طارق أوبرو لـ"ذوات": الإسلام دين أما الدولة فـ"أنتم أعلم بأمور دنياكم"
09 ديسمبر 2014 | 0 تعليق

طارق أوبرو -(ذوات)
ذوات - عيسى جابلي

أكد المفكر المغربي طارق أوبرو أن وضع المسلمين في الغرب "متأزم شيئاً ما"، وأن الإسلام "هوياتي" يعكس تدينا "ردة - فعلي"، يعيش مفارقة بين انتشاره من ناحية وانكماش معتنقيه على أنفسهم من ناحية أخرى. وهو وضع تحكمه الظروف الاجتماعية القاسية والتهميش والفقر والجهل بالدين والديمقراطية التي تهددها الشعبوية.

وقال أوبرو، في حوار خصّ به "ذوات"، على هامش ندوة "المؤسسة الدينية في الإسلام.. أي دور"، التي نظمتها مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث مؤخراً"، إن المسلمين الذين يعيشون في الغرب "سلبيون" عموماً، لا يشاركون في الحياة السياسية رغم أن القانون يضمن لهم ذلك. وأضاف أن الإسلام "يعاني من المسلمين ورواده وأيمته" أكثر مما يعاني من غيرهم بسبب هذه السلبية وتركيزهم على المظاهر لا على الجانب الروحي العقائدي.

وعبر أوبرو عن خشيته من أن يصبح الإسلام في الغرب دافعا قوياً لعودة المسيحيين إلى المسيحية، مبيناً أن المسلمين في الغرب يعيشون منعزلين لأنهم "لا يعون أنهم في حضارة" على حد تعبيره، داعياً إلى ضرورة جعل الإسلام مصدراً للتفاؤل ولقوة الإقبال على الحياة، كي يمحوا الصورة السائدة عن الإسلام في الغرب، التي يصفها بـ"السلبية"، والتي تنظر إلى الإسلام بوصفه مصدر خوف لما يرونه من مظاهر مفزعة عن مسلمين لا ينم ظاهرهم على أنهم ينتمون إلى واقعنا.

ورأى أوبرو أن بإمكاننا المواءمة بين العلمانية والإسلام لأنها نموذج سياسي في حين أن الإسلام دين. واعتبر أن العلمانية جاءت أصلاً لتمنح حرية الأديان بما فيها الإسلام. وهي نموذج، في رأيه، يبدو صالحاً حتى بالنسبة إلى المجتمع الإسلامي نفسه، حيث صرنا نتحدث عن تعددية مذهبية داخله، لا يمكن أن تضمنها إلا العلمانية.

ودعا أوبرو إلى ضرورة التجديد الديني على مستويين: المستوى الروحي والمستوى الفكري، معتبرا أن المستوى الأول يتم بتجديد الإيمان والثاني بتجديد آليات قراءة النصوص وتفسيرها، أو ما يسميه "إبستيمولوجية الواقعية" حيث الواقع "يصبح محدداً للمنهج الإبستيمولوجي للتعامل مع النص".

والأستاذ طارق أوبرو مفكر إسلامي وإمام فرنسي مغربي، ولد بأغادير في جنوب المغرب، لأب يعمل مديراً ووالدة معلمة اللغة الفرنسية، انتقل إلى فرنسا لدراسة الطب في شبابه غير أنه سرعان ما حول اهتمامه نحو الدعوة الإسلامية، إلى أن استقر به الأمر إماماً لمسجد مدينة "بوردو" الفرنسية. كون نفسه بنفسه في المجال الديني ونشر عدداً من الكتب باللغة الفرنسية أهمها: وحدانية الله (2006)، و"المهنة إمام" (2009)، و"إمام غاضب" (2012).

وفي ما يلي نص الحوار كاملاً:

* من خلال معايشتكم للمسلمين في فرنسا وأوروبا، ما الوضعية التي يعيشونها من حيث تمكينهم من الحرية الدينية وتمكينهم من مساجدهم ومستلزمات دينهم؟

- أولاً، أريد أن أنبه إلى أنني أعيش بين المسلمين وغير المسلمين. وينبغي أن نفهم أن العالم تعولم، وأن المسلم يعيش مع المسلم ومع غير المسلم.. أي مع الإنسان. فله إذن انتماءان: انتماء روحي للأمة الروحية؛ وانتماء وطني للأمة الوطنية. انتماء سياسي حضاري (حضارة الغرب)؛ وانتماء ديني روحي: انتماء للإسلام. وينبغي أن نحقق هذا المناط، ونفرق بين الفوارق الانتمائية. أما الغرب فهو حضارة الحرية التي قامت على هذا المبدأ: تحرر الإنسان من ربق الدوغماتية الكاثوليكية التي أنتجت كردة فعل البروتستانتية، ثم الحركة الإصلاحية، ثم أدت إلى فلسفة اللاأدرية، ثم الإلحادية، ثم تحرر الغربي من الدوغماتية لأن طبيعة الدين كانت لا تسمح للعقل بالفكر، فتحرر الفكر.

التجديد طبقات: هناك التجديد الروحي، وذلك ما نجده في الآية الكريمة (فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم)؛ وهناك أيضاً التجديد الفكري، وهو أن يغير المسلم منهجيته على ضوء الواقع الذي يعيش فيه

لكن دار التاريخ دورته، واليوم نلاحظ أن ما بعد الحداثة رجوع إلى ما قبل الحداثة في التعامل مع الدين وانهيار العقل. العقل الحداثي ولّى وحلت محله العواطف من جهة والتكنوعلمية من جهة أخرى. العلم لا يفكر (العلم بالمعنى la techno-science أو la science exacte). هذا الآن ما نعيشه في الغرب، زيادة على أن الديمقراطية مهددة بالشعبوية (populisme). وتواجد الإسلام ومظاهره المتكاثرة كمّاً، أما من حيث الكيف فهي كارثة لأن تدين المسلمين هناك تدين ردة – فعلي، إسلام هوياتي انكماشي لعدة أسباب منها: التهميش الاجتماعي، الفقر، الجهل بالدين، فنشأت أجيال منقطعة عن المعرفة الدينية من جهة، وأجيال لا ترى نفسها مندمجة في المجتمع الفرنسي والمجتمع الغربي بشكل عام. فولد التفاعل مع الدين كدرع وقائي وليس كفضاء للتسامح والتبادل والحوار. هذا عند عامة المسلمين هناك. يعاني الإسلام أيضاً من قلة الكوادر المؤهلة من الناحية الفكرية ومن الناحية الشرعية والفقهية ومن الناحية المعارفية الكونية. أغلب الأيمة ليسوا في المستوى يكرسون هذه الهوية الانكماشية عن قصد أو عن غير قصد. فالوضع هش، والخوف من الإسلام منتشر في المجتمع الفرنسي، لما يصلهم من صور عن العالم الإسلامي والعنف والتطرف. هذا التطرف الذي تبدو ظواهره في المجتمع الفرنسي نفسه، فكثير من الفرنسيين ذهبوا ليحاربوا مع "داعش"، وهي مظاهر تخيف المسلمين قبل غير المسلمين، فالوضع متأزم شيئا ما.

* وماذا عن الحرية الدينية بالنسبة إلى المسلمين في المجتمعات الأوروبية؟

- من ناحية القانون عندك حرية، فإذا ظلمت هناك القانون، وهناك جمعيات. ولكن العقليات شيء آخر؛ فمن ناحية المبادئ الدستورية والقانون، يمكن للإنسان أن يتظلم، ويدافع عن حقه، لكن هناك القانون الوضعي وهناك القانون الطبيعي، ولا بد أن تكون لك القدرة على انتزاع ذلك القانون؛ أي أن تمتلك ميكانيزمات للوصول إلى انتزاع القانون، أعني: ميكانيزمات اقتصادية وفكرية وسياسية. لا بد أن تكون مؤثراً حتى تسمع. والمسلمون لا يشاركون في الانتخابات، مع أن لهم الحق ليختاروا من يمثلهم في البرلمان، ولكن هناك نوع من السلبية، والمسلمون يستحقون قدرهم من ناحية، لأن المجتمع مفتوح. والإنسان يمكن أن يشارك من خلال الجمعيات نظرياً على كل حال، لكن من الناحية التطبيقية هناك حواجز تنطبق على كل الطبقات المهمشة، سواء أكانت مسلمة أو غير مسلمة. فميكانيزمات الدمج لها قوانينها، وبالطبع إن أخطأتها أخطأتك، والمسلمون اكتفوا بالمطالبة بالحقوق الاجتماعية والدينية فقط، مما يعطيهم صورة سلبية (بصفتهم مستهلكين فقط: يستهلكون الحقوق) هذه هي الصورة العامة.

أصبح الساسة الأوروبيون الآن أكثر انفتاحاً على المسلمين، لما يمثلونه من قوة سياسية من الناحية الانتخابية؛ فقلما تجد في المدن رئيس بلدية يعارض بناء مسجد مثلاً

بالطبع أصبح الساسة الآن أكثر انفتاحاً على المسلمين، لما يمثلونه من قوة سياسية من الناحية الانتخابية؛ فقلما تجد في المدن رئيس بلدية يعارض بناء مسجد مثلاً. فالجمعيات الإسلامية تكاثرت وعدد المساجد يتزايد شهراً بعد شهر. وهذا ما يجعلنا أم مفارقة: من ناحية الإسلام ينتشر، وبانتشاره يؤثر في المجتمع، فينكمش المسلم على نفسه. إنها قوانين سوسيولوجية عادية، وما نراه من انتشار للإسلام مظاهري (يركز على الحجاب والحلال والحرام واللحية..)، أكثر مما هو تجذري. وهذه مظاهر لا تتناسب مع تجذر المسلم في إيمانه، وتسيء إلى جوهر الإسلام، لأن الجانب العقائدي والروحي قد غاب أمام هذه المظاهر السوسيولوجية، فتحول الخطاب إلى المظاهر وأهمل تعاليم الإسلام الروحية، وصرنا نتكلم عن الإسلام أكثر مما نتكلم عن الله، ونتكلم عن الحلال أكثر مما نتكلم عن الرحمة والإتقان والإحسان، وهي مبادئ إسلامية. فالملتزم بالإسلام هو من كانت عنده لحية وحجاب لا ذاك الذي يحترم الوقت ويسامح ويعفو؛ وهذه هي المبادئ التي جاء من أجلها الإسلام: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، لا مكارم اللباس. فالإسلام يعاني من المسلمين ورواده وأيمته، لا من الغرب ولا من اليهود ولا من النصارى ولا من اللائكيين.. مشكل الإسلام هو المسلمون لأنهم لا يعرفون التعامل مع هذا الدين، ولا يحسنون عرضه، وإن كان الناس يدخلون فيه، ولكن يدخلون إلى القشر لا إلى اللب، والذين يدخلون إلى الإسلام من الغربيين، إنما يفعلون ذلك فراراً من الغرب، فثمة غربيون لا يحبون الغرب، وكثير من الفرنسيين لا يحبون الحداثة، لأنها ولدت قلقاً وشكاً وجودياً، فيجدون في الإسلام خروجاً عن الزمان والمكان (exotisme). وأنا لا أريد لديني أن يصبح ملجأً لمن يريد أن يبني هوية ضد مجتمعه وحضارته. لقد صار الإسلام كالشيوعية والماوية والتروتسكية في وقت من الأوقات حيث كان الفرنسيون يذهبون إلى هذه المذاهب الشاذة عن المجتمع العام.

* يقال إن مسلمي أوروبا أقرب إلى الحداثة وأكثر انفتاحاً على مبادئها وقبولها. ما رأيكم في هذا الطرح؟

- لا أظن. بالعكس عندي نظرية أخرى، أنا أخاف أن يكون التخلف العميق في مسلمي أوروبا لأنهم لا يعون أنهم في حضارة. هم في عالم ذهني منعزل، مندمجون جسدياً، ولكن وجدانياً هم غير موجودين في الغرب أصلاً. وهم من اختار هذه الوضعية بسبب الخطاب الديني الذي أخرجهم عن أوضاعهم، فساهمت الأنترنيت وتأثير الدعاة الذين يأتون إلى هناك (فرنسا والغرب) فيخرجونهم عن أوضاعهم. لقد صار الدين يخرج الناس عن واقعهم. هذا مع العلم أن كثيراً من المسلمين هناك مندمجون في المجتمع، ومنخرطون فيه، ويساهمون في بنائه، ولكن هؤلاء لا نسمع عنهم بقدر ما نسمع عن القلة القليلة التي تحدث اضطرابات في المظاهر والسلوكيات وتربك أعراف المجتمع الذي – وإن كان لائكياً - فإن له جذوراً وتاريخاً كاثوليكياً. ونحن نتحدث إذن عن لائكية كاثوليكية (Catho-laicité) فيجب ألا نظن أن الكاثوليكية أو الدين المسيحي غائب عن الغرب. والذي أخشاه أن الإسلام الآن سيكون عاملاً لرجوع المسيحيين إلى مسيحيتهم، كردة فعل عن تواجد الإسلام في أوروبا!

* ما الأدوار التي يمكن أن يقدمها المسلم في أوروبا خدمة لصورة الإسلام؟

- أن يفهم إسلامه، أي أن يبدأ بنفسه، وأن يجعل من الإسلام مصدراً لقوة العيش، ومصدراً للتفاؤل لا للتشاؤم. فإذا كان المسلم يعيش بدينه منسجماً مع نفسه، فلن يحتاج لأن يتكلم عن دينه وهو يقدم ما يجب تقديمه دون أن ينطق، وهذا يتطابق مع العبارة القرآنية الكريمة "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" لا الذين "قالوا".

* من خلال معايشتكم هل استشعرتم أن الأوروبيين والمسيحيين والكاثوليك قد تخلوا عن تلك الصورة القروسطية عن الإسلام والمسلمين؟

- نظرتهم عن الإسلام نظرة سلبية. فالغرب يرى أن الإسلام دين يخيف، وإن لم يصرحوا بذلك. وهم محتارون في شأن الإسلام، شأنهم في هذا شأن مسلمين كثيرين، من الذين قد ينتهي بهم الأمر إلى تركه أصلا. فهذه المظاهر التي تأتينا عن الإسلام كاريكاتورية: أشخاص كأنهم يخرجون من الرمال، من القرون الوسطى، وهو ما يثير استغراب المسلمين أنفسهم. هم يعيشون المأزق التالي: إما أن أعيش في العصر الوسيط الذي يمثل "الإسلام"، وإما أن أترك الإسلام وأنخرط في العصر. وهذا لأنهم لا يمتلكون مؤهلات ليعرفوا دينهم ويدرسوه. تدخل إلى المسجد في فرنسا فتشعر كأنك في صحراء المغرب أو الجزائر أو تونس في القرن الثالث عشر. وهذا يجعلنا نستنتج أن الواقع الذهني الذي يعيشه هؤلاء مختلف تماماً عن الواقع الفيزيائي السوسيولوجي المادي. ولذلك يعيش كثير من المسلمين ألماً وجدانياً وروحياً. إنهم يعيشون عقدة الذنب.. ذنب أنهم أبناء عصرهم.

* قلتم في أحد تصريحاتكم إنه يمكن المواءمة بين الإسلام والعلمانية. كيف ذلك؟

- طبعاً، لأن العلمانية نموذج سياسي كالديمقراطية والخلافة الإسلامية، في وقت من الأوقات، هي مناهج لتنظيم المجتمع، في حين أن الإسلام دين. نحن إذن في نموذجين مختلفين. الدين موجود في فرنسا وخارج فرنسا، والعلمانية في فرنسا فقط. والإسلام يتعامل مع واقعه كيفما كان هذا الواقع؛ ملكياً أو دستورياً أو علمانياً أو اشتراكياً أو حتى شيوعياً، مكياً أم مدنياً أم سمائياً أم أرضياً.. الإسلام موجود، وأنا أشتغل على مفهوم "الشريعة الإسلامية"، التي يظن الناس أنها تعني تطبيق حرف النص كيفا اتفق، في حين أن الشريعة هي موافقة مراد الله مع إنزاله على واقع معين. هي مواءمة القدر الشرعي مع القدر الكوني هي عملية تنسيقية كما فعل القرآن مع الأوضاع، فكان يوازي بين المبدأ الثابت وبين الواقع، وتنسيب المبدأ على واقع.

ثم إن القول بأن الإسلام دولة هو خطأ لأن الإسلام دين (إن الدين عند الله الإسلام)، أما منهجية الدولة وشكل الدولة فـ"أنتم أعلم بأمور دنياكم"، والنبي لم يعين منهجية للخلافة ولا للتصويت. الناس اجتهدوا فجعلنا من هذا التاريخ شرعاً. والعلمانية علمانيات: فهناك علمانية أنجلو-سكسونية التي تختلف عن العلمانية الجرمانية والعلمانية الفرنسية والعلمانية التونسية... أنا أسميها الفُروقية، وهي مرادف للعلمانية، وتقتضي التمييز بين العقيدة والشريعة، وبين السياسة والدين، ولنا في صلب التراث الإسلامي ما يمكّننا من أن نفرّق بين المجالات، دون أن يعني الفرق القطيعة. فالإسلام يتواءم مع وضعه، ولا يصارع الناس، فهل يمكن مثلاً أن تقول للفرنسيين طبقوا الخلافة؟؟؟ وأي خلافة؟ ماهي منهجيتكم؟؟ حتى المنظرون الإسلاميون أي نظرية للدولة عندهم؟ ما مفهوم الدولة والديمقراطية؟

العلمانية توفر للمسلمين حق التعبد وحق التدين. كما تصلح العلمانية حتى في الدول الإسلامية، لأن الحنفي يريد أن يطبق الحنفية والشافعي يريد أن يطبق الشافعية

فالإسلام دين والعلمانية منهج لا يستويان، والإسلام جاء رحمة للعالمين أصلاً. جاء للمسلم وغير المسلم، وكذلك النبي جاء رحمة للعالمين، فأصبح الإسلام للمسلمين فقط، ورب العالمين أصبح رب المسلمين، ورب المسلمين أصبح رب العرب، ورب العرب أصبح رب التونسيين والجزائريين.. إلخ، فخنقنا الإسلام في هوية. ولا بد إذن من إعادة النظر في معنى الإسلام ومكانة الآخر في المنظومة العقائدية والشرعية. فالعلمانية توفر للمسلمين حق التعبد وحق التدين. كما تصلح العلمانية حتى في الدول الإسلامية، لأن الحنفي يريد أن يطبق الحنفية والشافعي يريد أن يطبق الشافعية.. فلا بد إذن من أن تكون هناك مسافة متعددة بين القناعات الدينية حتى داخل الإسلام، ولا بد إذن من علمانية إسلامية تحول دون فرض قراءة معينة للدين على الناس. فالعلمانية إذا فهمت جيداً – لأن كثيراً من الساسة الفرنسيين لا يفهمونها جيداً – ليست مذهباً دينياً ولا عقائدياً، وليست فلسفة إلحادية، إنما جاءت لتعطي الحرية للأديان الأخرى غير الكاثوليكية التي كانت جاثمة على كل الناس، فأعطت الحرية للبروتستانت واليهود والمسلمين. فكيف أحارب شيئا هو في مصلحتي؟!

* كثيراً ما تتم الدعوة إلى تجديد الإسلام انطلاقاً من إعادة بناء نظرية المقاصد الأصولية التي بناها الشاطبي، في رأيكم: هل هذا كاف لتجديد الإسلام؟

أقول إن للتجديد طبقات: فهو تجديد روحي، وذلك ما نجده في الآية الكريمة (فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم)؛ ثم التجديد الفكري، وهو أن يغير المسلم منهجيته على ضوء الواقع الذي يعيش فيه؛ وهذا ما أسميه "ابستمولوجية الواقعية"، بحيث إن الواقع يصبح محدداً للمنهج الابستيمولوجي للتعامل مع النص. فهناك التفسير النظري، وهناك التفسير التطبيقي للنص والمنهجيتان مختلفتان. وينبغي أن نعتمد منهج الوحي في التعامل مع الواقع كبيداغوجيا ربانية، وأن ننتقل بالنص إلى صاحب النص. ولا بد من إعادة تنظيرية قبل النظرية، أي التنظير للنظر، أي مرحلة تنظيم الفكر قبل إعماله. ولا بد من الاطلاع على الابستيمولوجيات: أنا أتكلم مثلاً عن الابستيمولوجيا المشتقة من الفيزياء، التي تعني أنه إذا تغير بُعد المادة، تغيرت المنهجية. وهذا ما ينطبق على القرآن الذي منه المدني ومنه المكي، وهو ما يقتضي إدخال العامل التاريخي والعرفي.هناك شيئان لا يتجددان: القرآن والسنة، وأما ما يتجدد فهو استنباط المنهجية منهما ومن العقل ومن الآفاق والأنفس. فالمصدر لا يتغير على عكس الدليل.

بكلمة، أقول: من طبيعة الإيمان أن يكون متفائلاً، والذي يحتاجه الناس اليوم أن يكون الإسلام في متناول الجميع، لأنه جاء للمسلم والكافر والملتزم وغير الملتزم.. جاء رحمة لكل هؤلاء، فلا ينبغي أن نجعل من الإسلام عاملاً يفرق بين الناس لأنه عمل الشيطان. الله يريد أن يجمع، وكذلك الدين. ولا بد للإسلام من أن يبحث عن القاسم المشترك الذي يمكن أن يجتمع عليه الناس.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق