الفلسفة في زمن الإرهاب: رهانات العقل لمحاصرة جنون القوة والدمّ
30 يناير 2015 | 1 تعليق
غلاف الكتاب – (ذوات)
مع انكماش صوت الحكمة والتعقل في أعقاب نشر الرسومات المسيئة للنبي الكريم في مجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية التهكمية، ارتفعت صيحات تنادي بإعادة دورة المفاهيم إلى نصابها، بحيث لا يعتدي الرسامون والفنانون والكتّاب على معتقدات الآخرين، ولا تنخدش في المقابل حرية الرأي والتعبير. وفي ظل هذه المعادلة الصعبة، تتجلى أهمية الأطروحات الفلسفية التي تعاين المشكلة من زوايا متعددة.
وإذا كان ما أقدم عليه المعتدون الذين ينتسبون إلى جماعات إسلامية بقتلهم أفراداً خالفوهم في الرأي، واحتجاز آخرين يناوئونهم في المعتقد، يُعدّ إرهاباً في نظر بعضهم، فماذا عن الإرهاب الذي تمارسه الدولة، وترعاه، وتدعمه، وتتواطأ مع فاعليه؟
من رحم هذه الأسئلة وسواها تولّد الكتاب المهم "الفلسفة في زمن الإرهاب: حوارات مع يورغن هابرماس وجاك دريدا" (ترجمة خلدون النبواني)، وهو بمثابة حوارين شائقين أجرتهما الباحثة الأميركية ذات الأصل الإيطالي جيوفانا بورادوري مع فيلسوفين يتميّزان بحضورهما العالمي. وقد سارعت إلى التقاط آرائهما بعد هجمات 11 سبتمبر(أيلول) 2001، لتُسجّل من جانب ثانٍ بعض آخر ما قاله دريدا قبل وفاته في عام 2004، في حدث تاريخي فريد يرى أنّ فهم الإرهاب يكون بتفكيك مفهوم الإرهاب، لأنّه المسلك الوحيد لتبيان عناصر الإرهاب من إرهاب الدولة إلى الإرهاب المحلي والدولي.
وفي مقدمتها تشير جيوفانا بورادوري إلى أن المنظومة التشريعية والسياسية المكونة للقانون الدولي وللمؤسسات المتعددة الموجودة، تقوم على الإرث الفلسفي الغربي المستند إلى التنوير، الذي ينظر إليه بوصفه توجهاً فكرياً عاماً ارتبط بمجموعة من النصوص الأساسية. وتتساءل "إذا كان الأمر كذلك، فمن غير الفيلسوف، إذاً، يستطيع امتلاك أدوات الفحص النقدي من أجل مطابقة ما هو قائم مع مقدماته التاريخية"؟
وهي تراهن كذلك على أن الفلسفة، منذ مولدها الإغريقي، هي موطن التداخلات بين المفاهيم المعقدة، لأنها "بانهماكها الدؤوب في تطوير الميادين التي تتحرك ضمنها تكون، بلا ريب الأقدر من أي تخصص آخر على معرفة كيفية إعادة توجيه الدفة، حتى عندما تبدو المرتكزات المرجعية المألوفة قد سحقت تماماً، كما هي الحال مع المفهوم المراوغ للإرهاب والتجربة الإرهابية التي تنشأ عنه".
في هذا الكتاب الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة تتجلى محاورة هابرماس الكثيفة مطبوعة بالفلسفة الألمانية الكلاسيكية التي اكتسبها في ألمانيا، ومحاورة دريدا التي تُبرز، من خلال طريق طويلة ومتعرّجة، مقدرته على الجمع بين الابتكار والدقّة وبين المراوغة والحسم.
ومهما افترق الفيلسوفان يعودان إلى الالتقاء ومهما التقيا يعودان إلى الافتراق؛ فدريدا اليهودي الذي عانى التمييز العنصري في عهد حكومة فيشي يبقى الأقرب إلى قضايا العرب ومعاناتهم، فيما يبدو هابرماس متلبّساً فظاعة المحرقة اليهودية التي تُثقل ضمير الألمان، ولكنّهما معاً مشغولان بمستقبل أوروبا وبتطوير القانون الدولي، ويرفضان الانغلاق القومي ومعاداة الأجنبي. "الديمقراطية والتحرر للجميع" لازمان. ويرى الفيلسوفان أنّ على أوروبا تحقيقهما كي لا يموت التنوير.
يتبنى هابرماس القيمة الكونية للمؤسسات الجمهورية ولقضية الديموقراطية والمشاركة التي تفترضها، وهي عناصر موروثة من عصر التنوير. وهو يعارض فكرة أنّ التنوير فشل بوصفه مشروعاً فكرياً، بل المشكلة تتمثل في ضياع الأصل النقدي من التاريخ الذي بات شبه مجهول، وهو من العوامل التي "أدت إلى فتح الطريق أمام الهمجية السياسية".
هابرماس يعتبر أنه ليس لنمط الإرهاب في 11 سبتمبر(أيلول) أهداف واقعية، كما حركات التحرر الوطني، ما يسقط عنه المضمون السياسي، لكن قرار إعلان الحرب على الإرهاب يمنحه شرعية سياسية، ويعرض الدول الديموقراطية للخطر.
من جهته، يدعو دريدا إلى تفكيك مفهوم الإرهاب باعتباره هو المسلك الوحيد والمسؤول، اذ لا يمكن الفصل بين إرهاب الدولة والإرهاب المحلي أو العالمي. كما أنه ينكر أن يكون للإرهاب معنى ثابت أو جدول عمل أو محتوى سياسي.
لكنّ كلاً من هابرماس ودريدا يقران بأن الفلسفة البرجماتية عاجزة عن مواجهة الإرهاب إلا بعد تدميره الدول والشعوب حتى تعترف أنه إرهاب وأنه يستحق المواجهة.
وفيما خص المأساة الفلسطينية، يتناول الحوار القانون الدولي وهل أصبح متقادماً إزاء التهديدات الجديدة ما دون القومية والعابرة للدول؟ من له السيادة على من؟ هل يفيد تقييم العولمة من خلال الأفكار الكونية والمواطنة العالمية؟ هل فكرة الحوار السياسي والفلسفي التي هي في صميم كل استراتيجيا ديبلوماسية أداة عالمية في التواصل؟ أم أن الحوار هو ممارسة مميزة ثقافياً قد تصبح غير ناجعة أحياناً؟وفي ظل أي شروط يمكن الحوار أن يكون خياراً متاحاً؟
كما يسأل دريدا عن "إرهاب الجماعات المسلحة التي فرضت إنشاء دولة إسرائيل والاعتراف بها. وهل هو إرهاب قومي أو دولي"؟ في حين يتهم هابرماس الإدارة الأميركية بأنها تخدم أهداف الإرهابيين الذين يريدون نشر الرعب في المجتمع الأميركي، بكل ما تقوم به من استعراض لجاهزيتها واستعدادها لمواجهة عدوّ مجهول تسميه الإرهاب، تولّد لدى الأميركيين هالة من الهلع والرعب هو جلّ ما يبغيه الإرهابيون.
أما ما اتصل بـ" الإرهاب" المنسوب للعرب والمسلمين فيعرب هامبرماس عن اعتقاده بأن الغرب بات كبش فداء لكلّ تجارب الضياع الفعلية التي أصابت العالم العربي على امتداد العقود السابقة، وهي التجارب التي عانتها الشعوب العربية من العولمة المتسارعة التي سعت إلى نزع الهوية والموروث الثقافي لهذه الشعوب. وهو يحمّل خيبة الأمل من الأنظمة الوطنية الحاكمة مسؤولية انفلات النزعة الأصولية الإسلامية، بالنظر إلى الفشل الذي منيت به في تحقيق برنامجها في تحسين مستوى المعيشة والحد من الأمية والبطالة وتحقيق الديموقراطية واستعادة الأراضي المحتلة وتحقيق التحرر الوطني.
وفي غمرة ذلك يشير الفيلسوف الألماني إلى أن المجتمعات الغربية المتقدمة والتي تعيش حياة مرفهة لا تخلو من عنف بنيوي يضرب هذه المجتمعات من خلال عدم المساواة الاجتماعية والتمييز المهين بين الفئات الاجتماعية، ناهيك عن الإفقار والتهميش، ليصل إلى تحميل الرأسمالية المنفلتة من الحدود مسؤولية مركزية في انفلات الإرهاب، ليخلص إلى التحذير بأنه "اذا لم يوضع حد لهذا الانفلات للرأسمالية المتوحشة فسيكون من المستحيل وقف التدمير التراتبي للمجتمع الدولي".
وفي رده عن سؤال: ما الحداثة، يجيبهابرماس إنها تغيير في "أسلوب" الاعتقاد وليس في "مضمونه" وأن الأصوليات الدينية مهمومة بالأسلوب دون المعتقد، ولهذا تم حصرها في استجابتها العنيفة ضد الأسلوب الحديث في فهم الممارسات الدينية. أما المعتقد فهو الأصل الذى لا يُمس. ومن هنا يمكن القول بأنه إذا طلبت الحداثة من المعتقد التنازل عن سمته الكامنة فى امتلاكه الحقيقة المطلقة لكي يتعايش مع مجتمع يتسم بالتعددية فى جميع المجالات، فإن العنف هو استجابة المعتقد لذلك المطلب. والعنف، عند هابرماس، هو الوسيط بين الأصوليات الدينية والإرهاب.
أما دريدا فيرى أن الإرهاب "ظاهرة عرضية لصدمة الحداثة، وإذا كانت الحداثة ثمرة التنوير فيلزم إعادة النظر في التنوير". وهو يدعو إلى "قيم كونية ترافق التنوير".
في هذا الكتاب يقوم هامبرماس ودريدا بتعرية الخطاب الغربي واتهامه مباشرة وتحميله المسؤولية الكاملة عما وقع في 11 سبتمبر(أيلول). كما أنهما يؤكدان قيمة المثل العليا لعصر التنوير، وهما يستعيدان، كما تقول مؤلفة الكتاب، "مفهوم الجماعة الكونية التي حلم بها كانط، ويكون جميع أفرادها مدعوين إلى أن يكون لهم حضورهم في مجتمعات الآخرين، بفضل حقهم في المُلكية المشتركة لسطح الكرة الأرضية".
التعليقات السابقة
كيف لداريدا ان يكون محايدا؟؟؟؟
خميس بوعلي02 فبراير 2015
مع الاحترام الكبير لهذين المفكرين...
في نفس الحوار الذي اجري مع داريدا عقب احداث 11/9/2001 ،اكد هذا المفكر مجددا رفضه للاخر
و للاخر العربي تحديدا مستندا الى حجة انطولوحية مفادها الا وجود لاية معقولية اخرى غير
المعقولية الغربية ذات الاصول الاغريقية .اذ العقل في رايه - اللغوس - لا يكون الا اغريقيا
وهو بذلك ينسف من الاساس كل امكانية للحوار او التثاقف او الاعتراف المتبادل بين الثقافات .
فلا داريدا او هابرماس قادر على الاصطلاع بهذه المهمة ....
أضف تعليقاًً
* اختياري


