ديكارت: حواسنا تخدعنا
14 نوفمبر 2014 | 0 تعليق
الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت
حواسنا تخدعنا، هكذا سار ديكارت في طريق الشك للوصول إلى الحقيقة، فانطلق من الشك في الحواس، وفي العقل، وفي كل ما آمن به من آراء، ما عدا شكه في نفسه. كما رأى أنه لا شيء يأتي من العدم، مما مكنه من إعادة بناء الأشياء بالعودة إلى أوائلها وتجديدها، متخذاً من الشك منهجاً لذلك.
ولأنه يؤمن بأنه ليست لنا سيطرة تامة على أي شيء عدا أفكارنا، فقد انطلق ديكارت في رحلة بحث عميقة، وجعل من التفكير مغامرة للتعرف على العالم انطلاقاً من الذات، مسلماً بفكرته الشهيرة " أنا أفكر إذن أنا موجود"، ومؤسساً لفلسفة جديدة تنبني على مذهب العقل.
من كان يتوقع أن تلميذ كلية "فليش" الياسوعية، والعاشق للرياضيات، سيحدث ثورة عظيمة في تاريخ الفكر، وسيشك ما استطاع إلى ذلك سبيلا، حتى يرى المسائل التي تصمد أمام الشك.
ومن كان يظن أن مدينة "لاهاي إن تورين"، مسقط رأس ديكارت، ستدخل التاريخ من أبوابه الواسعة، وسيلتصق اسمها بفيلسوف المنهج. فولادته التي كانت في31 مارس(آذار) عام1596 م، في أسرة من صغار النبلاء، ذات الأصول الهولندية، وتربيته على يد أب كان يعمل مستشاراً في برلمان إقليم بريتانيا الفرنسي، وجدّ عمل طبيباً، مكنت ديكارت من تلقي تعليم متميز في وسطه من جهة، وفلسفي راقٍ في مدرسة لافليش التي مكنته أصوله النبيلة من ولوجها.
فبعد أن نال إجازة في الحقوق، ثم تطوع للخدمة في الجيش الهولندي عام 1618، وتعرف هناك على أحد العلماء الرياضيين العظماء الشيء الذي كان له أثر كبير على حياته، بدأ رحلته العلمية المتميزة، فاهتم بدراسة الرياضيات والفلسفة وعلوم الطبيعة، وتوجه إلى ألمانيا ليتفرغ للبحث والتأمل إلى أن توصل إلى أسس علم رد العلوم كلها، والتي لم يدونها إلا فيما بعد.
اعتمد ديكارت على الشك لبلوغ اليقين، ولذلك قال: "لقد كانت غايتي أن أثق بصحة ما أعلم وأن أبني علومي على الصخر والصلصال لا على المتحرك من الرمال".
ويبدو أن ديكارت اعتمد على العقل كوسيلة موصلة إلى المعرفة الحقة، فالفكرعنده هو قوام الوجود الإنساني، لأن الفكر هو كل حالة من حالات الشعور والعاطفة والإرادة، وهو فعل العقل .
فأول شيء يجب على الإنسان معرفته هو أنه يمتلك ملكة التفكير والنور الطبيعي لإدراك وتحصيل المعرفة، وقد أعطى ديكارت للمعرفة الشك؛ فهو أول المراحل الموصلة إلى اليقين. كما أن الفلسفة هي التي تميز الإنسان عن الأقوام المتوحشة والهمجية، حيث قال ديكارت:" إن حضارة كل أمة إنما تقاس بقدرة ناسها على تفلسف أحسن، وهكذا فإن الخير كل الخير بالنسبة لأمة ما، أن يكون فيها فلاسفة حقيقيون...والحال أن العيش بدون تفلسف كالذي أغمض عينيه، ولم يحاول أبداً فتحها...فإن هذه الدراسة أكثر ضرورة بالنسبة لتنظيم أخلاقنا وسلوكنا في هذه الحياة من الحاجة إلى أعيننا بالنسبة لإرشاد خطواتنا. إن الحيوانات الوحشية التي لا هم لها سوى المحافظة على أجسامها تعنى فقط بالبحث عن وسائل تغذيتها، ولكن الإنسان الذي يشكل الفكر الجزء الرئيس منه، ينبغي أن يوجه اهتماماته الرئيسة نحو البحث عن الحكمة التي هي الغذاء الحقيقي للفكر".
كتب ديكارت، بعد أن طاف في بلاد كثيرة، مؤلفه "قواعد لهداية العقل"(1628)، بالإضافة إلى مقالات في الرياضيات والطبيعة قدمها "بمقال في المنهج"، والذي يعد مقدمة عرضت بإيجاز مذهبه. وقد نتج عن ذلك مواجهة ديكارت لرجال الكنيسة المتطرفين، مما أدى به إلى كتابة مؤلفه "تأملات ميتافيزيقية" بالإيطالية واللاتينية . ولإيصال أفكاره وآرائه إلى شريحة واسعة من الناس، ألف كتاب" مبادئ الفلسفة" وذلك عام 1644.
توجه ديكارت عام 1649 إلى السويد بدعوة من ملكتها، وهي السنة التي كتب فيها كتابه" انفعالات النفس"، ولم تقتصر عبقرية ديكارت في التأليف والتعبير عن أفكاره التي تعد اللبنة الأساس للفلسفة الحديثة. كما أنه كان مكتشف الهندسة التحليلية، فالبنسبة لديكارت تقدم الرياضيات نموذجاً من المعرفة اليقينية ومنهج تحصيلها، ولقد عمل جاهداً لتعميم هذا المنهج، حيث إن العلم الطبيعي يمكن التعبير عنه رياضياً.
في كتاب الدكتور مصطفى غالب الموسوم بـ"ديكارت"، تعرض الكاتب لحياة ديكارت كنابعة من نوابع الفكر العالمي، و كرجل امتاز بإيمان عميق وبفكر نير. وكباحث عن الحقيقة انطلاقاً من التأمل، ويقول الدكتور في كتابه: "لكن ديكارت عندما كتب " مقالا في المنهج" اكتفى بالإتيان بأربع قواعد أساسية، وهي ألا أتقبل على الإطلاق شيئاً أنه حق مالم أتبين باالبداهة أنه كذلك، بمعنى أن أبذل الجهد في اجتناب التسرع وعدم التعلق بالأحكام السابقة، وألا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثل لعقلي في وضوح وتميز يزول معهما كل شك، وأن أقسم كل مشكلة ما استطعت إلى القسمة سبيلا، وبمقدار ما تدعو الحاجة إلى حلها على أحسن الوجوه، وأن أرتب أفكاري، فأبدأ بأبسط الأمور وأيسرها معرفة، وأتدرج تدريجياً حتى أصل إلى معرفة أكثرها تعقيداً، وأن أعمل في جميع الأحوال من الإحصاءات الكاملة والمراجعات الوافية، ما يجعلني على ثقة من أنني لم أغفل شيئاً يتصل بالمشكلة المعروضة للبحث".
وتوضح هذه القواعد أن منهج ديكارت منهج تحليل عام وأداة تحليل في كل مجال، ومادام العقل أداة حاضرة لأداء، فهو الشجرة الواحدة للمعرفة. كما أن الفلسفة بالنسبة لديكارت شجرة جذورها الميتافيزيقا وجذعها الفيزيقا وفروعها مختلف العلوم.
في مقالته في المنهج، دافع ديكارت عن مبدأ أن العقل أعدل قسمة بين الناس، فكل فرد يعتقد أنه قد أوتي منه الكفاية، ولأن الكثيرين يصعب إرضاؤهم بأي شيء غير الذي تعودوا عنه "فالإنسان يشتكي من ضعف ذاكرته ولا يشتكي من ضعف عقله، لأن كل إنسان بعقله معجب" كما قال ديكارت.
وتعد قوة العقل نوعاً من التميز بين الحق والباطل؛ فاختلاف آرائنا لا يمنح لبعضنا القدرة على أن يكون الأكثر عقلاً من الآخر، فاختلافنا ينبني على كوننا نوجّه أفكارنا في طرق مختلفة، ولا نطالع الأشياء ذاتها. فالفكرلا يكفي أن يكون جيدا، وإنما المهم أن يطبق تطبيقاً حسناً.
إن أكبر النفوس مستعدة لأكبر الرذائل، كما هي مستعدة لأعظم الفضائل. وأولئك الذين لا يسيرون إلا ببطء شديد، يستطيعون، إذا سلكوا الطريق المستقيم، أن يحرزوا تقدماً أكثر من الذين يركضون ولكنهم يبتعدون عنه.
أما فيما يخص وجود الله، يقول ديكارت في نفس المقالة: " إذا كان هناك أناس لم يقتنعوا بعد اقتناعاً كافياً بوجود الله، ووجود النفس، بالحجج التي أوردتها، فإني أريد أن يعلموا جيداً أن جميع الأشياء، التي يظنون أنهم أكثر وثوقاً بها، مثل أن لهم جسماً، وأن هناك كواكب وأرضاً، وما شابه ذلك، إنما هي أقل ثبوتاً. ومع أنه قد يكون للمرء ثقة عملية، بهذه الأشياء يبدو معها أنه لا يمكنه الشك فيها إلا إذا شكّ في حكمه، وابتعد عن المألوف، فإنه، فيما يتعلق باليقين الفلسفي، لا يستطيع، اللهم إلا إذا حرم العقل، أن ينكر أنه يكفي لنفي اليقين التام، أن يلاحظ الإنسان أنه يستطيع بالطريقة نفسها أن يتخيل، وهو نائم، أن له جسماً آخر، وأنه يبصر كواكباً وأرضاً أخرى، دون وجود شيء من ذلك هناك. لأنه من أين للمرء أن يعلم أن الأفكار التي ترد عليه في النوم أقرب إلى الكذب من غيرها، ما دامت لا تقل عن غيرها قوة ووضوحاً".
غادر ديكارت الحياة عام 1650 بعد أن تأثرت صحته بالبرد، وترك وراءه أعمالاً ماتزال حتى عصرنا الحاضر موضع بحث ودراسة، وأبلغته أوج الشهرة، كما أسس لمبدأ ليس كافيا أن نمتلك عقلا جيداً، فالمهم أن نستخدمه جيداً.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري


