النيفر لـ "ذوات": الذهنية الإقصائية لا توحد عناصر العالم ولا تفتح له آفاقاً (2من2)
25 سبتمبر (أيلول) 2014 15:57 | 0 تعليق

المفكر التونسي احميدة النيفر خلال المؤتمر الثاني لمؤسسة مؤمنون بلا حدود -(ذوات)
ذوات- حاورته: نزهة صادق

أكد المفكر التونسي احميدة النيفر أن التحديات الإقصائية التي تواجه المسيحيين الذين يعدون جزءاً لا يتجزأ من النسيج العربي، تتجلى في القدرة على العيش مع الآخر وتقبله، كما أن الذهنية الإقصائية عموماً لا توحد عناصر العالم ولا تفتح له آفاقاً.

وطرح النيفر سؤالاً جوهرياُ في الجزء الثاني من حواره مع "ذوات"، يتعلق بكيفية أن نعيش سويّاً ومختلفين، وكيف يمكن للمسيحيين والمسلمين البناء لتأسيس عقدي وفكري لقضية الوحدة والاختلاف لمواجهة مصاعب المرحلة وتحدّياتها.

وأضاف المفكر التونسي أن إرساء مشروع وطني بديل قادر على الإجابة عن الرهانات الخمسة الأساس التي يوجهها العالم العربي أمام مد الإقصاء، وهي أية دولة نحتاجها اليوم؟أية تنمية تتطلبها مجتمعاتنا؟وأية منظومة قيمية جديدة لا مناص من إبداعها؟ من أهم الإشكالات التي تتطلب الوقوف عندها حتى نرسي عالماً يؤمن بالتعددية بكل مكوناته.

وأشار في الجزء الأول من الحوار إلى أن ظاهر حال المسلمين مأزوم ولا يبشر بالخير للمسلمين أنفسهم أولاً، وللآخرين أيضاً، وأن المجال العربي في عموم هذا الظاهر هو الأكثر إثارة للمخاوف والمخاطر.

وقال إن وضع العالم العربي الإسلامي يطرح اليوم أكثر من تساؤل، لأن ما حققته عموم الشعوب الإسلامية كان دون طموحها وتضحياتها، في حين استطاعت شعوب أخرى- كاليابان والصين والهند- أن تحقق، بنسب متفاوتة، خطوات على مسار نهضتها.

وأضاف النيفر أن الدين يحمل معنى للإنسانية وللحياة، غير أن "فهومنا" التاريخية لهذا التجلي هي فهوم تشكلها ثقافتنا الدينية من خلال وعينا وخبرتنا وتموقعنا، كما يمكن أن تكون تقدمية أو يسارية أو ليبرالية، وهي اجتهاد ناتج عن درجة معاصرتنا للواقع ولتطوراته الإنسانية والمحلية.

وأشار النيفر إلى أن التمثل المميز للإسلام اليوم، يتجلى في مكنونات التجربة الإيمانية التي نحيا بها وبما تحتويه من التحديات المختلفة الفكرية والعلمية والتقنية والحضارية وما ننخرط فيه من حوارات مع المختلفين دينياً ومع غير المتدينين، والتي يصبح بها فكرنا الإسلامي معاصراً؛ أي أقدر على تقديم الإجابات المتكاملة والمتماسكة لتلك التحديات.

وأوضح أن اختيار صفة "إسلاميين" في تونس، ويقصد بذلك الأفراد والطاقات المنضوية ضمن تيار يعمل من أجل تقديم جهد بشري في الفهم والتأويل بما يجعل الالتزام بالنص المؤسس ودلالاته ومقاصده ملبياً لمقتضيات الواقع واحتياجاته، عوض "إسلام يساري" يرجع إلى الرغبة في التميز عن الخيار الذي صاغه الدكتور حسن حنفي.

واحميدة النيفر أستاذ جامعي متخصص في أصول الدين والفكر الإسلامي المعاصر، وأحد أعلام الاتجاه الإسلامي المتقدم، حصل على درجة الدكتوراه في الدراسات اللغوية والإسلامية من السوربون في باريس، ودكتوراه في العلوم الإسلامية من جامعة الزيتونة في تونس. عضو في فريق البحث الإسلامي المسيحي Groupe de Recherche Islamo-Chretien GRIC ، وهو أحد المفكرين التونسيين، ومن أهم منظري التيار الإسلامي اليساري أو ما يعرف كذلك بتيار الإسلاميين التقدميين، له أعمال عدة، منها: "مختصر تفسير المراغي" 3 مجلدات؛ و"التفاسير القرآنية الحديثة قراءة في المنهج بين القصر والجامع: إضاءة على المؤسسة الدينية الأندلسية"، و"الإنسان والقرآن وجهاً لوجه، لماذا أخفقت النهضة العربية" (بالاشتراك)، و"مستقبل الحوار الإسلامي المسيحي"(بالاشتراك).

وفي ما يلي نص الجزء الثاني والأخير من الحوار:

*من وجوه التعددية في العالم العربي المكوّن المسيحي، حيث إن المسيحية والمسيحيين يَشخصان بما هما واقع عضوي، تاريخي واجتماعي وسياسي وثقافي، في الحضارة العربية والإسلامية وفي حاضر العالم العربي ومستقبله، لكن هذا الواقع يجابه بتحديات إقصائية من جانب جملة الحركات الدينية-السياسية الإسلامية الناشطة اليوم ... كيف تنظر إلى هذا المشكل؟

-التحديات الإقصائية التي تواجه المسيحيين والمسيحية اليوم من قبل حركات تحمل شعارات إسلاموية تعبيرٌ عن ذهنية محتقنة ليس لديها مشروع حضاري تريد أن تطوره في مجتمعاتها. هي في ذلك تجسد رفضها لكافة القوى الوطنية الفاعلة، لأنها تعتبر أنه لا ملجأ لها في السياق المعولم، إلآ اصطناع خطاب قطيعةٍ وتمجيد وتوخي سياسات عدائية مناهضة لكل المخالفين. هذه التحديات الإقصائية غير مهتمة بالإجابة عن سؤال: كيف يمكن أن نعيش سويّاً و مختلفين؟ ولا تريد خوض أي نضال سلمي ولا هي قادرة على تأسيس عقدي وفكري لقضية الوحدة والاختلاف لمواجهة مصاعب المرحلة وتحدياتها. هي غير مدركة لما يجمع بين رسالة المسلمين ورسالة المسيحيين اليوم، وما يمكن أن تصنعه معاً من توافق وتقدم في سبيل القضايا العربية والإنسانية العالقة. إنه إهدار لما بين الرسالتين من اتحاد في وجهتهما العالمية المثرية لمصير بشري يغالب به أنواعاً شتى من الخصوصيات والحتميات، وهو أيضاً اتحاد يجعل الوعي بالنفس والكون وعياً متجدداً خلاّقاً يتجاوز التقسيمات القديمة التي لا توحّد عناصر العالَم ولا تفتح له آفاقا.

بدل ذلك، تستعيد الذهنية الإقصائية التوجه الذي ساد في أوروبا وفي الصين ستينيات القرن الماضي والداعي "للتمايز الثوري الشمولي" لكنها في طبعتها الحالية تتجاوز الصياغة " اليسارية المتطرفة" لتعتمد توجهات بلبوس ديني وإسلامي في ظاهره لما يمكن أن يوفره هذا التوجه من توسع شعبوي هش ومنقطع عن أسباب الحضارة.

في ظل التحديات الإقصائية التي يواجهها العالم العربي اليوم، كيف يمكننا أن نعيش سوياً ومختلفين؟

هناك أيضاً اعتبارات خارجية عالمية تساعد على تفسير خطاب القطيعة هذا، لكن الأهم في تقديرنا هي العوامل الداخلية المتمثلة في الفقر الثقافي والاجتماعي وفي هيمنة الأنظمة السلطوية التي سادت منذ عقود، والتي استأثرت بالحقيقة ولم تر للمخالف من معنى، فلم تتردد في القضاء عليه واستئصاله. في هذا المجال، نعيش معضلة متعددة الأبعاد من أهم مكوناتها هيمنة الفردانية الجامحة التي تدمر معاني التضامن والكرامة الإنسانيين.

* اقترنت حركات الصحوة منذ أواخر القرن الماضي إلى وقائع ما سمي بالربيع العربي واليوم بتكاثر الجماعات الدينية والدينية- السياسية التي تنسب نفسها إلى الإسلام، وبتناقضها الصارخ فيما بينها أيضاً، وهو ما يبدو إعادة إنتاج للافتراق القديم بين الفرق الاثنتين وسبعين أو ثلاث وسبعين فرقة! ما هي في رأيك أسباب هذه الظاهرة الخارقة؟ وكيف يمكن تجاوزها والتحرر منها؟

- أشرتُ عند تناول مسألتي التعددية المذهبية والتوجهات الإقصائية إلى جانب من العوامل الداخلية التي تفسر ظهور هذه التيارات، والتي يغلب عليها أنها نتاج واقع ثقافي – اجتماعي معطوب بإخفاقات الفترة الحديثة وبالقطيعة الكبرى التي بين النخب العربية وبين الاحتياجات الحيوية لمجتمعاتها وخصوصيتها الثقافية والقيمية. لذلك، فليس من الموضوعية ولا من المسؤولية التعامل مع هذه الظاهرة الخطيرة بنوع من الأسطرة. لذلك، لا مسوغ للتبسيط لأننا أمام ظاهرة مرشحة للانتشار والاستمرار لوقت ممتد، ولأن عنصر الفاعلية فيها حركي سهل المنال، فهو غير متجه للنخب والمثقفين. هناك إذن حاجة إلى بحث علمي دقيق خاص بها بما يقتضيه من رصد ومتابعة وتكاثف الجهود المعرفية والتحليلية. أما الاكتفاء بإجابات سهلة جاهزة من قبيل أنها صنيعة هذه الدولة أو تلك أو أنها البنت الشرعية لفكر حركة دينية سياسية قديمة استقوت الآن بالنفط والغاز أو أنها سليلة صراعات دموية موغلة في القدم الجامع بينها " ثقافة الفرقة الناجية " كل هذا على أهميته غير كاف؛ فلا بد أن يعمَّق ويناقش من جملة معارف واختصاصات كالتاريخ والاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا والدراسات الحضارية والسياسية والاستراتيجية .

الموضوع لا يمكن أن يستهان به لأنه يتغذى من أساسيين أكيدين؛ أولهما أنه منذ ما يزيد عن قرنين والواقع العربي – الإسلامي يحمل إرهاصات التغيير دون أن يتمكن من بلوغ واقع جديد تتحقق فيه التحولات التاريخية – الثقافية – الاجتماعية والسياسية المنشودة.

من جهة ثانية، فإن المتابع الموضوعي لمسيرة الحضارة الغربية ينتهي إلى أنه لا بد من التحسّب من طوارئ قادمة للإنسانية جمعاء لأن المجالات الحيوية الكبرى في هذه الحضارة الغالبة تعاني من التَذَرُّر والتمركز على الذات الفاجعين، واللذين يتطلبان معالجات جذرية تستدعي تحولات تاريخية كبرى.

منذ ما يزيد عن قرنين والواقع العربي – الإسلامي يحمل إرهاصات التغيير دون أن يتمكن من بلوغ واقع جديد.

من هنا نصل إلى القول بأن التحرر من هذه الظاهرة الداهمة والمضللة يستلزم الإسهام في إرساء مشروع وطني بديل قادر على الإجابة عن الرهانات الخمسة الأساس التي نوجزها فيما يلي:

-        أية دولة نحتاجها اليوم؟

-        أية تنمية تتطلبها مجتمعاتنا؟

-        أية منظومة قيمية جديدة لا مناص من إبداعها؟

-        أي تعليم ينبغي إرساؤه للأجيال الصاعدة؟

-        ما هي خصائص التجديد الديني الذي عجزت عنه الحركات الإسلامية السلمية؟

* أنت تجعل التربية مبدأً راسخاً للنهضة، فما هي الأسس والقواعد التي تقوم عليها هذه التربية المؤسِسة والبانية؟

-التربية قضية استراتيجية بامتياز، لأن لها إشرافاً وتأثيراً بالغاً في مجالات حيوية عديدة؛ فهي لا تكتفي بالتعليم والمعرفة بل تهتم ببناء وعي مدني وثقافي له قدرات فاعلة ومفعلة تمكن من تحرير الفرد وتطوير المجتمع والتوصل إلى صيغ وحلول وتقنيات جديدة، وهي استراتيجية لأننا ما زلنا مجتمعات نخب، ولأن مؤسساتنا التربوية "الحديثة" الجامعية و ما دونها هي المضطلعة بتكوين النخب التي تقع على عاتقها مسؤولية اتخاذ القرارات التي تصوغ مستقبل بلدان العالم العربي الإسلامي.

لذلك، فالنخب المتعلمة والمثقفة هي التي تصوغ حياة مجتمعاتها، وهي التي تحتكر السلطة وتوحدها بقطع النظر عن مدى انسجامها مع توجهات الجمهور واحتياجات قواه المختلفة.

ذلك أن النظام التربوي " الحديث" منذ ما يتجاوز القرن هو الذي يبني الوعي الفردي والعقل الاجتماعي من خلال نوعية الأفكار والمناهج والمعارف التي يقررها وطرق التواصل والتكوين والتقييم التي يعتمدها؛ فهو بذلك الحاضنة الحاسمة في بناء علاقات الأفراد بعضهم ببعض وبعضهم بالجماعة والطائفة والعشيرة والقطر والتاريخ وبالقضايا الكبرى وبمعاني الحياة.

 

التربية والتكوين مبدأ أساسسي لبناء الوعي المدني ولإرساء ثقافة الحرية، ولتطوير المجتمع، ولتكوين النخب التي يقع على عاتقها صياغة المستقبل واتخاذ القرارات. 

غير أن اللافت للنظر في هرمنا التربوي هو أنه مقلوب: الأساس فيه هم القلة المتعلمة والمثقفة، والتي تحكم الأغلبية التي ليس بينها وبين "نخبها" اتساق داخلي أو معيار ضمني كما هو الشأن في المجتمعات الصانعة لثقافتها وبدائلها ونخبها والتي تشكل، كلما دعت الحاجة إلى ذلك، نظمها الإنتاجية والسياسية والرمزية. ذلك ما يضع النخب العربية، الحاكمة والمفكرة، أمام اختيارات صعبة تنتهي غالباً إلى التناقض والاصطدام مع هوية المواطنين ومطامحهم.

بتعبير آخر، نحن مجتمعات نخبة، هي التي صاغت حياة مجتمعاتها وليست المجتمعات بواقعها هي التي مثّلت قاعدة تكوينها وساهمت في صناعة فكرها ورؤاها وسياساتها.

من ثم، فالأساس الذي تقوم عليه التربية المؤسِسة والبانية يعتمد أولاً الوعي بهذه المفارقة الكبرى التي تواجه النخبَ والمؤسساتِ التعليمية، والتي تكون محتاجة إلى بناء روح وطنية تتمثل التراثَ وتجاربَ الماضي من جهة، لكنها تجد نفسها وهي المضطرة إلى ولوج الحضارة العصرية في ظروف استثنائية ملزمة أن تستغني عن الخصوصيات الثقافية بما ينتهي في الغالب إلى فقدان مصداقيتها.

كيف يمكن استيعاب هذه المفارقة والتعامل معها؟

ذلك هو المدخل الجوهري لوضع حد للفجوة التي تفصل النخب العربية عن أهاليها بما يتيح الإفصاح عن القدرات الذاتية للمجتمع، وبما يجلّي حاجياته وخصوصياته، فيصالحه مع ذاته ومع عصره .

إلى جانب ذلك، تجدر الإشارة إلى القواعد التالية التي تستدعيها التربية المؤسسة والبانية:

- وضع أساس نظري للنظام التربوي المنشود.

- بناء نموذج عملي يعكس ذلك الأساس ويجسّده في الواقع.

-الاستجابة للتحدي المعرفي والتسارع التقني المميز للسياق الحضاري المعاصر.

- التعبير عن الذات الوطنية وتمثل لخصوصياتها، بما يطلق روح الإبداع الحضاري فيها.

- الانفتاح على الثقافات الإنسانية قصد إثراء الذات وإخصاب الرؤية.

- الالتزام بالمنهجية والموضوعية دون التخلي عن لوازم الابتكار والخيال والفكر الجديد.

*في ضوء الأوضاع والشروط المستبدة بالأحداث الراهنة في البلدان العربية والإسلامية، وفي اعتبار المشكل بإطلاق، ما هو تصورك للغايات والمقاصد الجوهرية للدين؟ وما هي الصيغة التي ترى أن الدين مدعوٌ لأن يتمثلها في العالم الحديث، اليوم وغداً؟

- ذكرتُ في مطلع هذا الحديث أن الدين هو تعبير عن الحضور الإلهي في العالم وفي ضمير الإنسان من خلال إكساب معنى للحياة ولمسيرة الإنسان. لذلك، فالدين بمعناه: المطلق إيمان بمصير الإنسان الذي يدرك أن النداء الإلهي هو إتاحة المجال للمؤمن أن يكتشف رتبته في سلّم الموجودات وأن ذاته أعمق من نفسية فرديته، وأن ذلك يستدعي تجديد منظومة القيم التي يحتكم إليها في حياته الفردية وفي علاقاته مع نظرائه ومع العالم المحيط.

تمثُّلُ هذا المعنى في السياق الحديث، يستدعي القيام بمراجعات للفكر الإسلامي خاصة في مناهج قراءة النص القرآني المؤسس وفي العدة المعرفية والتجارب التاريخية المرجعية التي نعتمدها، وفي تجاوز القطيعة الموروثة بين مجالي الشريعة والأخلاق. مؤدى هذا أن ثقافتنا الدينية لم تعد فاعلة ومفعِّلة مما يؤكد اليوم وضع مبادئ الدين على أساس أن غايته هو الإنسان الذي يريد أن يصنع المعنى، فيحتاج أن يتخطى فرديته إلى الجماعة، وأن يتغلب على عجزه وقصوره عن إدراك الحقيقة الكلية. المطلوب في كلمات بناء مرجعية تجدد الثقافة الدينية منطلقة من أن المؤمن كائن متميز بالمعرفة والحريّة، وأنه لا يمكنه أن يرتقي بذاته إلاّ عبر الوعي التاريخي وما يقتضيه من مثاقفة وتعارف ورضا بالتناهي.

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق