الكاتب التونسي وعقدة احتقار الذات
15 سبتمبر (أيلول) 2014 19:00 | 1 تعليق

عيسى جابلي*
عيسى جابلي*

يثير الحديث عن وضعية الكاتب في تونس إشكالية علاقته بالمجتمع الذي لا يعرف أصلاً أنّ في تونس كتاباً وشعراء وروائيين وقصاصين لأنه مجتمع مختصم مع القراءة إلا من رحم ربي.

وكلما سئل عن الأدب التونسي ردد مقولة قديمة ترسخت فينا بفعل فاعل: "ليس لدينا كتّاب. ليس هنالك شعراء ولا مفكرون". ثم تكتشف في ما بعد بأنه يعاني من عقدة احتقار الذات التي إذا تمكنت من أحدهم أعمته عن كل ما هو محلي، وجعلته منشداً إلى نماذج عربية وعالمية لا نستهين بها ولكن اعتراضنا يقتصر على قدرتها على الإعماء والسحر.

عندما كنا تلاميذ في الثانوي كان أساتذتنا يعاملون الأدب التونسي بكثير من الازدراء وكثيراً ما رددوا على مسامعنا أن أبا القاسم الشابي ليس شاعراً، والسبب ببساطة أنه ينظم شعره على البحور "السهلة" مثل المتقارب، والمحدث، والحال أنهم لو طبقوا هذا المبدأ على شعراء معاصرين من الكبار لأسقطوهم للسبب ذاته.

كما كانت قصص علي الدوعاجي محل تندر بيننا رغم أنه مبرمج في المقررات الرسمية بدعوى أن ذلك ليس أدباً ولا قصة، والواقع أن علي الدوعاجي بلغ من النضج الفني ما لم يبلغه كتاب من الكبار المعاصرين بشهادات نقاد معروفين، وحسبه أنه كان مؤسساً لجنس القصة التونسية.

وسمعناهم يشكون من المسعدي ويشككون في أدبه ويقولون إن "السد" مسروق، وذلك يثير الضحك حقا لأن التهم مغرضة لأن المسعدي كتب إلى جانب "السد" رواية "حدث أبو هريرة قال" التي لا تقل منزلة عن "السد" نفسه لأنها لامست الإنساني في مختلف أبعاده لترتقي لأن تكون أدباً كونياً حقيقياً!!

كذا ترسخت في أذهاننا هذه الفكرة المريضة التي لا نزال نجد صداها في الراهن الثقافي التونسي الذي يحتقر كل محلي لأسباب متعددة أهمها عقدة احتقار ما هو ذاتي ومنها أيضا ما يعود إلى المنجز الإبداعي في حد ذاته. إذ أصبحنا نجد على الساحة أسماء تكتب الطلاسم وأسماء تكتب الابتذال. وكم كتابا كان مآله سلة المهملات أو رميته إلى ولدي كي يجرب العبث بالتفاهات التي اختلطت بالجيّد الجادّ من الأدب فشوهت صورته وصار يساق معها إلى المشنقة كما تساق الدواب. صارت الساحة الإبداعية لوثة حقيقية غلبت فيها الأصوات التافهة على الإبداع الجدي وحصل مرتزقة الثقافة على مقاعد متقدمة في الحظوة والشهرة وظل المبدعون الحقيقيون على الهامش تقتلهم البطالة والتهميش والجوع.

ولكن هل يعني ذلك أن نحتقر كل ما ننتجه من شعر ورواية وقصة؟؟ هل يعني ذلك أن نحكم على كل ما هو محلي بالإعدام عن غير وعي؟ لا طبعا. فبقدر ما نجد في الساحة الإبداعية من عبث واستسهال لحائط الإبداع بقدر ما نجد أدبا جادا يسعى لإنتاج نص إبداعي تونسي متجذر في ماضيه تواق إلى المستقبل ينشد الفرادة والتميز. علينا أن نتصالح مع ذواتنا وأن نكون لأنفسنا آراء خاصة عن الإبداع التونسي. ولن تتكون هذه الآراء ولن تكون موضوعية إلا إذا نظرت نظرة جادة في المنتج التونسي، لتبني رأيا معقولاً، لا أن تردد ما يقوله الآخرون تحاملاً فقط. وكم أديباً قابلته وحالما تطرقنا إلى الحديث عن الأدب التونسي راح يشتم زملاءه لأنهم لا يعرفون إلى الكتابة سبيلاً كما ليظهر هو كاتباً متفرداً يطاول قلمه السحب.

إن المبدع الحقيقي هو ذاك الممتلئ بذاته المؤمن بما يكتب لا تهمه الأصوات المرفوعة ضده بالتشكيك، لأن التاريخ وحده كفيل بالغربلة، وعلى عاتقه تقع مهمة تصفية الإبداع الجاد من الثرثرة الفارغة التي ينتهي بريقها حالما يبلغ أصحابها مرادهم من ورائها.

التعليقات السابقة

الجامعة والابداع

حنان رحيمي
15 سبتمبر (أيلول) 2014 19:58‎

تتحمّل المؤسّسة الجامعيّة و النّقاد المسوليّة الرّئيسية في تكريس عقدة الذّات والاستهانة بالأدب التونسي. فالباحث يهلّل للّ منج مشرقيّ ويصبغ عليها من علامات الابداع والنبوغ ما قد لا يتوفر فيه أصلا ومقابل ذلك يتنّن غي اقتفاء زلاّت الأدباء التونسيين ومحاولة الحطّ من قيمة ما يبدعون في حين أنّ في المشهد الادبي التونسيّ ما قد يتفوق على الأدب المشرقي

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق