الثورة انطلاق للتعبير عن الذات
21 اغسطس 2015 | 0 تعليق
على الرغم من أن العديد من المتتبعين للثورة، شككوا في ما جنته وحققته هذه الأخيرة، خاصة وأن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية بقيت راكدة في مدارها، لا تتجاوز حدوده، وكأنها في سجن عتي، غير أنه لا أحد يمكنه أن ينكر أنّ حرّية التعبير واقع لا ريب فيه وثمرة من ثمار الثورة التي أطلقت ألسنة كانت معقودة، وفتحت المجال فسيحا أمام المنتظمين داخل أحزاب والمتحدّثين بأسمائهم والناطقين بأصواتهم كي يعرضوا أفكارهم ورؤاهم على الملأ من غير تحفّظ، ويخاطبوا الجماهير العريضة في وسائل الإعلام بدون خشية، ويلقوا في الساحات العامّة وعلى مسامع الجماهير كلاما لم يكن المرء قبل الثورة يجرؤ على أن يحدّث به نفسه، ويدخلوا في جدل مع خصومهم في منابر تخصّص للحوار وتبادل وجهات النظر، فقد مكنت الثورة الإنسان العربي من الخروج إلى فضاءات كانت محروسة على مدى قرون، هذا السياق إنجاز تاريخي وبداية انطلاق لنسق جديد في علاقة الإنسان العربي بذاته وبتعبيراته التي أخمدت على مدى طويل من الزمن، وبذلك تكون الثورة انطلاق للتعبير عن الذات.
ومن هذا المنظور، يمكن أن ننظر إلى الربيع العربيّ وإلى حرّيّة التعبير، كما يقول الباحث التونسي حاتم عبيد، باعتبارها من أوّل المكاسب التي جاءت بها الثورة إلى الجماهير، وإلى ما ترتّب على هذه الحرّية من فضاءات وفرص لم تتوفر للناس من قبل، كي يعبّروا عن آرائهم ويدافعوا عن رؤاهم ويقنعوا الآخرين بها، يمكن أن ننظر إلى ذلك كلّه على أنّه تحوّل من دولة كانت تحتكر الكلمة ولا تسمع إلاّ صوتها، وكانت تحمل الناس بالقوّة والعنف على قبول اختياراتها الاقتصاديّة وتوجّهها السياسيّ ونمطها التنمويّ إلى دولة تجد نفسها الآن محمولة على الدخول في حوار مع الأنصار والمعارضين؛ حتّى تُقنع الناس بصحّة الخطّ الذي تسير فيه وبنجاعة السياسات التي تنتهجها.
ويضيف الباحث التونسي أنه "لا أحد ينكر أنّ الربيع العربيّ سيفتح الباب واسعا أمام تغيّرات آتية لا محالة، بدأت طلائعها تظهر، رغم صلابة المنظومات القديمة والمقاومة الشرسة التي يقودها "ضحايا" ذلك الربيع والمستفيدون من أنظمة الاستبداد ضدّ التحوّل؛ حتّى يخمدوا أنفاسه ويعطّلوا حركته أو يجعلوا نسقها بطيئا لا يلبّي انتظارات الجماهير من الثورة، ولا يرتقي إلى سقف تطلّعاتهم المتمثّلة في اجتثاث النظام القديم، وبناء دول ديمقراطيّة يشعر فيها الإنسان العربيّ حقّا وصدقا أنّه مواطن بأتمّ معنى الكلمة"
حاول الباحث التونسي في بحثه الموسوم ب"الخطابة في الربيع العربيّ: أيّ دور وأيّة رهانات؟"، والتي نشرت على موقع مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" أن حياة المواطنين بعد الثورة امتلأت بأصناف كثيرة من الخطب التي تلاقاها المواطنون في منابر مختلفة، والتي كانت تنتمي إلى ميادين متنوّعة، كما بين أن كلّ متكلّم سعى إلى إقناع المواطن العربي بصحّة ما يقول ووجاهة ما يقترح؛ فرجال الدين يخطبون في الجماهير ويعوّلون في إقناعهم الناس على التذكير بتعاليم الدين وأحكامه، ورجال القانون صاروا من أكثر الناس حديثا وحضورا بعد الثورة، والحلّ عندهم في الدستور المنتظر الذي ستعيد فصوله تنظيم مختلف جوانب الحياة على قيم جديدة لا تسمح بعودة الاستبداد والظلم بشتّى أنواعهما، ورجال السياسة الذين يعوّلون على حنكتهم وتجاربهم لا يكادون يسكتون، والإعلام يحاول من جهته، أن يقنع الناس بنقل الخبر نقلا محايدا ومتابعة ما يجري في كلّ أنحاء البلاد. والكلّ يتحدّث في الثورة، ويسعى إلى إقناع الآخرين بصواب رأيه .ولكن هيهات أن يقتنع الناس بما يسمعون، وهيهات أن ينجح كلّ هؤلاء في تحقيق التصديق؛ فالأشياء الصادقة والعادلة لا تكفي وحدها كي تجعل الناس يصدّقونك. والتاريخ يثبت أنّ الذين كفروا بالدين أكثر من الذين آمنوا به.
كما أن مجرّد عرض الوقائع وبسطها أمام الجمهور لا يفلحان في كثير من الأحيان في إقناع الجماهير، والذين يستندون إلى النسب والأرقام لا يحوزون دائما على ثقة الجمهور. والتخصّص في مجال بعينه وامتلاك أدقّ المعارف فيه، لا ينفعان أحيانا مع صنف من الناس.
كل هذه العوامل، دعت الباحث إلى طرح سؤال في العمق أنه حان الموعد لنسأل عن الخطابة ما هي؟ علما أن أرسطو إلى أنّ المعارف التي في حوزتنا "حتّى لو كانت أدقّ معرفة علميّة" لا تسعفنا في التعامل مع صنف من الناس نريد إقناعه بوجهة نظرنا؛ لذلك لا بدّ من أداة تساعدنا على الظفر بالحجج التي تخدم أفكارنا ومواقفنا، وتساعدنا في الآن ذاته على تفنيد آراء خصومنا متى بدت لنا خاطئة.
للاطلاع على البحث كاملا يرجى الضغط هنا
http://goo.gl/k7FA5Y
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

