مساهمة في نقد النموذج المعرفي للإسلام السياسي
28 يناير 2015 | 0 تعليق
مشهد من مظاهرات الإسلاميين في المنطقة العربية -(أرشيفية)
النموذج المعرفي الإسلامي يعيش أزمة عميقة، وبالتالي وجب تفكيكه لمعرفة الأبعاد والمستويات المختلفة لهذه الأزمة، والكشف عن أسبابها ونتائجها المختلفة، تمهيداً لمحاولة التأسيس لنموذج بديل: إنها الفرضية التي يشتغل عليها وينطلق منها الباحث المغربي محمد ألحيان، كما جاء في دراسة له صدرت في موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، تحت عنوان "نقد النموذج المعرفي للإسلام السياسي: محاولة لتجاوز أزمة نموذج معرفي تاريخي".
ولعل أكبر مأزق يُميز جلّ منظّري ما يُعرف بتيار الصحوة الإسلامية في تناولهم لمفهوم "النموذج المعرفي"، ومن هنا أسباب اشتغال الباحث على نقد النموذج المعرفي للإسلام السياسي، مرتبط بمقابلتهم بين النموذج المعرفي الإسلامي والنموذج المعرفي المادي الغربي، ومحاولة المقارنة بينهما في دلالة على قدرة النموذج الإسلامي على فهم الواقع، وكون النموذج المادي الغربي يعيش في أزمة بعدما فكك الإنسان، وأعلن موت الإله ...إلى غير ذلك من التعبيرات الأخرى التي تحاول توضيح أبعاد تلك الأزمة المفترضة عند النموذج الغربي.
ومن الجلّي أن الغرض الأساسي من وراء مثل هذه المقارنات، هو محاولة الرفع من قيمة النموذج المعرفي الإسلامي عن طريق ادّعاء وجود أزمة عميقة في نظيره الغربي. وهذه مغالطة واضحة حسب الباحث، حيث إننا ندعي أنّ لكل نموذج معرفي وجهين: أحدهما إيجابي وفعّال، والثاني سلبي ومأزوم، وليس النموذج الإسلامي استثناء من هذه القاعدة.
توقف الباحث بالطبع، عند معالم أزمة النموذج المعرفي للإسلاميين، ويعني ذلك عدم قدرة هذا النموذج على فهم الواقع واستيعابه، وعجزه عن التعامل مع الأسئلة والإشكالات المطروحة عليه. ولعل من أبرز تمثلات هذه الأزمة هو ما نلحظه من طريقة تعاطي الإسلاميين مع الشأن السياسي، تنظيراً وممارسةً، وهو الأمر الذي لم يكن متاحاً التيقن منه بدون تجارب الواقع الموضوعي، بعيداً عن اللغة المنمّقة للأوراق المرجعية التي تبالغ في لغة الشعارات على حساب اختبار تلك التصورات والرؤى، حيث راكمت الحركات الإسلامية تجربة طويلة في مرحلة الدعوة، أو ما يُسميه مرحلة "ما قبل الدولة"، مفترضاً هنا أنّ نجاحهم في الدعوة وحشد الأنصار لخطابهم لا يعني بالضرورة حسن تدبيرهم لشؤون الدولة؛ أي إدارة الدولة، فالاختلاف عميق بين الدعوة والدولة. ففي مرحلة الدعوة، كان الخطاب ينطلق من جماعة الأنصار والمريدين مخاطباً الجماعة نفسها، حيث الخطاب يكون على مستوى الدائرة ذاتها. أمّا في المرحلة الثانية، فإنه يستلزم انتقال الخطاب إلى مستوى أعمق؛ أي جمهرة الناس باختلاف انتماءاتهم وأفكارهم ومرجعياتهم.
من مأزق هذا النموذج الإدراكي الحركي الذي يعتمد هذا النمط من الخطاب، كونه يستمد مرجعيته الفكرية وجذوره من مرحلة تاريخية لم تكن تعرف وتعترف بالتعددية الاجتماعية والدينية والسياسية داخل الجماعة الدينية نفسها، حيث يعتبر كل ذي رأي مخالف للسائد خارج الجماعة وبالتالي خارج الملة والأمة، وهو ما يفسر ذلك النزوع المفرط لهذا النموذج، نحو تكريس وحدة الفكر والشعور وكذلك نحو تنميط السلوك، وهو ما يكون بالضرورة على حساب حرية الاختيار وحرية الإرادة والقبول بحق الناس في الاختلاف والتعدد.
في ما يتعلق بأسباب أزمة النموذج المعرفي للإسلاميين، يرى الباحث أن كل فكر مرتبط بالواقع الذي تشكل فيه، فلا يمكن تصوّر فكر بشري منفصل عن الواقع الخارجي له، وغير متأثر به، وهكذا فإنّ هذا النموذج الإدراكي الحركي هو وليد البيئة التاريخية والظروف العامة التي نشأ وتطور فيها. وهذا النموذج التراثي لم يعد مسايراً للظروف الراهنة، ويعاني أزمة عميقة؛ لأنه تشكل أساساً في ظروف مفارقة للظروف الراهنة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً. فقد تشكل تحت إكراهات السلطة السياسية من جهة وضغط المعارك الأيديولوجية بين الطوائف الدينية المختلفة من جهة أخرى، وصولاً إلى تشكيل ملامحه الكبرى لدى الأغلبية السُنيّة مع الشافعي (الفقه)، والأشعري (الكلام)، والغزالي (التصوّف).
ويخلص الباحث إلى أنه أصبح لزاماً على الحركة الإسلامية، وفق شروط ما بعد الربيع العربي، إعادة تعريف مجموعة من المفاهيم، من قبيل الهوية، وذلك باعتبارها إرثاً جماعياً مشتركاً لجميع أفراد المجتمع، لا سلاحاً أيديولوجياً يتم توظيفه لتصنيف الآخر تمهيداً لإقصائه، وكيفية تدبيرها لهذه الهوية في ما بعد الربيع العربي، علماً أنّ قطاعاً واسعاً من التيار الإسلامي أصبح يشارك في اتخاذ القرار السياسي. وفي قضية الحرية الإنسانية صار واجباً تحريرها من كلّ فهم مستلب للتاريخ والتراث، وكذلك إلحاحية طرح سؤال الغير، بتجاوز ثنائيات النحن والآخر (المخالف لنا عموماً)، والاعتراف بالتعددية الدينية والثقافية والأيديولوجية داخل الجغرافيا الواحدة كضرورة واقعية وحتمية تاريخية في أفق تحقيق العيش المشترك؛ لكون موقع "الآخر" في ما يطلق عليه "المشروع الإسلامي" مازال غامضاً وغير مقنع.
لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري


