معالم مشروع "التعددية الدينية" عند عبد الكريم سروش
09 فبراير 2015 | 0 تعليق

المفكر الإصلاحي عبد الكريم سروش -(أرشيفية)
فاطمة حاتم

عندما نذكر نظرية "التعدّديّة الدينيّة" في العالم الإسلامي خلال الآونة الأخيرة، يرد ذكر بعض الأعلام الإصلاحية التي اشتغلت على تلك النظرية؛ ومنها المفكر الإيراني الإصلاحي عبد الكريم سروش. وهذا ما تشتغل عليه دراسة للباحث المغربي محمد طيفوري، ونشرت في موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" تحت عنوان "عبد الكريم سروش ومعالم مشروع نظرية تعددية في الإسلام: نقد المعرفة الدينية مدخلاً للتأسيس".

بكلمة أخرى، هذه دراسة مقدّمة لقراءة في أعمال المفكّر الإيراني عبد الكريم سروش بوصفه أحد الأسماء المؤسّسة لهذه النظريّة على الساحة الإسلاميّة. ومعلوم أنه لم تكن إثارة موضوع التعددية الدينية من باب الترف الفكري والسجال النخبوي، بقدر ما هو تنبيه عن التغافل عن الوجه الآخر لموضوع فرض نفسه على ساحة الفكر والنقاش في الفترة الأخيرة، وسطرت حوله مؤلفات وأعمال تعد بالعشرات؛ إنه موضوع الدين والتدين.

ففهم مبحث الدين والتدين، يضيف الباحث، يفضي بصاحبه إلى تبني نظرية التعددية الدينية. ولأخذ موقف من هذه النظرية، لا بد من استيعاب أطروحة الدين والتدين بتشكلاتها المختلفة؛ فالبت في جوهر الدين وعرضه، أو القلب والحاشية هو تعيين الشيء الذي يعد ذاتيًا للدين؛ أي علامَ تقوم حقيقة الدين والتدين؟ وما الأشياء الأخرى التي تمثل بالنسبة إلى الدين أمورًا عرضية وربما اتفاقية، لتكون بالتالي خارجة عن حقيقته، حيث يواصل الدين مساره ويبقى حتى لو افتقدها؟

ومن الأسئلة المؤطرة للدراسة، تقرأ: التساؤل عن ماهية هذه النظرية، ومن ثم بحث أصولها وتتبع جينالوجيا فكرة التعددية في الأديان، فهل تقتصر على أديان بعينها أم أنها جاءت لمطلق الأديان؟ وما علاقة هذه النظرية بفكرة الحوار بين الأديان؟ ونبحث في الشق الثاني من هذه الدراسة مبحث التعددية الدينية في الإسلام بالتساؤل عن أسس هذه النظرية ومرتكزاتها من داخل الدائرة الإسلامية؛ وذلك من خلال قراءة في أعمال أحد أبرز المفكرين الإسلاميين المشتغلين عليها.

ويضيف الباحث، انطلاقاً من أعمال عبد الكريم سروش، أن فكرة التعددية الدينية اليوم تقوم أساسا على عنصرين أساسيين: أحدهما تنوع الاستنتاجات من النصوص الدينية، وثانيهما تنوع التفسيرات للتجارب الدينية؛ فالمعرفة، كما يقول القديس توما الأكويني، هي، بحسب نمط العارف وبصيغة كانطية نسبة إلى إيمانويل كانط، بسيطة لا يمكن تفسير التجربة إلا حين تتموضع داخل بنية ذهنية مسبقة وتندرج تحت تصنيف منطقي أو قولي يعتمده صاحب التجربة، لأن الذات المفكرة سابقة على المعطيات التجريبية. وقد وصلت فكرة التعددية الدينية إلى هذه الماهية، بعد أن انطلقت من إقرار بوجوب التسامح بين الأديان مبدأً؛ وهو ما يفيد حرية الإنسان في اختيار معتقده، وعدم فرض أي دين عليه، واتباع منهج التسامح والتساهل مع الآخر في السلوك والتعايش، رغم اعتقاد هذه المجموعة أنّ من ليس على عقيدتها لا يذوق من النجاح شيئًا في الحياة الآخرة.

تقوم فكرة التعددية الدينية اليوم على عنصرين أساسيين: أحدهما تنوع الاستنتاجات من النصوص الدينية، وثانيهما تنوع التفسيرات للتجارب الدينية

كما تطورت هذه النظرية لتصل إلى مرحلة أكثر رقيًا وتقدمًا، باعترافها بامتلاك الديانات الأخرى شيئًا من الحقيقة؛ بل هي شريكة في امتلاك الحقيقة. وتفرض هذه الرؤيا إبطال امتلاك دين معين الحقيقة كلها وحده. وبناء عليه، اكتملت الحلقات الثلاث من التعددية: التعددية الأخلاقية التي تفرض على أتباع دين أن يتسامحوا ويلينوا في سلوكياتهم وتعاملاتهم مع أصحاب الدين الآخر، دون أن يعني ذلك الاعتراف بوجود حصة من الحقيقة والنجاة لهم. والتعددية الخلاصية القاضية بأن غير المؤمنين يمتلكون فرص الفوز بالجنة أو بالخلاص، وهذا البعد من التعددية هو الذي يمكّن المؤمن من الالتزام بالتعددية الأخلاقية، لأن وجود اعتقاد بإمكان وجود هذه الفرص يفسح المجال للتسامح السلوكي والتصرف البعيد عن العنف مع أتباع الديانات أخرى. وأخيراً، التعددية الدينية: وهي أخطر هذه المراحل وأكثر المستويات حساسية في نظرية التعددية؛ لأنها تمكن من كسر جمود كبير، وتفسح المجال أمام التعايش السلمي بين الديانات المختلفة، مع قدر أقل من الاحتكاك.

ويخلص الباحث إلى أن الحاجة أكثر من ملحة إلى إثارة وإحياء النقاش حول أطروحة التعددية الدينية، وتعميق البحث فيها والتفكير فيها، والسعي إلى نشر أفكارها بين بني الديانة الواحدة أملاً في وضع حد للصراع الطائفي والاقتتال المذهبي في أكثر من قطر في العالم، وفي العالم العربي الإسلامي خاصة، وبين أصحاب الديانات المختلفة، ردًا على أنصار "الصراع الحضاري" ودعاة الغلو والتطرف داخل كل ديانة، ولتجاوز أسطورة الحوار بين الأديان التي استمرت لعقود من الزمن دون أن تحقق أية نتائج تذكر، هذا مع التنبيه إلى انحصاريتها الضيقة بين ديانتين فقط؛ الإسلام والمسيحية، وهي الحاجة التي يلخصها جون هيك في مقولته: "إن لم تتصالح الأديان فلا أمل بالتصالح بين بني البشر، ولا يمكن إيجاد صلح بين الأديان إلا بالتصديق بهذا المعنى والمفهوم؛ وهو أن الأديان المختلفة انعكاسات وتجليات لحقيقة الألوهية الواحدة"، في تقاطع مع أطروحات المفكر الإيراني الذي اشتغلت عليه هذه الدراسة القيمة بالتعريف.

لقراءة الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق