الكندي: مُعبّد الطريق العربية الإسلامية للتعرف على الفلسفة اليونانية
18 ديسمبر 2014 | 1 تعليق
لوحة تقريبية لملامح فيلسوف العرب الكندي -(أرشيفية)
كان أرسطو مثله الأعلى في الفلسفة، وتأثرت شخصيته الفكرية والعلمية بالفكر الاعتزالي، وعايش أحداث الصراع العقائدي بين التيارات الفكرية المتنوعة، كان بارعاً في الفلك والفلسفة والكيمياء والفيزياء والطب والرياضيات والموسيقى وعلم النفس والمنطق الذي كان يعرف بعلم الكلام، إنه أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب.
ولد الكندي في الكوفة، وكان أبوه إسحاق بن الصباح أميراً عليها في عهد المهدي والرشيد، وتلقى علومه بالبصرة وبغداد، وينتمي الكندي لعائلة عربية نبيلة من قبيلة كندة إحدى قبائل جنوب شبه الجزيرة العربية، قضى طفولته في الكوفة، وحفظ القرآن منذ صباه كما درس الفقه والحساب، ووافق بين الدين والفلسفة، وأول القرآن فلسفياً، وقدم أدلة تثبت وجود الله، وتطرق لموضوع السببية (العلية) في وجود العالم، وكان له موقفاً من حقيقة الوحي والنبوة.
وتخبرنا روايات عدة أن الكندي انتقل إلى البصرة في بداية حياته، ثم إلى بغداد في حقبة ما من شبابه وهذا ما رواه القفطي، حينما قال إنه "شريف الأصل بصرياً وكان جده ولي الولايات لبني هاشم، ونزل البصرة... وانتقل إلى بغداد وهناك تأدب"، "وبما أن البصرة كانت مقر اً للحركات الفكرية والعلمية ومهبطاً للتيارات الثقافية من أصحاب الأهواء والآ راء والمذاهب والنحل الغريبة، فمن الطبيعي أن تترك هذه التيا رات الفكرية المتنوعة أصداء مختلفة الألوان على روح واتجاه الكندي، وخصوصاً الفكرة الاعتزالية التي كانت من أعنف الأفكار التي سرت في المجتمع الإسلامي آنذاك، والتي ناصرها "المأمون" و"المعتصم" و"الواثق" الذين احتضنوا الكندي، وجعلوه قريباً منهم" كما جاء في دراسة معنونة بـ "أثر الاعتزال في فكر فيلسوف العرب (الكندي) للباحث م. م حيدر عبد الحسن قصير من جامعة البصرة.
وعلى الرغم من تأثر الكندي ببعض أفكار الاعتزال العاصف في عصره، فإن ذلك لم يفقده طابعه الفلسفي القوي وشخصيته المتميزة وروحه الخاصة، والتي برزت في كتبه ورسائله القيمة، فلقد كان واسع المعرفة وتميز بخصائص الدقة في تحديد الألفاظ الفلسفية وفي وجوه استعمالها، وبنى بحثه في الفلسفة على الأسس الرياضية، وكانت له آراء في الموسيقى والعلوم الطبيعية، واشتغل في بداية حياته بالترجمة من اليونانية إلى العربية وبمراجعة ترجمات غيره، ومارس التأليف في علم الكلام على مذهب المعتزلة، فاعتمد مثلهم على العقل وقال بأصلي التوحيد والعدل، وحاول ككل الفلاسفة العرب التوفيق بين العقل والنقل (الوحي).
عرفت حركة المعتزلة توسعاً كبيراً في 218 هجرية، وانتشرت بعد أن أقبلت بشكل متزايد على مؤلفات اليونان، مما أدى بها تدريجياً إلى الانطلاق من حدود الكلام إلى آفاق العلوم النظرية والعقلية والتجريبية على اختلافها، ويعد يعقوب بن إسحاق الكندي من الأوائل من توفروا على العناية بهذه العلوم جملةً وعرّف بها بنفسه بصورة محيرة جداً، فمنها ما يعود لمختلف فروع العلوم، ومنها ما يتعلق بالفلسفة، والرياضيات، والنجوم ، والطب، والسياسات وغيرها من فروع العلم الأخرى، واستطاع أيضاً التعرف على نقلة علوم اليونان من النصارى والصابئة الذين أغدق عليهم المأمون المكافآت المالية لتشجيعهم على الاستمرار فيما ابتدأوا به من الترجمة، وساهم بذلك في نضج علم الكلام خلال المرحلة العباسية تحت خلافته والمعتصم، فأضحى بذلك علم الكلام فكراً أرقى مما كان عليه.
يُعدّ الكندي أول فيلسوف عربي مسلم ساهم في تطوير الفكر العربي، بعد أن تأثر بالأفلاطونية المحدثة وبواقعيتها، وضع نظرية تقول أن الله خلق العقل أولاً، ومن خلاله خلق الله جميع الأشياء الأخرى، ويكون بذلك قد فسر العالم بنظرية الفيض (أو الصدور) التي توضح أن فعل الله يتجلى في العالم عن طريق الوسائط، فالأعلى يؤثر فيما دونه، وهكذا تترابط الوسائط فيما بينها ترابط العلة بالمعلول، ويعكس كل موجود سائر الموجودات؛ فالله الواحد صدر عنه العقل الواحد أو العقل الكلي وعن العقل الكلي صدرت النفس الكلية وعنها صدرت الكواكب والأرض والبشر والعالم المادي؛ فالعالم يشبه الجسم الحي والنفس هي التي تحركه، إن النفس الإنسانية جزء بسيط انفصل عن الأصل ومازال يحمل ذكرياته، وهي جوهر خالد لكنها حبيسة الجسم الذي يعتبر وسيلتها لأداء أفعالها.
نجد في الأعمال الفلسفية للكندي أولوية بارزة، وهي إيجاد التوافق بين الفلسفة والعلوم الإسلامية الأخرى والعلوم الدينية على وجه الخصوص، فلقد تناول في الكثير من أعماله، إشكالات فلسفية دينية، مثل طبيعة الله والروح والوحي، الشيء الذي جعل منه أعظم الفلاسفة ذوي الأصل العربي، اللذين لعبوا دوراً مهماً في زمانه، لهذا يلقب بـ"فيلسوف العرب".
تأثر الكندي بفلسفة أرسطو وبآرائه حول المادة والصورة والزمان والحركة والعقل والنفس، غير أن ميله للمواقف الدينية وتأثره بالأفلاطونية المحدثة، أوضح بتجلٍّ اختلاف الكندي مع أرسطو في عدة مواقف أهمها، أنه دافع رياضياً عن مسلمة الخلق من عدم وعن تناهي العالم والزمان والحركة، فالعالم محدث من عدم مطلق وعلة إحداثه الله والعالم متناه، وهو في كل شكل كرة، وقد كان الكندي أول من دشن هذا النمط من التفكير في الثقافة العربية الإسلامية، الشيء الذي جعل منه أول من مهد الطريق للفلاسفة اللذين تلوه.
كتب الكندي على الأقل مئتين وستين كتابًا، وفقًا لابن نديم ، منها اثنان وثلاثون في الهندسة، واثنان وعشرون في كل من الفلسفة والطب، وتسعة كتب في المنطق واثنا عشر كتابًا في الفيزياء، غير أنه لابن أبي أصيبعة رأي آخر في إنتاجات الكندي، فهو أوضح أن لفيلسوف العرب مائتين وثمانين كتابًا، وعلى الرغم من أن الكثير من مؤلفاته فقدت، إلا أن آثار نظرياته وأعماله في مجالات الفيزياء والرياضيات والطب والفلسفة والموسيقى استمرت لقرون عدة.
وتعد الترجمات اللاتينية التي ترجمها جيرارد الكريموني، أهم الأعمال التي نقلت أعمال الكندي بالإضافة إلى بعض المخطوطات العربية الأخرى، وأهمها الأربع وعشرون مخطوطة من أعماله المحفوظة في مكتبة تركية منذ منتصف القرن العشرين، والتي تناولت مواضيع مختلفة منها الفلسفة والمنطق والحساب والهندسة والفلك والطب والكيمياء والفيزياء وعلم النفس والأخلاقيات وتصنيف المعادن والجواهر.
للكندي مؤلفات عديدة، فلقد كان موسوعياً كمفكري عصره؛ ففي الفلسفة كتب "الفلسفة الأولى فيما دون الطبيعيات والتوحيد،"كتاب الحث على تعلم الفلسفة"، و"رسالة في أن لا تنال الفلسفة إلا بعلم الرياضيات."، وفي المنطق كتب "رسالة في المدخل المنطقي باستيفاء القول فيه"، "رسالة في الاحتراس من خدع السفسطائيين"، وفي علم النفس كتب" رسالة في علة النوم والرؤيا وما ترمز به النفس"، وفي الموسيقى كتب "رسالة في المدخل إلى صناعة الموسيقى"، و"رسالة في الإيقاع"، وفي الفلك كتب" رسالة في علل الأوضاع النجومية"، "رسالة في علل أحداث الجو"، "رسالة في ظاهريات الفل"، "رسالة في صنعة الأسطرلاب"، وفي الحساب كتب " رسالة في المدخل إلى الأرثماطيقى: خمس مقالات"، "رسالة في استعمال الحساب الهندسي: أربع مقالات"، "رسالة في تأليف الأعداد".
توفي الكندي عام 256 هـ الموافق لـ873م، بعد أن عَبّد الطريق للفلاسفة العرب والمسلمين للتعرف على الفلسفة اليونانية واعتبارها كنزا من كنوز المعرفة الإنسانية التي ينبغي الاغتراف من منابعها، ولعل اعتباره أن الصناعة الفلسفية "أعلى الصناعات الانسانية منزلة وأشرفها مرتبة، التي حدها علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان، لأن غرض الفيلسوف في علمه إصابة الحق وفي عمله العمل بالحق...ومن أوجب الحق ألا نذم من كان أحد أسباب منافعنا الصغار" لأبلغ دليل على ذلك.
التعليقات السابقة
رجال العزة
أيمن عبد السميع حسن27 ديسمبر 2014
الكندي من العلماء الافاضل الذين قامت عليهم حضارة العزة الاسلامية وقت ان كان الغرب يعيشوا في غياهب التخلف والفقر..
أضف تعليقاًً
* اختياري

