"إنني أسرق كلص"
17 سبتمبر (أيلول) 2014 21:00 | 0 تعليق

بيان أسعد*
بيان أسعد*

"إنني أسرق كلص"، هي النصيحة الأولى من نصائح الفنان والكاتب أوستن كليون إلى المبدعين الشباب التي ألقاها بمحاضرة في كلية المجتمع بروم في نيويورك بعنوان: (كل النصائح سيرة ذاتية- كيف تسرق كفنان وأشياء أخرى لم ينبئك بها أحد من قبل)، حيث قال: "كل إنسانٍ يسأل هذا السؤال: "من أين تحصل على أفكارك؟" المبدع الحقيقي سيجيب: أسرقها"...لقد راقت لي هذه العبارة كثيراً، ورأيت أنه محقٌّ تماماً في ذلك،  وكونه كاتباً أولاً وفنّاناً ثانياً ولصوته صدى مسموع يتوجب علينا كسارقين بعد قراءته والاستماع إليه اختطاف كل ما يعنيه وتداول كلماته...كتّاباً كنّا أو فنانين (وهذا بالضبط ما حصل لي)...

"ما يجب أن يفهمه الفنانون. جملة من ثلاث كلمات تملؤني بالأمل حين أقرؤها: "ليس هناك ما هو أصلي"....كل فكرة جديدة هي عبارة عن مزج بين أفكار مسبقة".. أنت في الواقع، عبارة عن مزيج لأشياء اخترتها كي تدخل في حياتك. أنت مجموع الأشياء التي أثرت فيك...".بعد أن تدفقت جمله الصادقة هذه إلى باطن عقلي شاهدتُ بالصدفة فيلماً يؤكد لي ذلك كله يحمل عنوان" الكلمات-The Words" تدور أحداثه باختصار حول كاتب طموح يدعى (روري جانسن) يعيش في نيويورك، تهديه زوجته (دورا) حقيبة جلدية من محل يبيع الأشياء القديمة، فيتفاجأ بوجود مخطوط رواية داخلها كاتبها مجهول، يقرؤها، يتأثر بها كثيراً ويخطر له أن يكتبها بنفسه كي يشعر بأحداثها وتفاصيلها أكثر، أو ليعيش بها، تقرؤها زوجته صدفة فتندهش من قوة كلماتها، والتي لم تعهدها من زوجها الذي لاقى رفضاً من دور النشر على نشر روايته، فتشجعه ليحاول مرة أخيرة نشر هذه الرواية الجديدة، بالفعل ينجح في ذلك ويصبح كاتباً مشهوراً إلى أن يأتي اليوم الذي يقابله صاحب المخطوط ويسرد له أحداثها الحقيقية بنفسه بكل تفاصيلها الصغيرة والتي كانت حياته، ما يكون من (روري) إلا أن يعترف لزوجته وصاحب دار النشر أنه ليس كاتبها الحقيقي ولكن العجوز صاحب المخطوط يرفض أن يكتب اسمه على الرواية بدلاً من (روري جانسن) بقوله: إنه لم يسرق روايته فقط، بل سرق حياته كاملة...     

بعد أن انتهى الفيلم، تأكدت الفكرة التي قالها (أوستن كليون) وآمنتُ أن الكتّاب محض سارقين؛ فقد سرق (روري جانسن) من العجوز حبيبته، طريقه إليها وإلى نفسه، صبره، شقاؤه، فرحه، حزنه.  وإذا ما دققنا في انفعال العجوز نجده غاضباً وفي الوقت ذاته مستسلماً، وهذا ما لا يمكن للكتّاب دائماً رؤيته في وجوه الحقيقيين أو الوارثين، لأنهم ينسون من كانوا، أو لا يدركون وجوههم وقد غابوا في زمن ما قبل بزوغهم، وحين نرى واقعهم نجدهم مطاردين دوماً بسبب كلماتهم ولوحاتهم دون أن يدروا أن السبب الحقيقي هو سرقتهم لحياة كثيرين، بل أحاسيسهم على الورق والجدران، حرفيتهم في صنع الكلمات، أسلوبهم في كتابتها، فحين يحب أحدهم كتاباً ما يتأثر به فيبتلع كل شيء به إلى أن يصير جزءاً منه، حتى إنه قد يسرق وجوه غرباء... ينساهم لفترة ثم يجد نفسه قد رسمهم في إحدى قصصه، بل ويسرق الوقت ليكتبهم،  ودون أن يدري أيضاً عندما يهمّ إلى كتابة أي شيء حتى سيرته الذاتية يجد نفسه يلتقط كلمات طائرة في الهواء وأحياناً جملاً مرتبة بكيفية تختلف عن مستخدميها السابقين ويوثقها في رسائله وكتبه الكثيرة، إنه يسرق اللغز الذي يهب الشعاع للكلمة، لغز اللغة، لغز الحياة والإبداع، بل إنه يتوارثها عنهم وهم أحياء، وهذا نفسه يحدث مع الفنانين مجرد أن يلتقطوا ريشاتهم وأدواتهم الأخرى.

وإذا أخذنا مفهوم السرقة بشكل عام في حياتنا مجردين من كوننا كتاباً وفنانين، نجدنا بالفعل دون وعيٍ نسرق كل شيءٍ يمر بنا أو كل شيء جميل، مثلاً ابتسامة أحد المارة، نكاته... صوته، المكان والزمان الذي وقف فيه؛ إذ ذلك يحقق لنا المتعة ذاتها التي أحس بها، قد نسرق كلمة من كلمات كثيرة صدرت عن فتاة غاضبة في الحرب، ونجعلها تعاليم ومبادئ تحركنا في الحياة، نسرق الصباحات ممن يتقنونها، نسرق ما ضاع منا...وقد نسرق أيضاً إذا ما أحببنا أو أعجبنا بأحدهم صفاته، أشياؤه؛ عطره، قلمه، بُحة صوته، قبعته...حتى وجهه ....حتى إننا نصير نشبهه إلى حدّ كبير...

 وكيف إذا كان سارقاً!

*كاتبة أردنية

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق