التاريخانية وقابلية التطبيق لإصلاح الفقه الإسلامي
27 اغسطس 2015 | 0 تعليق

ذوات

غالباً ما وجد المسلمون "التقدميون" الذين يتمسكون بالمساواة الجندرية أنفسهم يحاربون على جبهتين: واحدة ضد المسلمة التي يتزعمها الاستشراق عن طريق استخدام قميص عثمان القائم على شبهة: "اضطهاد الإسلام للمرأة"، ومواجهة أخرى ضد خطاب تراتبية هرمية وانتقاصة للمرأة، وضد تفسيرات تقول بعلاقات جندرية انتقاصية للمرأة موجودة تاريخياً في المجتمعات المسلمة.

وتبحث دراسة للدكتور محمد فاضل ترجمها أبوبكرأحمد باقادر، ونشرت في قسم العلوم الإنسانية والفلسفة على موقع مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" للدراسات والأبحاث، فيما إذا كانت التاريخانية استراتيجية قابلة للتطبيق لإصلاح الفقه الإسلامي؟ إذ يتخذ من حالة حديث "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" مثالاً على ذلك.

ويوضح الدكتور فاضل أن إبراهيم موسى، الذي يرى نفسه مسلماً تقدمياً، يحدد "السلفية النصوصية" – أي الإيمان المطلق بسيادة نصوص الوحي، والتي تستبعد ما هو تاريخي ولا تأخذ بتجربة الأمة المسلمة، على أنها تشكل عائقاً مهماً يواجهه المصلحين المسلمين في كفاحهم لترويج مفاهيم إسلامية تقدمية.

ويلفت الباحث إلى أنه على الرغم من أن موسى هو من عبر عن الرأي القائل بأن التاريخانية "ترياق مضاد ناجع للتصدي للسلفية النصوصية"، إلا أنه لم يقدم معنى واضحاً لما يقصده بالتاريخانية. ربما قصد بالتاريخانية إعطاء أهمية كبرى للسياق التاريخي لنصوص الوحي، وهي منهجية يسميها فاضل "التاريخانية الهرمونيطيقية أو التأويلية" ويفترض أن لها دوراً مهماً تلعبه في دعوة المسلمين التقدميين لإصلاح الفقه الإسلامي.

تاريخانية تأويلية

ويأخذ الدكتور فاضل في هذه المقالة، دعوة موسى لتطبيق منحى تاريخاني لنصوص الوحي كاستراتيجية إصلاحية ولكن من منظور تاريخانية تأويلية، وليس من منظور تاريخانية تقدمية. وقد تكون هناك لحظات أن داعياً ما للإصلاح القانوني قد يتوصل إلى قول إن القراءة التقليدية لنص ما هي القراءة الصحيحة، مع نتيجة أنه سيقوم بتطبيق منهج لاهوتي خلافي للتفسير، على سبيل المثال، تاريخانية تقدمية لتوصيل رأيه. كما يوضح فاضل، مع ذلك، أن قضية مساهمة المرأة السياسية يظهر أنها عرضة لقرار بطريقة متسقة بشكل عام مع سياسة تقدمية دون الرجوع إلى منهج إسلامي أكثر خلافاً للتاريخانية التقدمية.

ويقوم فاضل بفحص مدى عملية مثل هذه الاستراتيجية في تحليل حديث "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" أو برواية أخرى "لن يفلح قوم تملكهم امرأة"؛ إذ يثير العديد من المسلمين السنة قبل المحدثين هذا النص لتبرير الاستبعاد التام للنساء من المناصب العامة المختلفة، ويظهر أيضاً أنه، على الأقل، في بعض المجتمعات المسلمة المعاصرة، لايزال يستخدم هذا الحديث بشكل عام لتبرير استبعاد النساء من المناصب العامة.

مصادر البحث

ويوضح فاضل أن روايات هذا الحديث تظهر في أربع مجموعات حديثية سنية مشهورة من القرن التاسع والقرن العاشر الميلادي، هي: مسند أحمد بن حنبل، وصحيح الإمام البخاري، وسنن الترمذي، وسنن النسائي. ويظهر الحديث أيضاً في مصنف ابن أبي شيبة، ويظهر بعد ذلك بأشكال مختلفة (وبشكل موقوف على نص النبي صلى الله عليه وسلم فقط بشكل واسع) في موسوعات الحديث التي ظهرت في العصور الوسطى المتأخرة والعصر الحديث المبكر. وتتبع جميع هذه المصادر هذا الحديث الصحابي هو: أبو بكرة نفيع بن الحارثة.

وعلى الرغم من أن كل واحد من هؤلاء المحدثين – ابن أبي شيبة والبخاري والترمذي والنسائي – أورد تقريباً النص نفسه، من المصادر نفسها تقريباً، إلا أن مكان وضعهم للنص داخل أطر أعمالهم يختلف، وفق فاضل، في اعتبارات مهمة؛ فكل واحد منهم يقترح تفسيراً مختلفاً لنص الحديث. وتفرض التحديات التفسيرية بسبب مكان وضع هذا الحديث في جنس (نوع) كتب الصحاح/ السنن، لكن مع ذلك، كل هذه الاختلافات غابت بشكل كبير عند جامعي موسوعات الحديث التي ظهرت فيما بين القرون 15 و18. فعلى ما يظهر هذه الأعمال تأثرت بالمفهومات الصورية للفقه، مما جعلها تحصر نفسها بالعناصر الحرفية الشكلية لتعاليم النبي ـــ صلى الله عليه وسلم – أي أقواله وأفعاله ونواهيه. وكانت النتيجة أن جعلوا الإطارات السياقية التي أوردها أصحاب جنس الصحاح/ السنن غير ذات بال.

ثقافة ذكورية

وحلل فاضل السياق التاريخي الذي ورد فيه الحديث في المصادر السابقة ومن خلال التحليل أوضح كيف أن نصاً قد استخدم تقليدياً لتعضيد ودعم ثقافة ذكورية سائدة يحتمل أن يقرأ كذلك بطريقة مختلفة، حتى بحسب قواعد التفسير التي تطورت بحسب التقليد التاريخي نفسه. فضلاً عن أن منهج قراء النصوص الفقهية الصورية بشكل خاص يمكن أن يعضد مواقف أو اتجاهات ذكورية مهيمنة عن طريق إلباس التحيزات لباس تفسير موضوعي.

ومن ناحية أخرى، يمكن لنفس نظرية التأويل (الهرمونيطيقيا) التي عضدت وأعطت شرعية لقراءة انتقاصية لحديث (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، يمكنها أيضاً أن تقلل من شأن تلك القراءة: عن طريق الأخذ بجدية المبدأ القائل إن عموم اللفظ يجب ألا يطبق بشكل عام بدون أخذ الحيطة في استبعاد إمكانية أن الدليل الظرفي يشير إلى مقصد معين بشكل أكبر.

والدراسة الفاحصة الدقيقة للمنظور الذكوري، وكذلك لمنظور انتقاص المرأة، بالإضافة إلى دراسة النصوص والافتراضات المستخدمة لتبريرها في إطار التقليد الإسلامي، تعد، بحسب فاضل، خطوة حاسمة في فهم كيف أن أمثال هذه التحيزات قد شكلت النشاطات التفسيرية لعدد مختلف من المفكرين المسلمين عبر التاريخ، والقيام بمثل هذه الدراسات على خطى الخطوط أو التوجهات التي رسمتها هنا يمكن أن تقوم بوظيفة مقيدة في اختراق "السلفية النصوصية" التي اشتكى منها ابراهيم موسى.

ويشير فاضل إلى أن حديث "أبي بكرة" مثال جيد على كيف أن تأطير نص ما يمكن أن يلعب دوراً مهماً، بل حتى وإن كان دقيقاً، في تحديد أو تقرير كيف قُرئ وفُهم؛ فقرار البخاري في أن يورد هذا الحديث في باب مراسلات النبي الدبلوماسية على سبيل المثال، أو إيراد ابن أبي شيبة لهذا الحديث كجزء من أحداث الفتنة، يجعل معنى هذا الحديث يأخذ معاني أخرى مختلفة كلياً بالمقارنة لقرار النسائي إيراده في المواد التي تعالج موضوع منصب القاضيات، هذا دون أن نذكر أن موسوعات الحديث المتأخرة التي مرت كلها (أو جلها) في سياقاتها بعمليات تحريرية كلياً.

ويذكر الباحث أن منهجيته التاريخانية التأويلية (الهرمونيطيقية) المستخدمة في هذه الدراسة لا يدعي أنها تؤسس إطاراً "صحيحاً" للنص، وإنما هدفها ببساطة اختراق أسلوب التلقي الشائع لنص كان قد استخدم لتبرير استبعاد النساء عن الفضاء المسلم العام عن طريق توضيح الطبيعة المتعددة المعاني والإغراءات التاريخية لذلك النص.

للاطلاع على الدراسة كاملة يرجى زيارة الرابط

http://goo.gl/ntcBvx

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق