محمد شوقي الزين: البيلدونغ خاصية كل إنسان يعتني بتكوين ذاته
12 ديسمبر 2014 | 1 تعليق
الباحث الجزائري محمد شوقي الزين -(ذوات)
يعرف الباحثمحمد شوقي الزين مصطلح "البيلدونغ" بأنه "خاصية كل إنسان يعتني بتكوين ذاته وتشكيلها الفكري والنظري والروحي"، بواسطة عناصر يستمدها من "بيئته وتراثه" أو من "الأقاليم الثقافية الأخرى التي يتواصل معها". كما أشار إلى أن "البيلدونغ" تُرجم بكلمة "الثقافة"، وهذا برأيه يكون صحيحاً فقط "إذا أخذنا الثقافة كمبدأ عام في التصوّر والسلوك، وليس كمبدأ خاص في المعرفة والاطلاع".
كما اقترح، الباحث الجزائري، في دراسة له بعنوان "نظرية "البيلدونغ" وتأسيس فكرة الثقافة"، المنشورة ضمن العد الرابع من مجلة يتفكرون والموقع الإلكتروني لموقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، كلمة "التبرية" للتعبير عن المقولة نظراً للقيم الحقيقية والمجازية التي ينطوي عليها الجذر "ب ر أ"، والتي استقاها من استعراضه للغة الضاد ونصوص من التراث. وقد جعل "التبرية هي أداة التربية"، لأن "هذه الأخيرة تُبري الإنسان أخلاقياً واجتماعياً وفكرياً مثلما أبرته الطبيعة عُضوياً ووظيفياً بوهبه الصورة وبمدّه بعناصر الاكتمال، ليشتغل على ذاته خلال حياته"؛ وأضاف أن "التبرية بالنسبة للإنسان هي كالتعرية بالنسبة للصخور الجيولوجية".
كما استحضر، في سياق مرتبط، بيتين شعريين للسموأل يجمعان بين التبرية والتربية، يقول فيهما:
نُطفــةً خُلقتُ يـوم بُريتُ *** أمرتْ أمرها وفيها ربيتُ
كنّها الله تحـت ستر خفيّ *** فتخافيتُ تحتــــها فخفيتُ
حيث يعود بنا هذان البيتان، حسب تقديره، إلى "التبرية بوصفها الطريقة العضوية في تشكيل الكائن الحيّ انطلاقاً من النطفة، وكون الكائن يتغذّى من هذا الوسط، لينمو ويربو، فينبري ويتربّى"، وحدّد خصائص البيلدونغ في أربع نقاط هي: "التصوير أو التشكيل" بمعنى "إضفاء صورة على الكائن، الحيواني أو البشري بالمفهوم العضوي؛ والإنساني على وجه الخصوص بالمفهوم الثقافي والروحي"؛ وأنها "نظام القيمة في استقلالية عن نظام المعرفة"، وأنها "نمط في الوجود"، لأن "الحقيقة الأنطولوجية هي الإطار العام الذي تشتغل فيه البيلدونغ فيما وراء الحقيقة المعرفية"؛ ثم أخيراً "إذا كانت البيلدونغ وجودية أكثر منها معرفية، فهي رؤية جمالية للحياة أكثر منها قراءة إبستمولوجية في الواقع".
كما ربط البيلدونغ بمصطلح البايديا، التي ميزها الإغريق عن المعرفة، غير أن البيلدونغ سليلة البايديا تبحث، كما يقول، عن الإنسان "المتركّز" أي "الذي يُجمّع أو يُركّز القوى في ذاته ويوجّهها نحو غايات نظرية وعملية بنّاءة"، خلافا للأنوار التي عمدت "إلى البحث عن الإنسان "المتمركز" الباحث عن بسط الهيمنة واستثمار القوّة".
ويتحدث الباحث الجزائري عن الانعطافات التاريخية للبيلدونغ، وأولها "الانعطاف العلماني"، حيث أخذ الإنسان على عاتقه مبادرة التكوين الذاتي "في ابتكار حياته اليومية"، فابتعد بالتالي تدريجياً عن "السرديات الكبرى والمرجعيات الحاسمة، الدينية منها والسياسية، التي كانت في فترة من حياته النموذج الأعلى"، وراح بالتوازي مع ذلك "يبحث عن مقوّمات ذاته في ذاته باللجوء إلى أطر العقل وليس إلى بداهة النصوص"، وب "الاعتماد على الذات في التربية والتخلّق وليس بالاستناد إلى مرجعية أو شخصية". غير أن هذا منعطف لم يشهد اندماج البيلدونغ بالوعي الأوروبي الذي كان يغادر وقتها "أزمنة العصر الوسيط بأنماطها التقليدية وبأزمنتها اللاهوتية"، فالبيلدونغ كانت في هذه الفترة "نخبوية" تقتصر على "شخصيات فلسفية أو فنية أو علمية أو سياسية"
أما خلال منعطف القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فقد عمدت البيلدونغ إلى "أن تكون نوعية ومركّبة تجمع بين مختلف التيّارات الدينية والعضوية والكلاسيكية في وحدة مفهومية"، كما حاولت "معالجة التناقض البارز بين النزوع الاجتماعي والاختصاص الفردي" غير أن التصور المهيمن على البيلدونغ في هذا المنعطف "هو تكوين فردية الإنسان بالقيم اللغوية والروحية".
وفي الختام، أشار الباحث إلى أن البيلدونغ تعمل على ضبط التوازن بين "باطن الإنسان وظاهر العالم"؛ أي "بين القوى السيكولوجية والإدراكية والمبادئ الموضوعية التي تشيّد عليها الواقع"، ويكون الغرض منها هو تجسد قوى الإنسان وملكاته في الأشياء الموضوعية للعالم بواسطة الخلق والابتكار، وهنا تكمن بحسبه "إحدى التحديدات الممكنة للثقافة بوصفها إرادة الذات في تجسيد الرغبة والعبقرية في شيء خارج منها، وهو العالم الموضوعي". غير أنّ تعدّد المشارب وتنوّع الأشياء في العالم عوامل تقرن قدرة الإنسان على تكوين ذاته والخروج نحو العالم ب"الكيفية التي يجمع فيها هذه الأشياء في وحدة عقلية تحميه من التيه والتبعثر".
لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:
التعليقات السابقة
تشجيع
مراد قواسمي15 ديسمبر 2014
هندسة الذات بامتياز، وحسن تدبيرها,,,جميل
أضف تعليقاًً
* اختياري

