الوريمي لـ"ذوات": توظيف الدين سياسياً يؤدي إلى التناحر والتفرقة (1 من 2)
27 اغسطس (آب) 2014 07:00 | 0 تعليق

الباحثة التونسية ناجية الوريمي- (ذوات)
الرباط - حاورتها: نزهة صادق

قالت الباحثة التونسية ناجية الوريمي إن توظيف الدين سياسياً يؤدي إلى التناحر والتفرقة، وأن قبول حقّ الآخر في الاختلاف، و قبول التعايش معه في سلام في ظلّ مجتمع تعدّديّ ودولة مدنيّة ديمقراطيّة تحترم حقوق الجميع دون تمييز عقديّ أو عرقيّ أو غيره، ضرورة تبعد الحقائق الصنمية التي لا تؤمن سوى بحقيقة وحيدة ومطلقة.

وأشارت الوريمي في الجزء الأول من حوارها مع "ذوات"، إلى أن اعتبار الاختلاف ظاهرة "مَرَضيّة" أمرٌ سيؤدّي حتماً إلى وصم الاختلاف، ورفضه ومحاربته بهدف فرض الرؤية الواحدة، وتطرقت إلى القضيّة التي تخص التقابل الحادّ بين الدينيّ بالسياسيّ، مؤسسة موقفها على مفهوم الاختلاف كظاهرة إنسانيّة "عمرانيّة".

وأضافت الوريمي أن المشكلة ليست في "الدينيّ" في حدّ ذاته، فالدين كان دائما – ويجب أن يظلّ- دعوة سامية إلى الخير والتسامح وكلّ القيم النبيلة، لكنّه عندما يُوَظَّف سياسيّاً، لصالح هذه الجهة أو تلك، سيكون عامل تناحر وتفرقة.

وتعد ناجية الوريمي أستاذة محاضرة بالمعهد العالي للعلوم الإنسانيّة بجامعة تونس المنار، وباحثة في مجال قراءة التراث وإشكاليّات التحديث. لها عدة مؤلفات من بينها كتاب "في الائتلاف والاختلاف"، و"ثنائية السائد و المهمش في الفكر العربي الإسلامي"، و"حفريات في الخطاب الخلدوني: الأصول السلفية ووهم الحداثة العربية"، ثم كتاب "الإسلام الخارجي".  

وتلقى اليوم حفريات هذه الباحثة التونسية في الفكر الإسلامي القديم، اهتماماً وتقديراً من لدن كبار المفكرين والنقاد العرب، حيث درستِ بعمق مشكل الائتلاف والاختلاف في الفكر القديم، وحللت الإسلام الخارجي، وذهبت الى أعماق الخطاب الخلدوني، وأثارت أسئلة معاصرة وعميقة.

وفيما يلي نص الجزء الأول من الحوار:  

* اشتغلت على مشكل الائتلاف والاختلاف، الذي يتصدر اليوم أحوال النظر والعمل في شتى البقاع العربية والإسلامية ويتفجر بوضوح وصخب في الصراعات الفكرية والأيديولوجية وفي التقابل الحاد بين الدينيّ وبين السياسيّ.. كيف ترين هذا التقابل؟ وهل يمكن تجاوز الاختلافات القائمة والتوجه إلى أحوال من الائتلاف والتعايش في الأفكار أولاً، وفي الأفعال ثانياً، في المناطق العربية والإسلامية التي يستعر فيها الصراع والاختلاف؟

- بدءا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ للاختلاف مفاهيم وتصوّرات متباينة بتباين النظرة إلى الثقافة وإلى الإنسان، فأن نعتبر أنّ الاختلاف ظاهرة إنسانيّة "عمرانيّة"، وأنّ ما تعتقده "الذات" أو مجموعة معيّنة لا يمكن بأيّة حال أن يتماهى مع الحقيقة المطلقة، هذا يؤدّي إلى التنسيب وإلى قبول حقّ الآخر في الاختلاف، ومن ثمّة قبول التعايش معه في سلام في ظلّ مجتمع تعدّديّ ودولة مدنيّة ديمقراطيّة تحترم حقوق الجميع دون تمييز عقديّ أو عرقيّ أو غيره.

التصوّر الإقصائي، لا يعي أنّه يعتدي على حقوق الآخرين وحرّيّاتهم، بما فيها الحرّيات الدينيّة وحريّة الضمير عامّة، بل يتوهّم أنّه يقدّم لهم خدمة جليلة بأن "يهديهم" طوعاً وقسراً إلى "الطريق المستقيم".

بينما أن نعتبر الاختلاف ظاهرة "مَرَضيّة" بمعنى أنّه انحراف عن الأصل الصحيح الواحد، فهذا سيؤدّي حتماً إلى وصم الاختلاف، ورفضه ومحاربته بهدف فرض الرؤية الواحدة. والإشكال أنّ من يتبنّى هذا التصوّر الإقصائي، لا يعي أنّه يعتدي على حقوق الآخرين وحرّيّاتهم، بما فيها الحرّيات الدينيّة وحريّة الضمير عامّة، بل يتوهّم أنّه يقدّم لهم خدمة جليلة بأن "يهديهم" طوعاً وقسراً إلى "الطريق المستقيم" كما يراه وكما حدّده. وهنا ترد القضيّة التي عبّرتِ عنها بالتقابل الحادّ بين الدينيّ بالسياسيّ. المشكلة ليست في "الدينيّ" في حدّ ذاته، فالدين كان دائما –ويجب أن يظلّ- دعوة سامية إلى الخير والتسامح وكلّ القيم النبيلة. لكنّه عندما يُوَظَّف سياسيّا، لصالح هذه الجهة أو تلك، سيكون عامل تناحر وتفرقة. وهنا لا يستقيم أن نتحدّث عن "الدين"، بل عن مجرّد رؤى وتصوّرات بشريّة سياسيّة تنسب نفسها إلى الدين، وتدّعي حمايته، بهدف التمتّع بسلطة ما.

 * ما هي في رأيك المحركات والبواعث الأساسية لهذا التفجر الراديكالي الذي نشهده في الخطاب الإسلامي المعاصر، وفي تمظهرات الفعل العنيف الذي يذكّر بخوارج القرنين الأول والثاني للهجرة، على وجه الخصوص ؟

- وراء كلّ خطاب متطرّف عنيف، وكلّ فعل متطرّف عنيف، يكمن انعدامُ التوازن المادّي والمعنوي في الشخص وفي المجتمع وفي الدولة. إنّ فشل التحديث العربي على كافّة المستويات، وفشل بناء الدولة الديمقراطيّة، وفشل تحرير العقل الإسلامي من آليّات التفكير القروسطيّة، كلّها عوامل حاضنة للتطرّف والعنف، وباعثة للفئات المهمّشة على الهروب من الحاضر للجوء إلى ماض متخيّل تتصوّره بديلاً نموذجيّاً لما تعيشه من أزمات. فهي تتوهّم استعادته وتسعى إلى فرضه على الجميع بشتّى الطرق، وفي مقدّمتها "الجهاد" كما تفهمه وتوظّفه لأغراضها. المشكلة معقّدة، تدخل فيها عدّة عوامل اقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة ونفسيّة، وزادها تعقيداً واقع العولمة في شكلها الليبراليّ "المتوحّش"، بكلّ ما تزخر به من ظواهر التهميش والبؤس وفقدان المعنى. إنّ هذه الفئات هي من جهة مسؤولة ومن جهة أخرى ضحيّة.

* يذهب بعض الباحثين إلى أن ابن خلدون، الذي تعرفينه جيداً، يحمل الوجهين: الوجه المحافظ، رهين التقليد والسلطة والفتنة السحرية، والوجه الحداثي المقترن بالليبرالية الاقتصادية وبالعقلانية الوضعية وبالتنبيه على أسباب الانحطاط والأفول تحريضاً وحفزاً على طلب التقدم.. كيف تنظرين أنت إليه؟ وما هو الدرس الإيجابي البناء الذي يقدمه ابن خلدون لزمننا الراهن؟

- دعيني أعترف أوّلاً أنّ علاقتي بابن خلدون مرّت بطورين، سأسمّيهما طور الانبهار، وطور النقد. في الأوّل كنت أنظر إلى ابن خلدون بعيون الجابري ومحمّد الطالبي وفهمي جدعان وناصيف نصّار وعبد السلام الشدّادي وغيرهم، فكنت أراه أباً للحداثة العربيّة وأباً للعقلانيّة. ولكنّ قلقاً فكريّاً كان ينتابني كلّما قرأت نصوصه، ولهذا قرّرت أن أدع اتّباع كلّ هؤلاء المفكّرين الذين أجلّهم وأتّفق معهم في تصوّراتهم التحديثيّة العامّة، وأقبلت على أمرين: قراءة دقيقة وشاملة لكلّ ما وصلنا من نصوص ابن خلدون "مقدّمة" و"تاريخا" و"تعريفا" و"شفاءً" و"لبابا"، ومعاشرة دائبة لمناهج تحليل الخطاب وفلسفة الخطاب. فكان الطور الثاني من علاقتي بابن خلدون وبالنصّ الخلدونيّ الكبير.

فشل التحديث العربي على كافّة المستويات، وفشل بناء الدولة الديمقراطيّة، وفشل تحرير العقل الإسلامي كلّها عوامل حاضنة للتطرّف والعنف

وكتبت كتابي "حفريّات في الخطاب الخلدونيّ: الأصول السلفيّة ووهم الحداثة العربيّة"، لقد تبيّن لي أنّ كلّ المعاني التحديثيّة التي تنسب إليه هي في وعي قرّائه وليست في خطابه، وأنّهم أسقطوها عليه لكسب رهان إيديولوجيّ مفاده أنّ الحداثة عربيّة، لا غربيّة. لست ضدّ أن تنسب معاني حديثة أو ما يشاكلها إلى نصّ قديم، فهذا ممكنٌ إذا كان هناك تواصل مفهوميّ ما، بين المعاني الأولى والمعاني الثانية، وهذا ممكن أيضاً إذا كان النصّ قادراً على إنتاج تلك المعاني، وبعبارة بول ريكور إذا كان النصّ نفسه يفتتح تلك المعاني ويسمح بالتطوّر في اتّجاهها. لكنّ الخطاب الخلدونيّ عندما نخضعه للتفكيك وللتشريح، ونعرضه على الممكنات الفكريّة التي تأسّس هو نفسه على أنقاضها، ننتبه إلى أنّه لا علاقة له بالتحديث. بالعكس تماماً لقد صادر العقل وقانون السببيّة ومدنيّة الدولة، وشرعيّة الاختلاف، وغيرها. معه وصل الفكر السنّيّ (ولا علاقة للمسألة هنا بالاختلاف المذهبيّ التقليديّ) إلى درجةٍ من الوثوقيّة والانغلاق جعلته –في ظلّ انسحاب الرؤى المغايرة- يرتقي إلى درجة "القوانين" ويسحب ثوابته على "طبائع العمران". هذا مكسب هامّ للمذهب السنّيّ من زاوية تقليديّة زاوية الصراع بين المذاهب، لكن لا معنى له من زاوية التحديث. وأريد بالمناسبة أن أرفع التباساً طالماً لازم عملي في كتاب "الحفريّات": إنّني لم أحاكم ابن خلدون بمعايير العصر وقيمه مفاهيمه، فهذا عمل لا طائل من ورائه، وغير مشروع أصلاً؛ لكنّني درست أحكاماً ومواقف سبق أن نَسَبت إلى النصّ الخلدونيّ معايير العصر وقيمه ومفاهيمه الحديثة. وبيّنتُ أنّ هذا سوء فهم (mécompréhension) لسياقات عديدة منه. إنّ الخطاب الخلدونيّ يعبّر عن وجهة نظر للوجود وللإنسان وللعمران البشريّ، وهذا مشروع له تماماً، ولا ينقص من قيمته بأيّة حال؛ لكنّه يرفع وجهة نظره هذه إلى درجة الحقائق العامّة والقوانين، وهذا تجوّز يجعله عرضة للنقد. فلم يكن ممكناً لي أن أسكت عن البنية الأيديولوجيّة والمذهبيّة الثاوية في خطاب ابن خلدون وراء الدلالات والتصوّرات العمرانيّة. ولم يكن أيضاً ممكناً لي أن أسكت عن الوهم الذي يعيشه الفكر العربي الحداثيّ في التواصل مع ابن خلدون. إنّه بذلك يعمّق أزمته- أزمة المفاهيم التي لم يفلح في الخروج منها إلى حدّ الآن، ويواصل إسدال ستار كثيف على الإمكانات الفكريّة الطريفة والعقلانيّة التي وأدها ابن خلدون تحت غطاء ما سمّاه علم العمران المصحّح لعلم التاريخ.


لقد تبيّن لي أنّ كلّ المعاني التحديثيّة التي تنسب إلى ابن خلدون هي في وعي قرّائه وليست في خطابه، وأنّهم أسقطوها عليه لكسب رهان إيديولوجيّ مفاده أنّ الحداثة عربيّة، لا غربيّة.

إذن ليس في خطاب ابن خلدون ازدواجيّة بين المحافظة والتجديد كما تقولين، أو تأرجُحٌ بين منزعيْ التقليد والتحديث؛ بل هو خطاب يكرّس المحافظة والتقليد دون مواربة، ويمكّنهما من آليّات جديدة ليثبتا أكثر. وهذه مسألة يطول فيها الحديث، أكتفي منها بالإحالة إلى كتابي المذكور.

تقولين: "ما هو الدرس الإيجابي البنّاء الذي يقدمه ابن خلدون لزمننا الراهن؟" هذا سؤال ذكيّ. نعم هناك درس هامّ جدّا يقدّمه لنا ابن خلدون: إنّه الوعي بأهمّيّة بناء الأنساق الفكريّة والقدرة على ذلك. ابن خلدون بنى نسقا فكريّا مُحكَماً، وكان يعي جيّداً الخدمة النوعيّة التي يمكن أن يقدّمها لتراثه المذهبيّ. لقد صاغ شتات المواقف والرؤى السنّيّة في مختلف حقول المعرفة، في نظام واضح المنطلقات والمعالم، وواضح الأهداف أيضاً، فكانت له بنية استدلاليّة فائقة النجاعة، بفضلها نجح في الإيهام بأنّ ما يقوله هو مباحث عمرانيّة مستقلّة لا أثر فيها لرؤية مذهبيّة ضيّقة. والطريف أنّ مفكّرين معاصرين كباراً وقعوا في فخّ بداهاته، وردّدوا مع ابن خلدون أنّه "نظر وتحقيق". إذن نحن نحتاج اليوم إلى بناء أنساق فكريّة معاصرة، تعبّر عن مفاهيمنا وعن اختياراتنا، نحتاج إلى التأسيس. هذا هو الدرس الإيجابي البنّاء الذي يمكن أن نتعلّمه من ابن خلدون: نتعلّم منه إذن مبدأ تأسيس المنظومات الفكريّة، لا المحتوى الفكريّ الذي ضمّنه في منظومته، لأنّه في الحقيقة لم يغادر أرضيّة المنافحة المذهبيّة، وإن اعتمد آليّات جديدة في الاستدلال. وأعتقد أنّ تواصل المنطق المذهبيّ في الطرح، أو التشريع له بأيّ شكل من الأشكال، لن يؤدّي إلاّ إلى تعميق أزمة الفكر العربي.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق