ثقافة المعجم وتحدي الشبكة العكنبوتية: كيف نحافظ على حيوية اللغة؟
26 اغسطس (آب) 2014 02:00 | 0 تعليق
المعجم العربي لسان العرب - (أرشيفية)
لماذا ثقافة المعجم؟، ولماذا ثقافة المعجم الآن؟ وما الذي يمكن أن تضيفه هذه الثقافة المرجعية العتيقة إلى ثقافة زمن الشبكات العنكبوتية، وهل يعرف الجيل الجديد، جيل المدارس وحتى الجامعات، المعجم وقيمته ووزنه المعرفي؟
هذه الأسئلة، وغيرها دفعت صحيفة "الخليج" الإماراتية إلى تخصيص محور في ملحقها الثقافي حول مآلات المعجم العربي في زمن التحولات التكنولوجية، حيث "إن للكلمات تاريخاً وذاكرة، وبيت الكلمة هو المعجم، ويعرف هذه الحقيقة كتّاب و"ورّاقو" ما يسمى الزمن الثقافي الجميل أو زمن الورق الجميل في عشرينات وثلاثينات وأربعينات القرن العشرين بوجه خاص عندما كان المعجم واحداً من العائلة يستخدمه الأب والابن والابنة والزوجة إذا كان هؤلاء فازوا بنصيب من التعليم الكلاسيكي الراقي آنذاك"، بحسب الكاتب والشاعر يوسف أبو لوز.
ويتساءل: ماذا تضيف المعاجم اليوم إلى زمن الشبكات العنكبوتية، فهناك معاجم عنكبوتية؟ الإجابة أنه لا بديل كاملاً ومطلقاً عن المعجم الورقي على رغم تيسّر المعجم الإلكتروني وسهولته وسرعته، علاوة على أن المعجم العنكبوتي هو في الواقع منقول عن المعجم الورقي أو منسوخ عنه، وفي النقل والنسخ علينا أن نتوقع الخطأ في الشبكة الكمبيوترية، أما الخطأ في معجم الورق فلا مكان له.
ويدعو أبو لوز أن نتذكر أن "لسان العرب هو أسّ الفصاحة والبلاغة واللباقة والأناقة في الشعر والنثر منذ ما قبل الجاهلية وحتى ما بعد جاهلية القرن الواحد والعشرين".
أين المعجم العربي وأين علوم البلاغة
وشارك في الملف الكاتب محمد الأسعد الذي تساءل: أين المعجم العربي وأين علوم البلاغة؟، لافتاً إلى أن "لغتنا الحية تتعرض للتدخل والانتهاك، فهي لا تُبعد قسراً بوسائل شتى عن جذورها في معجمنا فحسب، بل تعاني انهياراً إدراكياً في مجالات المعنى والدلالة على حد سواء . لغة متروكة في العراء بلا مظلة حامية من معجم أو مرجع، ومن هنا يشعر إنسان هذه اللغة أنها تائهة تسأل عن دلالاتها في كل مناسبة، وتبحث عن رابط بين المعنى والدلالة حين تتكاثر من حولها وفي دواخلها كلمات ذات معنى ولكنها بلا دلالة في الواقع الملموس الذي يبصره العربي ويلمسه، أو تكون الدلالة، وحين يبحث عن معنى لها يجدها خرساء لا تنطق بأي معنى من المعاني . يتغير معنى لفظة من الألفاظ بين ليلة وضحاها، أوتتجرد من الدلالة فتصدر صوتاً خاوياً، ولا مقياس أو معيار يفيد في معرفة سبب التغيير أو علة هذا الصوت الخاوي" .
ومن جملة شبكة العناصر التي تهدد اللغة، وفق الأسعد، هو "ما يحدث على صعيد قدرات المتكلم بهذه اللغة، العربي، الذي تتعرض مدركاته لنفسه وللعالم من حوله إلى الانهيار بتأثير الفصل القسري الذي تعرضت له يده عن فكره، فهو لايفعل شيئاً في هذا العالم، أي لا نصيب له في تسمية الأشياء أو صناعتها، سواء كانت مادية أو معنوية، إنه ضحية المجردات، والجمل المكتوبة لا الجمل الحية المنطوقة، والفرق كبير وشاسع بين كينونة تجريدية مثل الجملة اللغوية المكتوبة وكينونة حية منطوقة تخرج دلالات الكلام من معانيها المعجمية" .
ويتابع: نحن لا نعاني جراء ابتعادنا عن المعجم أو مقتضيات البلاغة، فالمعجم وليد حركة فكر الإنسان ويده في تضاريس وجوده، والبلاغة نتاج مخيلته الإبداعية، ولكننا نعاني توقف هذه الحركة وهذه المخيلة بالذات .
مشكلتنا، كما يقول الأسعد، في لغتنا أنها ذات جوانب متعددة، منها ما يتعلق بفاعلية الإنسان العربي الغائبة على صعيد الإنتاج والتفكير من ثم تفكيراً منتجاً، ومنها ما يتعلق بما يعنيه هذا من انهيار المدارك والمدركات في عقلية هذا الإنسان وسلوكه، ومنها ما يتعلق بنواقص المعاجم التي لم "تثقف" منذ أن وضعت، أي لم تتابع جهود عبقريات أوائل مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي، وظل التهيب من إصلاح المعجم سيد الموقف حتى وإن قدم عالم مثل عبدالله العلايلي خطة إصلاح لغوي تطال اللغة في عدد من قواعدها جديرة بالتأمل .
عشرات المعاجم في الجيب
وتحت عنوان الرقمنة.. عشرات المعاجم في الجيب، كتب الصحفيمحمد أبو عربأن استمرار بقاء الكتاب الورقي، واستمرار المطبعات ودور النشر في العمل، لا ينفي تراجع دور المكتبة الورقية، والتحول إلى الكتاب الإلكتروني عوضاً عنها، والآن ومع قدرة الهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية على حمل آلاف الكتب، ومنح المستخدم إمكانية تصفح أرفف المكتبات العالمية وهو يستلقي على سريره، إلا أن الكتاب الورقي يظل حاضراً، ويظل له مكانته التي لن تنتهي.
ويقول إن واحدة من أبرز التغيرات التي ظل القارئ العربي يتوقف عندها كثيراً، وتثير له حساسية غريبة تجاه التطورات التكنولوجية الحديثة، هي المعاجم الإلكترونية، فللمعاجم في الثقافة العربية مكانة مرموقة، إذ ظل المثقف العربي يقطع مسافات للوصول إلى المكتبات التي تقتنيها، وظل من النادر أن يقتني قارئ عادي معاجم ضخمة في مكتبته الخاصة، إضافة إلى أنها واحدة من المراجع التي لا تعيرها المكتبات العامة .
ويعتبر أبو عرب هذا الأمر منطقياً، إذ حين يكون معجم لسان العرب لأبن منظور وحده يتكون من خمسة عشر مجلداً، وبعض النسخ تتجاوز هذا العدد، فإن تواجدها في مكتبة خاصة لقارئ عادي يظل صعباً، والأمر ذاته ينطبق على الكثير من المعاجم، والمراجع الضخمة، مثل تاريخ الحضارة لويل ديوراسنت الذي يصل إلى أكثر من عشرين جزءاً، وغيرها الكثير من المعاجم والفهارس .
لذلك كله ظلت فكرة أن تتيح الأجهزة اللوحية للمستخدم إمكانية تصفح عشرات المعاجم عبر شاشة صغيرة لا يبلغ حجمها 8 إنش، نقلة هائلة تغيرت من خلالها الكثير من الأفكار التي تكرست في ذهن القارئ العادي، وباتت الفكرة بحد ذاتها تشكل له خصوصاً قبل عقد من الزمن حالة ذهول ورفضاً في البداية .
ومع مشاريع الرقمنة كما اصطلح عليها مع اعتناق الكثير من الشركات الكبرى مثل "أدوبي" و"مايكروسوفت" لتقنيات رقمنة النصوص وتوزيعها، فإن فكرة المكتبات الرقمية بدأت تنتشر بسرعة، يدعمها في ذلك التطور السريع في تقنيات حفظ المعلومات واستعراضها والبحث فيها، إضافة إلى توفر الشبكات كبنية تحتية يمكن بواسطتها الربط بين المستخدم وبين المكتبات الرقمية المختلفة موفرة بذلك فضاء معلوماتياً رحباً يعادل في أهميته فضاء الإنترنت العام السائد اليوم .
بيد أن الكاتب يشير إلى أن الاستعراض السريع لتاريخ ومراحل تطور مشاريع الرقمنة عربياً، يجعل من موضوع المعاجم ورقمنتها نقطة في بحر التغيرات الثقافية الجارية والمقبلة، فالعشرات من المواقع الإلكترونية اليوم مكرسة لتحويل الكتاب الورقي إلى رقمي، أولاً بأول، منها: "كتابي دوت كوم"، و"مكتبة الجليس"، و"المكتبة العربية"، و"المكتبة الإلكترونية" للمنتدى العلمي الثقافي، و"المكتبة "الإلكترونية المجانية"، و"مكتبة الكتاب العربي"، وغيرها من المكتبات الإلكترونية.
المعجم أشبه بطلل مهجور
وشاركت في الملف الصحفية منّي بونعامه، حيث لفتت إلى "ملاحظة جوهرية لا تخفى على اللبيب الفطن تتعلق بعزوف الناس هذا الأوان عن الرجوع إلى المعاجم والقواميس اللغوية إلا في حالات قليلة، بل نادرة تعللاً بأسباب ضعيفة وحجج واهية لا ترقى لمستوى الاستدلال والمحاججة، حتى غدت تلك المعاجم أشبه ما تكون بطلل بالٍ أو أثر دارسٍ أو مكان مهجور لا يقف به زائر ولا يستوقف عابراً . يضاف إلى ذلك ندرة، بل انعدام معاجم عربية تعنى بتوثيق الألفاظ المهجورة أو الكلمات المطمورة، وغربلتها وبيان ما تنطوي عليه من أهمية، لما في ذلك، لو كان، من إحياء لدارسها وإنقاذ من الانطماس والاندثار، ومما يؤسف في الحقيقة أن هذا الموضوع المهم لم يعر أي عناية أو اهتمام رغم تعالي الصيحات، من هنا وهناك، تنادي جهاراً نهاراً بإنقاذ اللغة من الأخطار المحدقة بها، وإحياء دارسها، وقد أدرك الغرب قيمة هذا الموضوع فعنوا به وعكفوا على إنجاز معاجم وقواميس تعنى برصد وحصر الكلمات المهجورة والمنسية في لغاتهم الحية .
وتخلص الكاتبة إلى القول إن ثقافة العودة إلى المعاجم اللغوية والاستفادة منها والاعتماد عليها، بوصفها وعاء المعرفة الذي لا ينضب وذاكرة الأمة وسجلها الزاخر بالمعارف والآداب، لم تعد اليوم كما كانت في السابق رغم أهميتها، بل تشهد تراجعاً كبيراً في ظل السيل الجارف من الانفتاح على عصر التقانة والتكنولوجيا، وما أحدثته من تغيرات طالت كافة مجالات الحياة بما فيها اللغوية والثقافية، ما يجعل التأكيد على ضرورة العودة إلى المعاجم اللغوية وتحديثها وتطويرها أمراً لا مناص منه من أجل الحفاظ على مخزون اللغة من الضياع والاندثار، ومواكبة العصر ومستجداته.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

