عبد الرحمن الكواكبي أحد رواد الإصلاح ومحارب الاستبداد
05 ديسمبر 2014 | 0 تعليق
لوحة للمفكر عبد الرحمن الكواكبي - (أرشيفية)
يندر أن تجد بين المفكرين والمصلحين وقادة التنوير في العالم العربي ممن حاربوا ضد الجهل والرجعية والظلامية، وحملوا مشاعل النور والتنوير، من جمعوا بين الفكر التنظيري لأفكارهم وأطروحاتهم الفكرية الرفيعة، وبين العمل السياسي الذي يمثل الأداة العملية لإصلاح المجتمعات العربية، وإخراجها من ظلمات الظلم والجهل والوعي القليل، ما يشكل بالتالي نموذج المفكر العربي الإصلاحي بحق، هذا وإن كان بلا شك، لكل مفكر، ومنور للعامة، وعلى الرغم من عزوفه عن السياسة وشعابها، دوره الذي يعتد به، ولا ينقص من قيمته شيئاً.
من النماذج التي حاولت الجمع في مسارها بين النظري الفكري والعملي السياسي، نجد شخصية عبد الرحمن أحمد بهائي محمد مسعود الكواكبي، المعروف اختصاراً بعبد الرحمن الكواكبي، الشخصية الفكرية في عهد دولة العثمانيين، الذي اشتهر بمصارعة الفكر الاستبدادي الاستغلالي على كل الأصعدة في المجتمعات العربية والإسلامية، وفي مجاله أبدع، حتى كان الموت آخر جزاء له عليه، بعدما لاقى التهجير والإبعاد والصد في مجموع مسيرته، بسبب هذا الاستبداد الذي حاربه، وللباحث في مكتبة هذا الكواكبي الشامخ، جولة لا محالة في كتابه الشهير "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، الذي كان مرجعاً راعى فيه كل التفاصيل الدقيقة للاستبداد وطبائعه، بدءاً من تعريفه وتفصيله، إلى عرض أوجهه وتجلياته، وصولا إلى طرق وحلول تخلص الخاصة منه فضلاً عن العامة.
يستعرض الكواكبي في "طبائع الاستبداد" مفهوم هذا الغول الذي أهلك جميع تفاصيل المجتمع، وجعله غابة في يد المستبدين، فيقول في تعريفه المقتضب بداية، جامعاً إياه بجملة أسئلة تظهر مدى اطلاعه وإلمامه بتجريح الداء، "(الاستبداد)؛ أي التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى. إن المتكلم في الاستبداد عليه أن يلاحظ تعريف وتشخيص ما هو الاستبداد؟ ما سببه؟ ما أعراضه؟ ما سيره؟ ما إنذاره؟ ما دواؤه وكل موضوع من ذلك يتحمل تفصيلات كثيرة وينطوي على مباحث شتى، ما هي طبائع الاستبداد؟ لماذا يكون المستبد شديد الخوف؟ لماذا يستولي الجبن على رعية المستبد؟ ما تأثير الاستبداد على الدين؟ على العلم، على المجد، على المال، على الأخلاق. على الترقي، على التربية، على العمران؟ من هم أعوان المستبد؟ هل يُتحمل الاستبداد؟ كيف يكون التخلص من الاستبداد؟ بماذا ينبغي استبدال الاستبداد؟".
ولالكواكبي كان يؤمن باختلاف الرأي في كل المسائل، ومعها إيمانه الراسخ بأن أي داء من الأدواء الملمة بالمجتمعات الإسلامية والعربية لا بد له من دواء مشترك، يراعى فيه الرأي المختلف لكل المتخاصمين وكيف فهموا الداء ومكمنه ودواءه، وفي هذا ينقل إجابات الأطراف على سؤال الاستبداد ودوائه، والذين صنفهم على أهل النظر وأهل العزائم، في مؤلفه "طرائق الاستبداد"، قائلا: "يقول المادي: الداء القوة والدواء المقاومة، ويقول السياسي: الداء استعباد البرية والدواء استرداد الحرية، ويقول الحكيم: الداء القدرة على الاعتساف والدواء الاقتدار على الاستنصاف، ويقول الحقوقي: الداء تغلب السلطة على الشريعة والدواء تغليب الشريعة على السلطة، ويقول الرباني: الداء مشاركة لله في الجبروت والدواء توحيد لله حقا. وهذه أقوال أهل النظر. وأما أهل العزائم: فيقول الأبي: الداء مد الرقاب للسلاسل والدواء الشموخ عن الذل، ويقول المتين: الداء وجود الرؤساء بلا زمام والدواء ربطهم بالقيود الثقال، ويقول الحر: الداء التعالي على الناس باطلا والدواء تذليل المتكبرين، ويقول المفادي(الفدائي): الداء حب الحياة والدواء حب الموت".
ينطلق الكواكبي في كتابه حول الاستبداد، الذي يعتبر تتمة لكتابه الآخر في مقاربة نفس المسألة، وهو كتاب "أم القرى"، ليفصل أنواع الاستبداد وتشعباته، فيبدأ بخطورة الاستبداد في الدين وعلاقته الوطيدة بالاستبداد السياسي قائلا: "(..) وهذه الحال هي التي سهلت في الأمم الغابرة المنحطة دعوى بعض المستبدين الألوهية على مراتب مختلفة حسب استعداد أذهان الرعية، حتى يقال إنه ما من مستبد سياسي إلى الآن إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها لله أو تعطيه مقامَ ذي علاقة مع لله. ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خدمة الدين، يعينونه على ظلم الناس باسم الله، وأقل ما يعنون به الاستبداد، تفريق الأمم إلى مذاهب وشيع متعادية تقاوم بعضها بعضا فتتهاتر قوة الأمة ويذهب ريحها فيخلو الجو للاستبداد ليبيض ويفرخ، وهذه سياسة الإنكليز في المستعمرات لا يؤيدها شيء، مثل انقسام الأهالي على أنفسهم وإفنائهم بأسهم بينهم بسبب اختلافهم في الأديان والمذاهب".
ويذهب الكواكبي في نقده للاستبداد وفحص استمراريته على الشعوب العربية والإسلامية، في العلم والمجد والمال والأخلاق والتربية والترقي، قبل أن يخلص إلى أن الدواء في هذا كله مرتبط بثلاث قواعد أساسية لا بد من تنزيلها واقعيا وعمليا، إذ إن "الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية، والاستبداد لا يقاوم بالشدة، إنما يقاوم باللين والتدرج، (ولذلك) يجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ماذا يستبدل به الاستبداد".
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

