الفيلالي الأنصاري يحذر من هيمنة الوصف على الدراسات في العلوم الإنسانية
27 اغسطس (آب) 2014 13:56 | 0 تعليق

المفكر المغربي عبده الفيلالي الأنصاري - (ذوات)
الرباط - سعيدة شريف

حذر الفيلسوف والمفكر المغربي عبده الفيلالي الأنصاري من هيمنة الوصف على الدراسات والأبحاث في العلوم الإنسانية، داعياً الباحثين في الإسلام اليوم إلى التركيز على العلامات الراسخة في المجتمعات والتحولات التي تشهدها الأمم، وأخذها بعين الاعتبار في كتاباتهم ودراساتهم المستقبلية.

وعاب أستاذ الفلسفة السابق بجامعة "أغاخان" بلندن، عبده الفيلالي الأنصاري، في المحاضرة الافتتاحية التي ألقاها مساء أمس (الثلاثاء) بالمكتبة الوطنية للمملكة المغربية - في افتتاح المؤتمر الدولي الفلسفي الخامس والثلاثين، المنظم من طرف جمعية "هيئات الفلسفة باللغة الفرنسية" ASPLF، بتنسيق مع جمعية "ضفاف متوسطية" بالمغرب حول موضوع "الممكن والمستحيل"- سيادة وهيمنة الوصف على أغلب الأبحاث في العلوم الإنسانية، وغياب البحث والتنقيب عنها، مشيراُ إلى أن العلوم الإنسانية لم تكن في يوم من الأيام تقتصر على الوصف والملاحظة، بل تتجاوزها إلى التفكير بعمق في جوهر الأشياء.

ودعا الأنصاري المتخصص في العلاقات بين الإسلام والديمقراطية، إلى إعادة مراجعة وكتابة تاريخ المسلمين والإسلام، مناشداً المؤسسات العربية التي تهتم بشؤون الإسلام إلى القيام بهذه المراجعة بشكل علمي دقيق، وعدم إغفال ما أنتج من كتابات ومراجعات في السابق، لأنه لا يمكن الانطلاق من الصفر، فهو شبه مستحيل.

وركز الفيلالي في مداخلته، التي غير عنوانها أكثر من مرة، كما قال، لشساعة الموضوع وشموليته، وتشعب مناحي البحث في الممكن والمستحيل انطلاقاً من العلوم الإنسانية  والثقافات، واستحضر المفكر الإسلامي ابن رشد من خلال ما كتبه عنه الكاتب الأرجنتيني "لويس بورخيس" في قصته "بحث ابن رشد"، وهي القصة التي تكشف عن الخزان المعرفي الحي الذي التفت إليه الكتاب العالميون أمثال بورخيس، في حين تغافل عنه العرب، وحاول بعضهم الحكم عليه عبثاُ بالموت.

استحضر الأنصاري المفكر الإسلامي ابن رشد من خلال ما كتبه عنه الكاتب الأرجنتيني "لويس بورخيس" في قصته "بحث ابن رشد".

وتتحدث قصة بورخيس، كما قال الفيلالي، عن ابن رشد وهو يملي الفصل الحادي عشر من كتاب "تهافت التهافت" الذي يرد فيه على الغزالي مؤلف كتاب "تهافت الفلاسفة"، ويبرهن بأن الذات الإلهية لا تعلم سوى قوانين الكون العامة أي ما يتصل بالأصناف لا بالأفراد، ويصف بورخيس كيف كان يكتب باطمئنان بطيء من اليمين إلى اليسار.

ويمضي بورخيس في سرده الحكائي الدقيق الذي لا يغفل فيه أي شيء عن ابن رشد، وحتى المشاكل اللغوية التي اعترضته في ترجمته لأرسطو، لأن غاية ابن رشد العسيرة كما يقول بورخيس كانت هي "أن يؤوّل كتبه مثلما يؤوّل العلماء القرآن".

واستحضر في هذا الإطار الأنصاري ترجمة ابن رشد للتراجيديا والكوميديا عند أرسطو بـ المدح والهجاء (يسمي أرسطو قصائد المدح تراجيديا، وقصائد الهجاء والقذف كوميديا)، وقال إن بورخيس حاول بطريقته فهم ما قدمه ابن رشد، غير أنه برأيه قد أخطأ في البعض منها.

وبعد ذلك انتقل الأنصاري إلى الحديث عن مفكر معاصر هو "كليفورد غيرتز"، أحد أبرز علماء الأنثروبولوجيا الأميركيين وأكثرهم  تأثيراً خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، والذي تناول مجموعة من الأسئلة الحارقة، واهتم بالإسلام والمسلمين، حيث يعد مؤسس المدرسة التأويلية في الأنثروبولوجيا.

وأشار الفيلالي إلى أن "غيرتز" أولى عناية خاصة بدراسة الرموز في الثقافة، وأنه كان يؤمن بأن هذه الرموز هي  التي تضفي معنى ونظاماً على حياة الإنسان، مؤكداً أنه  كان له إسهام هام جداً في تطوير دراسة الأنساق الرمزية والثقافية داخل الممارسات الأنثروبولوجيّة منهجاً وتنظيراً. وفي عام 1951 قام بأبحاث ميدانية في جاوة بأندونيسيا واشتغل على موضوع الدين، ودون نتائج أبحاثه في كتاب "الدين في جاوة" (The religion of Java) عام 1960، ثمّ انتقل إلى المغرب وأقام بمدينة صفرو، وقام بأبحاث بين 1963 و1971 وكانت من نتيجتها كتابه "ملاحظة الإسلام: التطورات الدينية في المغرب وأندونيسيا" عام 1968.

استحضر الأنصاري المفكر المعاصر "كليفورد غيرتز" الذي كان لطروحاته تأثير كبير في الفكر وفي حقل الأنثروبولوجيا والدراسات التراثية على وجه الخصوص

وأوضح الفيلالي أنه بعد أربعين سنة من الغياب عاد "غيرتز" إلى أندونيسيا والمغرب، وألف كتاب الشهير "تأويل الثقافات"، الذي كان له وقع كبير في عالم الفكر وفي حقل الأنثروبولوجيا والدراسات التراثية على وجه الخصوص، وهو الكتاب الذي اقترح فيه طريقة خاصة للاقتراب من الثقافات وهو ما يعرف بـ " الأنثروبولوجيا الرمزية" التي اتخذها منهجاً له.

غير أن مفهوم "غيرتز" للثقافات، كما قال الفيلالي، سيجد من يعارضه، ممثلاً على ذلك بالباحث الأمريكي طلال الأسد من أب نمساوي وأم سعودية، ذو الاسهامات العديدة في الدراسات المتعلقة بمرحلة ما بعد الاستعمار، والمسيحية، والإسلام، والدراسات الدينية الأخرى، والذي بين أن "غيرتز" واجه الفشل نفسه الذي واجهه ابن رشد.

وقبل أن يقدم الفيلالي مجموعة من الملاحظات استحضر مفكراً آخر هو "مارشال هودستون"، صاحب كتاب "مسار الإسلام"، الذي يعيد فيه الباحث كتابة  تاريخ الإسلام بطريقة حداثية، عبر الاعتماد على التقنيات المتطورة والمعارف الحديثة، والرجوع اللغتين العربية القديمة والفارسية، والتركيز على كتاب "المقدمة" لابن خلدون.

وفي ختام محاضرته تساءل المفكر عبده الفيلالي الأنصاري عما يحدث اليوم في العلوم الإنسانية في العالم العربي والإسلامي، ودعا الباحثين إلى تجنب الوصف، والاهتمام بالتنقيب والتدقيق في دراساتهم وأبحاثهم المستقبلية.

وعبده الفيلالي الأنصاري مفكر وأكاديمي مغربي، ولد في مدينة مكناس عام 1946 ، تولى عدة مناصب إدارية وثقافية عليا، عمل كأستاذ جامعي في جامعة محمد الخامس، ثم شغل مديراً لمؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية بالدار البيضاء، ومديراً لمعهد الدراسات حول حضارات المسلمين بجامعة آغا خان في لندن، له إصدارات منها: "إصلاح الإسلام"، و"هل الإسلام معادٍ للعلمانية"، كما ترجم عمل علي عبد الرازق الموسوم بـ "الإسلام وأصول الحكم" إلى اللغة الفرنسية.

جمع عبده الفيلالي الأنصاري كواحدٍ من مفكري الإسلام الجدد، بين حقول بحث مختلفة كالفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ والدين والحقوق، ولعل درايته الواسعة بالعلوم الدينية التقليدية جعلت نظرته للحداثة في علاقتها بالدين أكثر شمولية مقارنة بالمدرسة الإصلاحية،لذلك، تبنى عبده الفيلالي الأنصاري عدة أسئلة شكلت منطلقاً في تجربته التجديدية والداعية إلى الإصلاح، وصاحبت هذه الأسئلة انشغالات له بمواضيع: العلمانية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وعلاقة الإسلام بالعلمانية.

وتتواصل أشغال المؤتمر الدولي الفلسفي بالرباط بمركز اللقاءات الدولية لوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني بالعاصمة الرباط إلى غاية 30 أغسطس (آب) الجاري بمشاركة أكثر من 150 فيلسوفًا وأساتذة جامعيين وباحثين من آسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية والشمالية، وأوروبا، وعدد كبير من المشتغلين بمجالات الفلسفة من المغرب والجزائر وتونس.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق