الوريمي لـ "ذوات": عقلانيّة الرجل ووجدانيّة المرأة مجرد خرافة (2 من 2)
01 سبتمبر (أيلول) 2014 05:00 | 0 تعليق
الباحثة التونسية ناجية الوريمي -(ذوات)
أكدت الباحثة التونسية ناجية الوريمي أن مسألة عقلانيّة الرجل ووجدانيّة المرأة مجرد خرافة، لأنها قرينةُ بوضعٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ غير متكافئ بين المرأة والرجل، فقد كانت المرأة سلبيّة إلى أبعد حدّ بحكم التوزيع غير العادل للأدوار في المجتمع التقليديّ.
وأشارت الوريميفي الجزء الثاني من حوارها مع"ذوات"، إلى أن المرأة العربيّة ليست ضدّ الرجل، والرجل ليس هو الذي يسعى إلى الوقوف في طريق ازدهار المرأة وتحرّرها، بل هناك نساء يتبنّين آراء ومواقف ضدّ ازدهار المرأة، ويدافعن عن أفضليّة الرجل، وهناك رجال مستنيرين يدافعون عن حقوق المرأة.
و قالت أيضاً إن المجتمع العربي فاقد للفاعليّة الحضاريّة، حيث يَعُدّ التراث –وحدَه- حاملَ هويّته، ويتشبّث به تشبّثا مَرَضيّاً، وأنه لا يمكن لأيّ عمليّة تحديث أن تنجح دون المرور بعمليّة نقد التراث وتشريحه للتخلّص من مكوّناته اللاتاريخيّة.
وأضافت الوريمي أنه في ظلّ أزمة الهويّة التي شعر بها المجتمع إزاء التهديد الغربيّ (الاستعمار المباشر سابقا والعولمة اليوم)، غابت عمليّة النقد والتشريح، وظلّت إلى اليوم معلقة إلى أجل غير مسمّى.
وأشارت في الجزء الأول من هذا الحوار إلى أن توظيف الدين سياسياً يؤدي إلى التناحر والتفرقة، وأن قبول حقّ الآخر في الاختلاف، و قبول التعايش معه في سلام في ظلّ مجتمع تعدّديّ ودولة مدنيّة ديمقراطيّة تحترم حقوق الجميع دون تمييز عقديّ أو عرقيّ أو غيره، ضرورة تبعد الحقائق الصنمية التي لا تؤمن سوى بحقيقة وحيدة ومطلقة.
وأضافت الوريمي أن اعتبار الاختلاف ظاهرة "مَرَضيّة" أمرٌ سيؤدّي حتماً إلى وصم الاختلاف، ورفضه ومحاربته بهدف فرض الرؤية الواحدة، وتطرقت إلى القضيّة التي تخص التقابل الحادّ بين الدينيّ بالسياسيّ، مؤسسة موقفها على مفهوم الاختلاف كظاهرة إنسانيّة "عمرانيّة".
وأكدت الوريمي أن المشكلة ليست في "الدينيّ" في حدّ ذاته، فالدين كان دائما – ويجب أن يظلّ- دعوة سامية إلى الخير والتسامح وكلّ القيم النبيلة، لكنّه عندما يُوَظَّف سياسيّاً، لصالح هذه الجهة أو تلك، سيكون عامل تناحر وتفرقة.
وتعد ناجية الوريمي أستاذة محاضرة بالمعهد العالي للعلوم الإنسانيّة بجامعة تونس المنار، وباحثة في مجال قراءة التراث وإشكاليّات التحديث. لها عدة مؤلفات من بينها كتاب "في الائتلاف والاختلاف"، و"ثنائية السائد و المهمش في الفكر العربي الإسلامي"، و"حفريات في الخطاب الخلدوني: الأصول السلفية ووهم الحداثة العربية"، ثم كتاب "الإسلام الخارجي".
وتلقى اليوم حفريات هذه الباحثة التونسية في الفكر الإسلامي القديم، اهتماماً وتقديراً من لدن كبار المفكرين والنقاد العرب، حيث درستِ بعمق مشكل الائتلاف والاختلاف في الفكر القديم، وحللت الإسلام الخارجي، وذهبت الى أعماق الخطاب الخلدوني، وأثارت أسئلة معاصرة وعميقة.
وفيما يلي نص الجزء الثاني والأخير من الحوار:
* يتعثر مشروع النهضة الذي بشّر به المفكرون العرب المحدثون على نحو خارق ودرامي، ونحن نتقلب اليوم، غداة الوقائع والتحولات الصاخبة التي نجمت في العقود والسنوات الأخيرة، بين الرجاء الحار وبين اليأس الحاد، نحس بأعراض التقدم لكننا ما نلبث نصدم بالخلل والنكوص المريرين، فأين يكمن الخلل ؟ وأين يوجد معقد الرجاء، إن كان ثمة ما يبعث على ذلك؟
- موضوع أسباب فشل النهضة والتحديث في المجتمع العربيّ موضوع شائك ومعقّد، يتقاطع فيه السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ، محلّيّا وعالميّا. وسأكتفي في هذا السياق بالحديث عن مشكلة ثقافيّة خصّت المجتمع العربيّ منذ عصر النهضة إلى اليوم، إنّها مشكلة العلاقة بالماضي وبالتراث. عندما بدأ المجتمع العربيّ عمليّات التحديث، كان يعيش خطر الغزو الخارجي، وخطر فقدان الهويّة. وبالنسبة إلى مجتمع فاقد للفاعليّة الحضاريّة في الحاضر، يَعُدّ التراث –وحدَه- حاملَ هويّته، ويتشبّث به تشبّثا مَرَضيّا. ولا يمكن لأيّ عمليّة تحديث أن تنجح دون المرور بعمليّة نقد التراث وتشريحه للتخلّص من مكوّناته اللاتاريخيّة، ولتطوير مكوّناته الباعثة على الحياة والتطوّر. لكن، وفي ظلّ أزمة الهويّة التي شعر بها المجتمع إزاء التهديد الغربيّ (الاستعمار المباشر سابقا والعولمة اليوم) غابت عمليّة النقد والتشريح، وظلّت إلى اليوم معلقة إلى أجل غير مسمّى. فاقتصرت العودة إلى التراث على التوظيف الإيديولوجي في اتّجاهات مختلفة، فلم تنجح في تحرير المجتمع والثقافة من سلطة الماضي. وليس المقصود بالتحرير القطع مع الماضي، بل المقصود السيطرة عليه عبر إخضاعه للنقد والتشريح، وإعادة إدماجه في التحديث المنشود بوعي وبإرادة، بعد تجريده من كلّ المكوّنات المنافية لشروط التقدّم. وبما أنّ هذا لم يقع، فإنّ التراث اليوم يتفجّر ويطالعنا يوميّا بأشكال غريبة من السلوك وأنماط متطرّفة من التفكير، قلبت أولويّات التحديث رأسا على عقب: فعِوَض أن نعتني بمشاكل الحاضر والآتي، وقفنا عند مشاكل الماضي في الحاضر، ولم نغادرها.
لكن مع ذلك لا يمكن أن نرتبك أو نفقد الأمل، فالمجتمع العربيّ اليوم يمرّ بمرحلة صعبة، لكنّها ليست ميؤوسا منها. إنّها مرحلة مخاض عسير تصاحب كلّ عمليّة إعادء بناء، ولي ثقة أنّ المجتمع الذي مرّ بمرحلة انحطاط ولم يندثر، ومرّ بمرحلة استعمار مباشر ولم ينسلخ، ومرّ بفشل ذريع في التحديث وما زال يحاول آملا، هذا المجتمع سيقف شامخا لأنّ عوامل الحياة والشدّ إلى الأمام فيه، أقوى وأكثر فاعليّة من عوامل الانكسار والشدّ إلى الوراء.
* تقول الخرافة الذائعة الصيت إن الرجل عقلاني وأن المرأة وجدانية .. وأنت، فكرياً، مسكونة بالعقلانية، وتعتبرين أحد وجوه العقلانية النقدية المعاصرة البارزة في تونس وفي العالم العربي، فكيف تحددين علاقتك بقرين العقل المعرفي الذي يسمى اليوم العقل الوجداني؟
- مسألة عقلانيّة الرجل ووجدانيّة المرأة هي فعلا كما قلت خرافة، أو لنقل: أصبحت خرافة، هي قرينةُ وضعٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ غير متكافئ بين المرأة والرجل. فقد كانت المرأة سلبيّة إلى أبعد حدّ بحكم التوزيع غير العادل للأدوار في المجتمع التقليديّ. وسلبيّتها هذه هي التي ألصقت بها صفة الوجدانيّة ونفت عنها العقلانيّة. أمّا اليوم فلا معنى لهذه المسألة: وفق نوعيّة التعليم والتنشئة الذهنيّة والروافد الثقافيّة، تكون عقليّة المرء: رجلا كان أم امرأة. ولا يُتصوّر أنّ العقلانيّة منافية للقيم وللدين وللإيمان وللفنّ، وللوجدان. هذا تصوّر يروّج له من يحاربون العقلانيّة تحت غطاءين: غطاء تقليديّ وهو الحذر من مزاحمتها لمرجعيّات نصّيّة في مفهوم موسّع تستفيد منه فئات معيّنة تراهن على احتكار سلطة المقدّس، وغطاء ما بعد حداثي وهو مفهوم "نقد العقل" الذي تبنّاه من انساقوا وراء إشكاليّات ما بعد الحداثة في الغرب، وفي مقدّمتها مجادلة سلطة العقل. إنّ وقعهذه المسألة في ثقافة مشبعة بقيم العقلانية والحداثة الظافرة مثل الثقافة الغربيّة، ليس هو وقعها في ثقافة مازالت تصارع من أجل تأسيس أبجديّات العقلانية، مثل الثقافة العربيّة. أي إنّ دعوة من هذا القبيل، تكبّل العقل في المنطلق، لا يمكن أن تفعل في الواقع العربيّ الفعل الإيجابيّ المرجوّ منها، لأنّ الثقافة التي انتصرت سابقا وسادت، وتسود اليوم، حظّ العقلانية فيها قليل. ووضع الحدود والضوابط مسبقا لهذا العقل سينتج – قصد أو لم يقصد – بنية عقليّة عقيمة تقبل نتائج العقل المادّيّة وتبرّرها بالحاجة إليها، وترفض المنطق الإبستمولوجي الذي أنشأها.إنّنا لا نزال في مرحلة حرجة، نحتاج فيها إلى كامل الفعاليّة المعرفيّة التي للعقل، أي نحتاج إلى الدعوة إلى العقل – في مفهومه الإنساني الشامل، وفي مختلف مستوياته المعرفيّة – دون تحفّظ.
* كيف تتمثلين أوضاع المرأة في العالم العربي اليوم؟ وما هي المآلات التي تنتظرها في العقود المنظورة، في ضوء التطورات التي تعصف بهذا العالم؟ والرجل العربي هل ما زال عضواً في المنظومة "الأبوية" المضادة لازدهار المرأة وتحررها أم أنه يخضع لتحولات واعدة؟
- قضيّة المرأة العربيّة ليست ضدّ الرجل، والرجل ليس هو الذي يسعى إلى الوقوف في طريق ازدهار المرأة وتحرّرها كما تقولين. القضيّة قضيّة عقليّات ومنظومات فكريّة. فأنت تجدين نساء يتبنّين آراء ومواقف ضدّ ازدهار المرأة، ويدافعن عن أفضليّة الرجل، وتجدين أيضا رجالا مستنيرين يدافعون عن حقوق المرأة. إذن إنّ المطالبة بحقوق المرأة - في إطار المطالبة بحقوق الإنسان عامّة- يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أوضاعا اقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة تكرّس التفرقة على أساس جنسويّ أو عرقيّ أو عقديّ، وتكرّس الاضطهاد في مختلف حالاته. إنّنا جميعا - رجالا ونساءً- واقعون في نفس المأزق، مأزق التخلّف وتوجيه أسلحتنا ضدّ بعضنا البعض. والحال أنّنا يجب أن نوجّه هذه الأسلحة ضدّ التخلّف والأمّيّة والفقر وانعدام العدالة الاجتماعيّة والعدل السياسيّ وغيرها من مقوّمات الكرامة الإنسانيّة.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

