البابا العاشق القديم للتانغو يصلي من أجل هدم الجدران
02 يونيو (حزيران) 2014 12:51 | 0 تعليق |
عندما خرق التقليد البرتوكولي، وتجرّد من صرامة البرنامج المعد مسبقاً، ووقف أمام جدار الفصل العنصري في مخيم عايدة شمال بيت لحم، على مقربة من مسقط رأس السيد المسيح عليه السلام، كان البابا "فرانسيس الأول" يوجّه رسالة بالغة الأثر من أجل هدم الجدران التي تمزّق الأرواح الإنسانية، وتفرّق بين البشر، وتضرم الجحيم في جنبات السكينة البشرية.
وقف البابا، وترجل من سيارته، وصلى من أجل زوال الجدران. وكان التأثر بادياً على ملامحه.
ولمولد البابا حكاية مع الشقاء الفلسطيني، فحين أبصر خورخي ماريو بيرجوليو النور، في 17 كانون الثاني (يناير) 1936 في العاصمة الأجنتينية بيونس آيرس، كان الفلسطينيون بدأوا، في العام ذاته، ما عرف باسم "ثورة فلسطين الكبرى"،وشملت جميع أنحاء فلسطين، وكانت الأطول عمراً (ثلاث سنوات)، قياساً بالثورات والانتفاضات التي سبقتها، حيث وقعت معارك ضارية وعنيفة بين مقاتلي الثورة والجيش البريطاني والعصابات الصهيونية، بعد أن علم أهل البلد أن ثمة مخططات، بل وقرارات دولية بتحويل فلسطين إلى دولة لليهود، أو دولة إسرائيل.
ولد بيرجوليو لأب إيطالي هاجر إلى الأرجنتين هرباً من النظام الفاشي فيها، وأم أرجنتيية من أصول إيطالية جنوبية في عائلة مكونة من خمسة أطفال، وهو أكبر أشقائه الأربعة، لذا تربى على كره الظلم والقهر في كنف أبيه الذي عمل في السكك الحديدية ووالدته ربة المنزل.
منذ طفولته وشبابه، عرف عن البابا شغفه بالأفلام، والموسيقى الشعبية في الأرجنتين والأوروغواي، ورقص التانغو، ومتابعته بل وشغفه بكرة القدم وتشجيعها، وخاصة نادي برشلونة، الذي لم يكن آنذاك يلعب له ابن بلده الأسطورة ليونيل ميسي.
حين كان طالباً في مدرسة للآباء الساليزيان في إحدى ضواحي بيونس آيرس، ثم في مدرسته الإعدادية متخصصة في التقنيات الكيميائية، تعرض الفلسطينيون لفاشية غير مسبوقة، إذ اجتاحت العصابات الصهيونية قراهم وبلداتهم ومدنهم، وارتكبت المجازر بحقهم، وهجّرتهم من ديارهم بقوة السلاح والبطش، لتعلن عن استقلال "دولة إسرائيل"، وما عرف فلسطينياً وعربياً بـ"النكبة"، العام 1948.
تابع بيرجوليو دراسته الجامعية محصلاً درجة الماجستير في الكيمياء في جامعة بوينس آيرس، وعمل لثلاث سنوات ضمن مجال اختصاصه في أحد مختبرات العاصمة الأرجنتينية، إلا أن بداية حياته الدينية بدأت عبر صداقة جمعته مع أحد كهنة الطقس البيزنطي.
في الحادية والعشرين من عمره، قرر برجوليو الولوج إلى السلك الكنسي، فانضمّ إلى "الرهبة اليسوعية" في آذار (مارس) 1958، ودرس العلوم الإنسانية واللاهوتية في سانتياغو في تشيلي، قبل أن يشهر نذوره الرهبانية في آذار (مارس) أيضاً، ليغدو في العام 1960، عضوًا رسميًا عاملاً في الرهبنة.
في العام 1967 أنهى برجوليو دراسته اللاهوتية، وبعد احتلال بقية فلسطين بستة أشهر، وقضم الأراضي العربية في مصر وسوريا ولبنان والأردن، أضحى كاهنًا، وبالتحديد في 13 كانون الأول (ديسمبر) 1969، من قبل رئيس الأساقفة خوسيه كاستيانو. وفي العام نفسه، وبعد فترة وجيزة من رسامته كاهنًا تعرّض لوعكة صحية حادة، ورث أسبابها منذ طفولته، دفعت إلى استئصال إحدى رئتيه بعد نزاع دام ثلاثة أيام "بين الحياة والموت" كما قال في وقت لاحق.
أصبح برجوليو، فيما بعد، أستاذًا في اللاهوت، ودرّس في كلية الفلسفة واللاهوت في جامعة سان ميغل في مدينة بيونس آيرس، بداية كمحاضر مبتدئ ومن ثمّ كأستاذ في اللاهوت؛ وكان قد أقام المحطة الأخيرة للتدريب الروحي للرهبان الجدد، حسب قواعد الرهبنة اليسوعية في إسبانيا، ومكث فيها حتى اختياره رئيسًا إقليميًا للرهبنة اليسوعية في الأرجنتين.ومما عمّق من ثقافته العالمية أنه يتقن اللغات الإسبانية، واللاتينية، والإيطالية، والألمانية، والفرنسية، والأوكرانية، إضافة إلى الإنجليزية.
في العام 1992 اختاره البابا يوحنا بولس الثاني، أسقفًا مساعدًا لرئيس أساقفة بيونس آيرس الكاردينال أنطونيو كاراكينو، وفي تموز (يوليو) 1997، عيّن برجوليو القائم بالأعمال الفعلي لأبرشية بيونس آيرس مع حق الخلافة التلقائية بعد تقدم رئيس أساقفتها في السن وتعثر صحته، وفي شباط (فبراير) 1998 غدا رئيساً لأساقفة المدينة بعد شغور منصب رئيس الأساقفة لوفاة الرئيس السابق، واحتفل بتنصيبه الرسمي في تشرين الثاني (نوفمبر) 1998 وجمعت إلى مهامه مهمة الإشراف على الكنائس الكاثوليكية الشرقية، وقد صدر كلا التفويضين عن البابا يوحنا بولس الثاني.
اشتهر "الكاردينال" بورجوليو، بالتواضع، والمنافحة عن العدالة الاجتماعية، والمحافظة في شؤون العقيدة، واكتفى بالعيش في شقته الصغيرة بدلاً من مقر رئاسة الأساقفة الفخم، وتخلى عن سيارة الليموزين مع سائق شخصي، واكتفى بوسائل النقل العام، ولربما هذا ما دفعه إلى خرق البروتوكول، في زيارته الأخيرة الأراضي الفلسطينية المحتلة، بأن أشار إلى السائق بالتوقف عند جدار الفصل العنصري في بيت لحم، ليهبط من مركبته التي لربما بات يمقتها لبساطته، داعياً الى إحقاق العدالة للشعب الفلسطيني ولكل شعوب المنطقة. كما دعا للسلام في سورية، وهذه الحرية والكرامة هي التي أكد عليها السيد المسيح من خلال تحريره الإنسان يوم مات على الصليب فادياً الجنس البشري.
في العام 2001، وفي أوج اشتعال انتفاضة الأقصى في الأراضي الفلسطينية، اختار البابا اسم فرنسيس تأسياً بالقديس فرنسيس الأسيزي، أحد معلمي الكنيسة الجامعة، وكان مدافعاً عن الفقراء والبساطة والسلام.
"الحبر الأعظم"، الذي وقف متأسياً أمام جدار الفصل العنصري، قاوم الفاشية الإيطالية في سبيعينات القرن الماضي وما تلاها، يطول، فقد "عمل من خلف الستارة وفي السر، من أجل إطلاق سراح المخطوفين وجميع معتقلي الرأي" من قبل النظام الأرجنتيني البوليسي آن1اك"، كما كشف في مقابلة له العام 2010 عن أنه "كان يعطي أوراق هويته الخاصة لمن يشبهه حتى يتمكن من الفرار من الأرجنتين إذا ما كان ملاحقًا من قبل الحكومة لأسباب سياسية".
أكمل قداسته حجه بزيارة القدس المحتلة، حيث تبارك من الأرض التي شهدت دعوة السيد المسيح وقيامه، ليزور البطريرك المسكوني الأورثوذكسي، وهنا كانت مفاجأة البابا فرنسيس الأول الكبرى، حين قام بتقبيل يد البطريرك المسكوني، وكأنه بذلك أراد ان يكمل خطوة سلفه البابا بولس السادس الذي تبادل اثناء زيارته للقدس عام 1964 مع البطريرك المسكوني اثيناغوراس إلغاء الحرمات المتبادلة ما بين الكاثوليك والأورثوذكس، وكأنه بهذه القبلة أراد ان يخطو أولى خطوات الوحدة المسيحية.
وفي لقطة بالغ الدلالة، خلال زيارته فلسطين، كان "الحبر الأعظم" وهو يستمع لإنجيل الميلاد باللغة العربية، متكئاً على صولجان، ولكن هذه المرة ليس صولجاناً من ذهب وأحجار كريمة، بل عصا الراعي الصالح، حيث كانت من خشب، وعليها رسم الصليب، وكأنه أراد أن يعلّم سائر الأساقفة بأن الصولجان الحقيقي للمسيحية، والأديان بعامة، هو صولجان المحبة والتواضع، وهو ما طالب به السيد المسيح لأتباعه، وللبشر أجمعين.
أضف تعليقاً
* اختياري
