غاستون باشلار: العلم أو الشعر وجمالية الوجود
07 نوفمبر 2014 | 1 تعليق
يقول غاستون باشلار إن "كل كتاب يجب أن تعاد قراءته لمجرد الانتهاء منه"، وتنطبق هذه المقولة على حياة هذا الفيلسوف الفرنسي، والتي تعد كتاباُ يستحق القراءة حتى بعد الانتهاء منه، لأن في كل كلمة يكتشف القارئ معاني جديدة، ويلامس فنّاً أثرى خصوبة الحياة، وخلق نوعاً من المنافسة بين أنواع الدهشة التي تنبه الوعي وتمنعه من الخدر، فبشلار القطب لم يكتف فقط بإبراز الفلسفة الفرنسية المعاصرة، وإغناء الساحة الإبستمولوجية بمجموعة من الأطروحات والمفاهيم التي لعبت دوراً كبيراً في توضيح الكثير من القضايا الفلسفية والعلمية، بل أيضاً اقترب من الشعراء واعتبر أن وظيفة الشعر الكبرى هي أن"يجعلنا نستعيد أحلامنا"، حتى ولو تحدث الشعراء في حدود عتبة الوجود، فقوالب جمالية الوجود تصاغ بالعلم أو الشعر.
قدم باشلار من أسرة بسيطة، فأبوه كان إسكافياً وجده فلاحاً بسيطاً، وعانى من الفقر والقهر منذ ولادته عام 1883 في "بارعلى نهر الاوت".
حياة هذا الفيلسوف العظيم، لم تكن سهلة بل قاسية، ويمكن للقارئ ملامسة مرارتها ومأساويتها في كتابه "لهيب الشمعة"، كل هذه المتاريس والعوائق والمعاناة لم تجعل من باشلار إلا رجلاً قوياً وصلباً، إذ علم نفسه بنفسه، وأصبح بعد مسار طويل رمزاً من رموز النجاح والمعرفة في التاريخ الفرنسي.
عمل باشلار موظفاً في البريد بعد أن أنهى دراسته الثانوية، غير أنه عندما حصل على الليسانس في الرياضيات والعلوم عام،1913 عين مدرساً للفيزياء والكيمياء في مدرسة "بار على نهر الاوت"، وبعد ذلك حصل على الدكتوراه من جامعة السوربون وعلى إثرها عين أستاذاً للفلسفة في جامعة "ديجدون"، ثم أستاذا لتاريخ العلوم وفلسفتها في قسم الفلسفة في كلية الآداب بجامعة باريس، واستمر في هذا المنصب إلى وقت تقاعده.
تتميز فلسفة باشلار بعقلانية تركيبية صلبة، جعلت من إنتاجاته الفكرية إنجازاً مهماً للبشرية، واعتبرت الأفق الباشلاري لحظة إنسانية تأسيسية لصيرورة التاريخ البشري. كما مكنت عقلانيته المتفتحة والمرنة من صياغة ملامح التأسيس للتجربة الإنسانية. فباشلارعمل على امتداد ثلاثين سنة، منذ أطروحته إلى آخر مؤلفاته "شعلة قنديل"، على صياغة مفهوم الانفصال. وكرس جزءاً كبيراً من حياته وعمله لفلسفة العلوم، حيث قدم أفكاراً متميزة في مجال الإبستمولوجيا، والتصقت بفكره مفاهيم "العقبة المعرفية"، "جدلية المعرفة"، و"التاريخ التراجعي". كما أعطى للنظرية النقدية التي وضع أصولها الكبرى، نفساً طويلاً تأسست على مساره الاشتغالات النقدية والأدبية، وهناك من ذهب إلى أن باشلار هو مؤسس نظرية الشعر الجديدة.
استطاع باشلار أن يجمع بين الصور البلاغية بكثافتها الشعرية، وبين الصرامة النظرية، وكما قال: "لسنا مؤرخين، بل نحن أقرب إلى الشعراء، وقد تكون انفعالاتنا ليست إلا تعبيرا عن الشعر الذي فقدناه"، ويعد الشعر والخيال والحلم، الخيط الناظم للنسق الفكري في فلسفة باشلار، فإدراك هندسة القنبلة الذرية، يتطلب استحضار البلاغة الشعرية لكبار الشعراء أمثال: بودلير، ريلكه، نيتشه، وفيكتور هيغو.
استثمر العديد من الفلاسفة أمثال فوكو، ألتوسير، بوبر، المفهوم البشلاري الذي منح للحقول المعرفية أدوات إجرائية للبحث والتفكير. وتميز باشلار، بالموسوعية الكبيرة، حيث ولج فضاءات معرفية متعددة توزعت بين حقول مختلفة. ففي التحليل النفسي: "وجد باشلار مع اجتهادات علم النفس التحليلي الذي أسسه كارل غوستاف يونغ، مجالاً منهجياً خصباً، انطلاقا من مفاهيمه الأساسية : "الأنيما"، "الأنيموس"، و"النمط المثالي"، أما في التجارب الإبداعية؛ وخاصة المتون الشعرية التي امتدت من الكتابات الرومانسية الألمانية والإنجليزية في القرن الثامن عشر، إلى آخر صيحات الحداثة التي جسدتها البيانات السوريالية في القرن العشرين. فلقد لامست رؤية باشلار بشكل أساسي البنية الأنطولوجية للإنسان الذي يتوخاه؛ أي الكائن الحالم بامتياز" كما جاء على لسان الباحث سعيد بوخليط.
ألف باشلار العديد من الكتب، والتي يقارب عددها ثلاثة عشر كتاباً، غير أن كتب "العقل العلمي الجديد"، "تكوين العقل العلمي"، "العقلانية والتطبيقية"، "المادية العقلانية" تعد من أهم مؤلفاته في مجال فلسفة العلوم. وفي كتابه" الفكر العلمي الجديد" اعتبر باشلار المراجعة النقدية لبعض المفاهيم التقليدية الموروثة من الفلسفة حول المعرفة ضرورة إبتسمولوجية، لأن العالم يحتاج إلى مراجعة دائمة لمبادئه وأفكاره، لأنه ليس هناك حقيقة مطلقة أو قانون علمي مطلق. "كما أن المعرفة العلمية تتميز بمجموعة من الخصائص لايمكن لتلك المفاهيم التقليدية استيعابها"، كما جاء في دراسة تحت عنوان "أعلام الحداثة" للباحث محمد مستقيم. وكما أشار الباحث، "لا نكون أمام تجريبية صرفة ولا أمام عقلانية صرفة ولا أمام تضاد التجربة والعقل، بل نكون أمام علاقة جدلية تحول الواقع تحويلاً نظرياً أو أمام ممارسة نظرية لها علاقة بالمرحلة التاريخية التي يمر بها العلم وبالمفاهيم الفلسفية والإيديولوجية السائدة؛ أي أننا نحول الواقع من واقع مادي خام إلى تصورات أو موضوعات معرفية تتخذ صورة صيغ رياضية نظرية".
يقول عبد الرحمان بدوي عن مؤلفات باشلار في موسوعته: "إن مؤلفات باشلار تدور حول موضوعين أساسيين هما: نظرية المعرفة العلمية والنزعة الشعرية المقترنة بالتحليل النفسي، وعنده أن الموضوعين مترابطان فإن ما يكشف عنه التحليل النفسي من إسقاطات لرغباتنا على تصورات العالم، هو ما يكشف عنه العلم عن طريق مجهود دؤوب في اتجاه مضاد، لأن النظريات العلمية تدمير للنظرات "أو لقصائد" "الشعرية".
حسب باشلار لايمكن الفصل بين ما هو تجريبي وما هو عقلي، لأن المعرفة بطبيعتها تجريبية وعقلية في الوقت نفسه، كما أن كل معرفة عقلية تتضمن عنصراً من التجربة وفي كل معرفة تجريبية توجد مبادىء وأفكار عقلية. ويعد هذاالطرح العنصر الرئيس الذي أدى بباشلار إلى الاستنتاج بأن الفكر العلمي المعاصر يتميز بالربط الوثيق بين النزعة التجريبية والنزعة العقلية، فالنظرية بدون تطبيق هي نظرية عقيمة، وكل تطبيق يحتاج إلى نظرية.
تزوج باشلار وأسس عائلة بعد أن استقرت حياته، وأصبحت أمامه كل الظروف متاحة، وكانت سوزان باشلار ثمرة زواجه، وشبهت أباها الذي ورثت عنه جينات الفلسفة والمعرفة والعقلانية، وبرز اسمها في دوائر المعرفة، وشغلت مؤلفاتها رفوف المكتبات، كما أبرزت قدراتها في مجال التدريس، حيث درست هي أيضاً في جامعة سوربون، وكان مؤلفها "وعي العقلانية عند فينومونولوجيا هوسرل" من أهم الكتب التي أنجزت.
واجه غاستون باشلار تحديات الحياة حتى آخر يوم في حياته، وأرخ للحظة بالإبداع والاختراع، وناضل ضدّ نوم العالم وضدّ غفلته، أليس هو القائل: "نحن نعيش في عالم نائم علينا أن نوقظه بواسطة الحوار مع الآخرين. وما إيقاظ العالم إلاّ شجاعة الوجود بأن نوجد ونعمل ونبحث، نخترع، نبدع، نخلق".، لذلك غادر الحياة ناقشاً اسمه كرائد من روّاد علم الجمال، حيث رأى في الخيال بشقيّه العلمي والشاعريّ أساساً لما يسميّه الفلسفة المفتوحة، وهي فلسفة تتوسط (المثاليّة والمواصفاتيّة والصوريّة) التي تعلوها، والواقعيّة والاختبارية والوضعيّة التي تأتي تحتها". فمن كان يظن يوماً أن هذا الرجل الذي عمل في بداية حياته كموظف في مصلحة البريد في باريس، سيؤثر في تاريخ الإبستيمولوجية الفرنسية، وسيصبح من أهم أقطابها عالمياً.
التعليقات السابقة
الكتاب يقول الكاتب نعم الانيس و الجليس
abderahim08 نوفمبر 2014
انك كلما قرأت الكتاب مرة بعد مرة تبرز اليك افكار جديدة فالممارسة اليومية تجعلك تتعلم بطريقة أفضل
أضف تعليقاًً
* اختياري

