناءً، "كما أنها في حركة دائمة بفعل ثقلها وحركتها في خطوط مستقيمة متوازية كأنها المطر" كما جاء في قاموس الفلاسفة لهاشم جمال.

في فلسفة أبيقور الزمن حادث بفعل الحركة، وبالتالي فهو لا نهائي، والتغيير والصيرورة دائمان فطالما هناك حركة وتصادم وتلف فكل شيء ممكن، والممكن قد يتحقق يوماً ما في مكان ما، والتغيير المستمر يسري على المركبات وعلى الألهة أيضاً مما لا يمنع من تعددها.

إن وجود الشر يناقض الزعم بالخيرية والقدرة المطلقتين للكائنات، فهناك تفسيرلكل الأحداث، وكلها ممكنة طالما أنها معقولة و المعقول لا يتناقض مع الواقع والتجربة. وتعد السعادة والألم مقياسين للخير والشر، وإنما الموت هو نهاية الجسد والروح، ولهذا لا ينبغي أن نرهبه، كما لا يجب أن نخاف الله؛ فالآلهة لا تكافئ أو تعاقب البشر، مادام الكون لا نهائي وأبدي، وأحداثه تعتمد بالأساس على حركات وتفاعلات الذرات في الفراغ.

أمٌا الٌلذٌة كما يقول أبيقور: "خير فذلك أمر بديهيٌ يشعر به الإنسان كما يشعر أنٌ النٌار حارٌة وأنٌ الثٌلج أبيض. إنٌ اللٌذٌة هيٌ بداية الحياة السٌعيدة وغايتها. بالنٌسبة لي لا يمكنني أن أتصوٌر ماهو خير إذا استبعدنا ملذٌات الطٌعام والحبٌ وكلٌ ما يمتٌع العين والأذن. إنٌنا لا نبحث عن أيٌة لذٌة... ولا ينبغي أن نتجنٌب كلٌ ألم. اللٌذٌة التي نقصدها هي التي تتميٌز بانعدام الألم في الجسد والاضطراب في الجسد. وبمجرٌد أن تتحقٌق لنا هذه الحالة حتٌى تهدأ كلٌ عواصف النٌفس، ولن يكون على الكائن الحيٌ أن يسعى إلى شيء ينقصه. عندما أوجد لا يوجد الموت، وعندما يكون الموت لن أكون موجوداً".

في فلسفة أبيقور الزمن حادث بفعل الحركة، وبالتالي فهو لا نهائي، والتغيير والصيرورة دائمان فطالما هناك حركة وتصادم وتلف فكل شيء ممكن. 

بالإضافة إلى تقديسه للذة، يرى أبيقور أن هناك رغبة ضرورية تتجلى في مستلزمات العيش من طعام وشراب، وغير ضرورية ترتبط بالرغبة في الجنس، وخادعة تتعلق بلبس الملابس.

كان للمدرسة الأبيقورية مكانة في تاريخ الفكرالإِنساني، فلقد سيطرت على حوض المتوسط بأكمله، وانتشرت افكارها في أنطاكية، في القرن الثاني قبل الميلاد، وتأثرت بفلسفتها المذاهب الفلسفية في الإسكندرية، بالإضافة إلى موطنها الأساسي أثينا، فقد وجدت مراكز للإبيقورية في منطقة نابولي الإِيطالية وجوارها.

كتب أبيقور كثيراً حتى أنه فاق العديد من الفلاسفة، وبلغت مؤلفاته 300 كتاب كانت من خالص فكره، ونخص على وجه الذكر لا على التمييز،"في الطبيعة"(سبعة وثلاثون كتاباً)، "ذرات وفراغ"، "في الحب"، "مختصر في الرد على الطبيعيين"، "ضد الميغاريين"، "شكوك"، "آراء أساسية"، " ما يجب طلبه وما يجب تجنبه"، "غايات"، "قانون وخصوصية".  

كان للأخلاق الأبيقورية أثر ملحوظ في المذاهب المعاصرة، وقلل الرواقيون من شأن أبيقور، لأنه كان من ألد خصومهم، كما لم يبرزوا أصحاب الاتجاهات المثالية والدينية سوى الجانب القبيح من حياته، ولفق له الكثيرون تهما عديدة، وعلى الرغم من ذلك، حافظت الفلسفة الأبيقورية على مكانتها في تاريخ الفلسفة، ومجدته بلده بأكثر من عشرين تمثالاً، وكان ولازال أنصاره كثيرون.

جعل العقل مركز البهجة والقوة التي تتجاوز آلام الجسد، وداوم على رعاية المبادئ المتعلقة بالأسئلة الطبيعية حتى آخر يوم في حياته.

وبعد صراع مع مرض الحصى الكلوية، توفي أبيقور عام 270 ق.م عن عمر يناهز 72 عاماً، وعلى الرغم من الألم القاسي الذي كان يشعر به، حاول الحفاظ على المبادئ الأساسية في فلسفته، فجعل العقل مركز البهجة والقوة التي تتجاوز آلام الجسد. وبهذا الصدد، كتب رسالة إلى صديقه لامباسكاس يقول: "اكتب لك هذا الخطاب في يوم سعيد، وهو أيضا آخر يوم لي في الحياة، لقد أصبت بانحباس البول والديزنتاريا، وهو شيء مؤلم جدا، حيث لا يمكن أن يكون هناك مثيل لمعاناتي، ولكن بهجة عقلي التي تأتي من إعادة تأمل جميع دراساتي الفلسفية، تخفف عني كل الآلام. أرجو منك الاهتمام بأطفال مترودورس، بطريقة تليق بتفاني هذا الشخص من أجلي ومن أجل الفلسفة".

وفي رسالة آخرى، أرسلها إلى أيدوميني يقول أبيقور:"في حالتي المرضية، مقابلاتي لا تلبس أبداً معاناة جسمي الفقير – أنا لا أتكلم عن أولئك الذين يجيئون لرؤيتي- لكن واصلت رعايتي للمبادئ المتعلقة بالأسئلة الطبيعية، باحثاً عن معرفة كيفية التفكير، عندما نشعر بعواطف الجسد ، تبقى – الفكرة – خالية من المعاناة وتحافظ على نفسها، لم أقدم فرصة للأطباء للتملق نتيجة لذلك، بينما تستمر حياتي في فرحة... و سعادة".

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق