رباعيات عمر الخيام: بين الحقيقة والخيال
21 نوفمبر 2014 | 0 تعليق

من أشعار عمر الخيام
ذوات – محمد بوشيخي

عمر الخيام هو غياث الدين أبو الفتح عمر بن إبراهيم الخيام (أو الخيامي) نسبة إلى حرفة أبيه الذي كان يتعاطى لصناعة الخيام. فارسي الأصل، كان يتقن العربية، إلى جانب الفارسية، وبواسطتها ألف كتبا عدة منها "الخلق والتكيف" و"رسالة في الموسيقى" و"شرح ما أشكل من مصادرات كتاب أقليدس"؛ عرف ببراعته في العلوم الرياضية والفلكية، والطبية وكذا في علوم اللغة، والفقه، وغيرها.

لكنه اشتهر كشاعر بعد أن اخترقت "رباعياته"، التي صارت لا تقترن إلا باسمه، كل لغات العالم وثقافاته، كما كانت سببا في حمل اسمه إلى "هوليود" حيث ظهر في إحدى أعمالها السينمائية منذ 1941، وترجمت مضامينها في إحدى روائع أم كلثوم. غير أن الشك لازال يحوم في كتابات كثيرة حول نسبة "الرباعيات" إليه لاختلاف النظر في شخصيته ذاتها، بين من ينزهه في التلفظ ب"المحرمات" والدعوة إليها ومن يعتبره صاحب تحفة فنية قلما تصدر عن عالم مسلم.

الرباعيات: حول تضارب نسبتها للخيام

وعلى الرغم من كثرة نجاحات الخيام، في مختلف العلوم، التي حملت له شهرة عالمية كاعتباره "أوّل من اخترع طريقة حساب المثلثات ومعادلات جبرية من الدرجة الثالثة بواسطة قطع المخروط"، واعتباره "صاحب التقويم الفارسي المعتمد إلى اليوم، بطلب من السلطان "ملكشاه" منذ سنة 467هـ/1074م"، فإنه اشتهر خصوصاً بمنجزه الشعري الضخم المعروف ب"الرباعيات".

غير أن رباعياته شكلت مصدراً لاتهامه بالزندقة وهو ما صدر عن نجم الدين الرازي، في كتاب "مرصاد العباد" سنة 620 هجرية حين اتهمه بالدهرية والكفر الصريح، لتضمنها مقاطع اعتبرت مساً بعقيدة الإسلام ودعوة إلى الانحلال والإباحية كتغنيه بالخمر ورفضه للصوم والصلاة وتهكمه على الشريعة وإنكاره ليوم البعث، فتعرضت بالتالي كتبه للإحراق؛ غير أن محنة التكفير التي تعرض لها لا تشكل محل اتفاق الجميع لوجود منيقر له بسلامة عقيدته والدفاع عن تدينه، ومن هؤلاء ظهير الدين البيهقي المعاصر له الذي وصفه ب"الامام وبحجة الحق" وبأنه "تلو ابن سينا في أجزاء علوم الحكمة".كما يذكر البعض وصف جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي لهفي كتاب "تاريخ حكماء الإسلام" بأنه "إمام خراسان، وعلامة الزمان، يعلم علم يونان، ويحث على طلب الواحد الديان، بتطهير الحركات البدنية لتنزيه النفس الانسانية"، وقول محمد الشهرزوري في كتابه "نزهة الأرواح وروضة الأفراح" أنه "تلو ابن سينا في علوم الحكمة، كان يميل إلى التصنيف والتعليم، وله مختصر في الطبيعيات، ورسالة في الوجود، ورسالة في الكون، والتكليف، وكان عالماً في الفقه، واللغة، والتاريخ".

كما تذكر بعض المراجع ثناء خير الدين الزركلي عن عمر الخيام في كتابه "الأعلام" وقوله عنه أنه تاب عن ما صدر منه في "الرباعيات"، أما الباحث والسفير العراقي السابق عبد الحق فاضل صاحب كتاب "ثورة الخيام" فيشكك في نسبة مجموع الرباعيات إليه، سالكاً في ذلك مسلك آخرين في تبرئته منها، لأنها تعبر عن ذوق فني لا يتناسب مع ما عرف عن شخصيته العلمية والدينية.

وهذا قول يزكيه، بحسب الباحثعبد الرحمن العلوي، المستشرق الروسي "مينورسكي" الذي قال عن الباحث "جوركوفسكي" أنه أول من تعامل نقدياً مع هذه الرباعيات من خلال طرحه لقضية "الرباعيات التائهه" عام 1897، وتشكيكه في نسبة (82) رباعيا إليه لوجودها في دواوين شعراء آخرين غير الخيام. وهو ما عززه بحث للباحث الدانماركي "ارثور كريستن سان" ظهر في كتابه "دراسة رباعيات الخيام" أكد فيه على اصالة (14) رباعيا فقط من رباعيات الخيام.

كما يذكر باحثون عرب أن بعض الأبيات تتناقض بعضها بعضا "مما يدل أنّها ليست لشاعر واحد"، وهناك من ينكر نسبتها له بمبرر غياب أي إشارة لها في كتابات معاصريه الذين غالبا ما يشيرون إليه بمواصفات التقوى والورع، من أمثال الإمام أبو حامد الغزالي، وجار الله محمود الزمخشري، والإمام ظهير الدين البيهقي. وكذا احتجاجهم بأن أول نسخة مدوّنة لرباعيات الخيام، لم ترى النور إلا بعد مرور ثلاثة قرون ونصف على رحيله، وهي محفوظة في أكسفورد ولا تتوفر على أية شواهد تاريخها تثبت نسبتها للخيام.

وبين هؤلاء وأولئك، نجد من يبحث عن الأعذار وتلمس طرق للتوفيق والتوافق في نشر الرباعيات والترويج لها دون التعرض لسهام النقد وسلاح التجريح، كمن يستشهد بقول المفكر الكبير أحمد أمين، ويريد أن ينتظم في صفه، في اعتبار مواقف الخيام من الماورائيات مجرد تقليد منه لأستاذه "أبي العلاء المعري في لزومياته".

وفي هذا السجال حول نسبة الرباعيات للخيام والتصادم حول رسم ملامح شخصيته، ظهر من الكتاب المسلمين من يربط نسبة الرباعيات للخيام بالمخطط الاستعماري الغربي وحركة التبشير المسيحية، وهو ما ورد في كتاب "كشف اللثام عن رباعيات الخيام" لشيخ علماء تركستان السيد أبو النصر مبشر الطرازي الحسيني. وهو ما زكاه أيضا كتاب آخرون منهم عبد اللطيف كمال الجوهري في كتابه "عمر الخيام وقصة الرباعيات في ضوء الإسلام" حيث انتهى إلى إثبات ما اعتبره افتراء من "المستشرقين وأتباعهم من الشرقيين" على عمر الخيام.  

أما الباحث عبد الرحمن العلوي فاستنتج من استقراءه لتضارب الآراء حول الخيام ورباعياته أنه يمكن "كشف مجموعة من الرباعيات ذات المنحي الخيامي" دون ادعاء القدرة على التمييز "بين رباعيات الخيام و الرباعيات الشبيهة"، وبالتالي تأتي دعوته إلى مراجعة "المصادر القديمة المعتبرة واستخراج الرباعيات المشابهة التي نسبت بمرور الزمن إلى الخيام بسبب الكثير من العوامل ومنها تساهل النساخ وعدم دقتهم".

الخيام في الأدب العربي

رغم ظهور عمر الخيام في فترة تاريخية ميزها نمو واستقلالية المذاهب الإسلامية من فقه وتصوف وفلسفة وعلم الكلام وكذا تفجر الاصطدامات بين رجالاتها ورموزها، فإن شخصية الخيام ظلت غائبة في الكتابات العربية أو مقتصرة على جوانبها العلمية والفقهية. فهو ولد في مدينة نيسابور الإیرانية (عاصمة خراسان)، غير أن المؤرخين اختلفوا في تحديد تاريخ ميلاده وتاريخ وفاته، وقد ذكر أحمد رامي أنه ولد عام (433هـ/1040م)، وتوفي سنة (518هـ/1123م) في عهد السلطان سنجر؛ فيما يذكر آخرون ولادته سنة 408 هـ ووفاته سنة 517 هـ ، أما خير الدين الزركلي في كتابه "الأعلام" فحدد تاريخ وفاته سنة 515 هجرية، الموافقة لسنة 1121 ميلادية.

وقد تعرف العرب على رباعيات الخيام، بشكل متأخر، من خلال أعمال الترجمة الإنجليزية، التي ظهرت أولاها سنة 1859، من إبداع الشاعر الإنجليزي "أدوارد فيتز جيرالد"، وقام بترجمتها منها إلى العربية الشاعر اللبناني وديع البستاني عام 1912م، قبل أن تأتي أول ترجمة عربية مباشرة من الفارسية أنجزها الشاعر المصري أحمد رامي عام 1923م ، وقد استهلها بنبذة موسعة من حياة عمر الخيام، وتوالت بعد ذلك الترجمات العربية لتناهز حسب البعض الستين ترجمة.

وقد يرجع هذا التأخر في أعمال الترجمة العربية للرباعيات إلى ضعف الاهتمام الأدبي العربي بالمنتوج الفارسي رغم التقارب الجغرافي والثقافي، وهو ما استشهد به الدكتور يوسف حسين بكّار على لسان طه حسين، بقوله "وقد كان علمنا بشؤون الأدب الإيراني ضيّقاً محدود الوسائل، لا نستطيع أن نتلمسه عند أهله وإنما نتلمسه عند الإنجليز والفرنسيين والألمان الذين سبقونا – مع الأسف- إلى العلم بهذا الأدب وتذوُّقه. ويكفي أننا عرفنا أول ما عرفنا عمر الخيام في هذا العصر عن طريق التراجم الإنجليزية، وعن طريق ما كتب عنه الإنجليز".

ومما ورد في رباعيات عمر الخيام من المقاطع، كما ترجمت للغة الضاد، واعتبرت نقضا للإيمان وتهكماً على المقدسات واختلف في نسبتها له، نذكر قوله في الخمر:  

"جاء من حاننا النداء سحيراً *** يا خليعاً قد هام بالحانات

قم لكي نملأ الكؤوس مداماً *** قبل أن تمتلي كؤوس الحياة

وقوله في تحدي الله:

سأشربها إذ هي الحاصل *** فما الحق -حاشاك- ما الباطل

سأعصيك بالضد حتى أرى *** أذنبي أم عفوك الشامل

وقوله في إنكار البعث والحساب:

قُم قبل غارة الأسـى مبـِّكرَا *** وادع بها ورْديَّةً تجـلو الدُّجَى

فلستَ يا هذا الغبـيُّ عسـجدَا ***حتى تُوارى في الثرى وتُخرجا

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق