توتر العلاقة بين أردوغان وكولن.. أسباب النزول
23 مايو (أيار) 2014 09:02 | 0 تعليق |
مظاهرات في تركيا - (أرشيفية)
عمان - منى شكري

لا يُعدُّ الخلاف بين الإسلاميين الأتراك فشلاً للإسلام السياسي، أو إعاقة للمشروع الإصلاحي المدني، بل هو انعكاس لاختلال التوازن بين منهجي حزب "العدالة والتنمية" التركي وحركة "الخدمة".

ورغم أن الطرفين جمعتهما في البداية علاقة تعاون وتكامل، إلا أن عدداً من التناقضات والخلافات انتهت إلى افتراق الطرفين، حيث ترصد دراسة حديثة صادرة ضمن منشورات "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" بقسم الدين والسياسة للباحث المغربي محمد جبرون بعنوان "توتر العلاقة بين حزب العدالة والتنمية التركي وحركة الخدمة: الوجه التركي لأزمة الدعوي والسياسي في العمل الإسلامي"، جذور العلاقة التاريخية بين "العدالة والتنمية" و"الخدمة".

ويستعرض الباحث جبرون تاريخ تأسيس حزب "العدالة والتنمية" التركي الذي يتزعمه أردوغان، والذي يعد نموذجاً ملهماً لكثير من الإسلاميين في العالم العربي منذ ظهوره العام 2002م، للنجاحات الاقتصادية المبهرة التي تحققت في عهده.

ويشير الباحث إلى أن شعارات "العدالة والتنمية" الرئيسة التي جمع حولها الأتراك كانت ترسيخ الديمقراطية وتعزيز الحريات وحقوق الإنسان، وفي المقابل نحى جانباً الهموم الإسلامية التي كانت مسيطرة على سلفه أربكان، وأعلن صراحة أن حزبه ليس إسلامياً.

أما حركة "الخدمة" التي أسسها فتح الله كولن، على أسس وأهداف إسلامية فترجع بداياتها الأولى وبشكل مؤسساتي إلى السبعينيات، وفق جبرون؛ حيث حققت مذ ذاك نتائج إصلاحية ضخمة، فقد تخرج من مدارسها التي بلغت اليوم ثلاثة آلاف مدرسة داخل تركيا وخارجها ملايين الطلبة، وتنتشر مدارسها في مئة وستين دولة في مختلف قارات العالم، وتمتلك إمبراطورية إعلامية كبيرة تتكون من ثلاث عشرة قناة تلفزيونية، وعدد من الصحف والمجلات.

ويوضح الباحث جبرون أن العلاقة بين الطرفين بدأت علاقة تعاون وتكامل، مذ كان أردوغان رئيس بلدية اسطنبول، حيث دعمه كولن في أكثر من استحقاق انتخابي على امتداد 10 أعوام، وقد بلغ هذا الدعم ذروته، حين دعا الأتراك للتصويت على التعديلات الدستورية في العام2010م، الهادفة لتحقيق عدد من الإصلاحات السياسية.

غير أن هذا التوافق الواضح بين أكبر الفاعلين الأتراك في الحقلين المدني والسياسي؛ كانت تحفر في أساساته عدد من التناقضات والخلافات التي انتهت إلى افتراق الطرفين، والتدهور الدرامي والفجائي لعلاقتهما بعد تفجر ملفات الفساد الأخيرة في السابع عشر من كانون الثاني (يناير) العام 2013م التي حركها القضاء واتهم فيها نجل أردوغان بلال وعدد من أبناء الوزراء.

ويبرز الباحث في الدراسة مآخذ جماعة "الخدمة" على حكومة أردوغان، وأهمها؛ الانفتاح على إيران، فقد أخذ الشيعة العلويون الأتراك يتحولون تدريجياً من زيدية إلى اثني عشرية، وهو ما يشكل خطراً سياسياً ومذهبياً على البلاد، كما فتحت تركيا خلال حكم أردوغان ذراعيها لعدد من رجال الأعمال الإيرانيين، وهو ما يثير مخاوف مذهبية جدية لغالبية السنة الأتراك.

ويشير الباحث إلى نقاط الاختلاف بين الطرفين؛ فالسياسة التي اعتمدها أردوغان في مقاربته للموضوع الفلسطيني، ملف غزة تحديداً، لا تحظى بالقبول لدى قيادة "الخدمة".

وفيما يتعلق بالملف السوري، فبدل الدعم المطلق للمعارضة السورية وقطع الصلات بالنظام السوري، كانت حركة "الخدمة" ترى احتضان النظام وتشجيعه على القيام بمجموعة من الإصلاحات.

ومن مواطن الخلاف الأخرى، وفق جبرون، موضوع كتابة الدستور، إذ يعول عليه في انتقال تركيا من الدولة التسلطية إلى الدولة الحديثة الديمقراطية؛ فالدستور الحالي تمت صياغته تحت حكم العسكر العام 1982م، غير أن أردوغان لسبب ما لايزال متلكئاً في هذا الباب بالرغم من وعوده في الانتخابات السابقة.

وفي الموضوع الكردي، يعارض معظم الأتراك بمن فيهم حركة "الخدمة" النزعة الانفصالية الكردية، في حين ينتهج حزب "العدالة والتنمية" سياسة من شأنها أن تفضي لاستقلال الأكراد، أو على الأقل حصولهم على الاستقلال الذاتي.

ويرى جبرون أن هذه الخلافات وغيرها جعلت حبل الود بين الطرفين، يضعف إلى أن انقطع مع أحداث تقسيم، وملف الفساد الكبير الذي تفجر مؤخراً، واتهم فيه أردوغان جماعة الخدمة بتحريكه باعتبار امتداداتها، على حد زعمه، في الأمن والقضاء، واعتبرها مؤامرة على حكومته، تحركها أيادٍ خارجية، باتخاذ مجموعة من الإجراءات العقابية ضدها، من قبيل قرار إغلاق المدارس التحضيرية للجامعة التابعة للخدمة، والأمر بسحب رساميل الدولة من بنك آسيا المقرب من الخدمة، وتعريضه للإفلاس، وشن حملة تطهير شاملة في أجهزة الأمن والقضاء بشبهة الانتماء للخدمة.

ويشير الباحث إلى أن حزب العدالة والتنمية وهو يسعى لرفع مكانة تركيا لا يفعل كل ذلك إرضاء لشهوة السلطة ورغبة في الخلود السياسي، ولا أيضاً أن "تنكره" لشعاراته الإسلامية اختيار استراتيجي ونهائي، بل هو تكتيك مرحلي.

كما أن جماعة الخدمة، بريئة، بحسب جبرون، من كل أشكال التآمر على صديق الأمس أردوغان واتهامات العمالة لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية واستخبارات أجنبية، ورغبتها في الانقضاض على الدولة، وأنها دولة موازية.

وبناء على هذا الفهم، يبدو الخلاف بين الطرفين، في رأي الباحث، موضوعياً، ويكاد يكون حتمياً، ولا علاقة له بنظريات المؤامرة.

لقد حملت مجموعةٌ من الشعارات السياسية حزبَ "العدالة والتنمية" إلى السلطة، وعلى رأسها العمل على تحقيق مزيد من الديمقراطية والحريات واحترام حقوق الإنسان، واستقلالية المجتمع المدني، فهل نجح في تحقيق هذا الانتقال؟

ويجيب الباحث جبرون عن السؤال بالنفي، أو بعبارة أقل حدة "نجح نسبياً"، بدليل عجزه عن تنفيذ وعده بإعادة كتابة دستور تركيا الحديثة الذي من شأنه أن يعيد توزيع السلطات داخل الدولة، وهيكلتها، وترسيخ الحريات..، والأسوأ اتخاذه مؤخراً مجموعة من القرارات التي تعيد الدولة التسلطية إلى المواقع التي فقدتها، مثل التدخل في القضاء وإقالة العشرات من الكوادر الأمنية، وتقييد الصحافة.

قد يريد أردوغان في داخله البناء الحضاري من خلال الدولة القوية المتنفذة ولكن في ذلك مغامرة، وفق جبرون، قد تصنع أداة تسلطية يورط فيها المجتمع من بعده وتنقلب على كل المنجز الإصلاحي الإسلامي الذي تحقق للدولة خلال الخمسين عاماً الأخيرة.

أما جماعة "الخدمة" فقد تضخمت؛ حيث أخذت تزاحم الدولة في كثير من الميادين إلى درجة يعتبرها بعضهم بمن فيهم أردوغان دولة موازية تعارضه لكن ليس بأدوات السياسة التقليدية كالمنافسة الحزبية؛ لأنها ليست حزباً، لذلك كان من الطبيعي أن يرد عليها بنفس أساليبها.

ويخلص الباحث في ختام دراسته إلى أن الحل يكمن في اعتراف الدولة باستقلالية المجتمع المدني والتجاوب مع ضغوطه، وأن يحترم الفاعل المدني آليات العمل السياسي والحرص على حيادية مؤسسات الدولة خاصة الأمنية والقضائية.

ومحمد جبرون باحث مغربي، حاصل على الدكتوراه في التاريخ، ويعمل حاليا أستاذاً في المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بمدينة طنجة، له مجموعة من الأبحاث والدراسات، من بينها: "الفكر السياسي بالمغرب والأندلس في القرن الخامس الهجري"، "فصول من تاريخ المغرب والأندلس"، "المقاصد في الفكر الإصلاحي الإسلامي"، "إمكان النهوض الإسلامي".

لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:

http://www.mominoun.com/arabic/ar-sa/articles/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA%20%D9%88%20%D8%A3%D8%A8%D8%AD%D8%A7%D8%AB/%D8%AA%D9%88%D8%AA%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D9%88%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%AF%D9%85%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%B0-%D9%83%D9%88%D9%84%D9%86--%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%88%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A/11365

 

أضف تعليقاً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق