سؤال المعنى والقيم والمعرفة الدينية
01 سبتمبر 2015 | 0 تعليق

* الباحث المغربي عبد الله إدالكوس
عبد الله إدالكوس *

إن المعرفة الدينية اليوم أو الشأن الديني بصفة عامة، لم يعد مستساغا أن يقدم بالصور التقليدانية، أو الفولكلورية المعهودة؛ فالمعرفة الدينية تسير اليوم في اتجاه تقديم مقترحات لثورات نقدية داخلية لا تزال في بداياتها، إلى جانب تقديمها لأسئلة مقلقة ستخلق بالفعل جدلا حقيقيا مع: الحداثة، مع العالم، مع الإنسان، والعلم والمناهج الإنسانية المعاصرة...إلخ.

داخل حقل المعرفة الدينية اليوم، بدأنا نتجاوز الطروح الدوغمائية من كلا الطرفين يمينية ويسارية، لصالح المعرفي، ولصالح صلاح الإنسان في معاشه ومعاده بلغة الأصوليين، لقد بدأت أسئلة الهرمينوطيقا اليوم تطرح في علاقاتها بالنص القرآني، وباتت الدراسات القرآنية تتوسع يوما بعد آخر، كما أن التشكلات أو المدارس الفكرية الأولى، بدأت تنسحب لصالح بنى ومدارس فكرية جديدة، أصبحنا نتلمس ولادات أولية لها في العديد من بلدان العالم العربي/الإسلامي، وهي في الأساس تيارات تتحرك في أعماق بحر المعرفة والجدل الديني، تحتاج لمن يسلط الضوء عليها لمعرفة كيفيات وطرائق التفكير لديها وآليات تحليلها، وتناولها للمجال الديني، خصوصا في علاقته بسؤال القيم والمعنى، وإن كان موضوعا ليس بالتليد، لكنه لم يتوقف عن إثارة الجديد والأسئلة التي لازالت تنتظر إجابات متعددة وحقيقية،

أفضت التحولات السوسيو ثقافية التي أفرزتها الحداثة ومتعلقاتها إلى نوع من الفوضى المعنوية التي تركت الإنسان دون إرشاد من الوحي أو من العقل

هذا إلى جانب علاقات المعطى الديني اليوم بالتنمية التي يطمح فيها الفرد، كما المؤسسات الرسمية والمدنية على اختلافها، وكيف يمكن تصور هذه العلاقة؟، وما الذي يمكن للدين بالفعل أن يقدمه في هذا المجال؟، بعيدا عن كل التوظيفات الاضطرارية والخالية من كل خلفية معرفية ودراية موضوعية بآليات الاشتغال وآليات الاقتراح التنظيري داخل حقل المعرفة الدينية.

إذا كان في مُكْنِنَا تعريف المجتمع بأنه فضاءٌ للعلاقات المختلفة الناظمة لمجموعةٍ بشرية، ومنها علاقات القرابة، والتضامن، والدفاع الذاتي، وتقسيم العمل، وقواعد السلوك، وهي- بالجملة- ما يميّز المجتمع الإنساني عن الجماعة الطبيعية (الحيوانية)، فإنّ هذه العلاقات ليست شيئًا آخر غير القيم الحاكمة؛ ذلك أن القيم هي مجموع الأخلاق العامّة التي تنتظم سلوك أيةِ مجموعةٍ بشرية، وتضع له الضوابط الحاكمة، والمضمون الجمْعي الذي تتأسَّس به علاقاتُ التبادل الاجتماعي للأفكار، والمعايير، والحساسيات، والأذواق...، بما هي عناصر ومشتَركاتٍ جامعة. والعلاقاتُ هذه هي ما يكوّن - في محصلتها العامة - النظام الاجتماعي[1].

أفضت التحولات السوسيو ثقافية التي أفرزتها الحداثة ومتعلقاتها إلى نوع من الفوضى المعنوية التي تركت الإنسان دون إرشاد من الوحي أو من العقل، وترتب عنه قبول الرأي الذي يقول بالأوضاع النسبية، والذي يرى أن تقدير القيم والمعايير الخلقية أمور تتعلق كلية بالذوق أو بالمفاضلة التي لا تقوم على أساس، وأنه لا يمكن في هذا الميدان أن يصدر حكم واحد موضوعي ثابت، ولكن ما دام الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون قيم أو معايير؛ فإن هذه النسبية تجعله فريسة سهلة لطرائق التقويم التي لا تستند إلى العقل، وعندئذ يرتد الإنسان إلى مكانة تغلبت عليها من قبل الثقافة الإغريقية، والمسيحية، والنهضة الأوربية، وعصر النور في القرن الثامن عشر، عندئذ يستمد الإنسان معاييره وقيمه من مطالب الدولة، ومن الحماسة لما عند الزعماء والأقوياء من صفات سحرية ومن الآلات القوية والنجاح المادي.

فهل نترك الأمر عند هذا الحد؟ هل نرضى بالخيار بين أمرين: إما الدين، وإما نسبية الأمور؟ هل نقبل بتنازل العقل في ما يمس الأخلاق؟ هل علينا أن نعتقد أن الخيار بين الحرية والعبودية، بين الحب والكراهية، بين الحق والباطل، بين النزاهة والانتهازية، بين الحياة والموت، ليس إلا نتيجة للمفاضلة الذاتية في كثير من الأمور؟[2]

هي تساؤلات إذن، تتجاوز البعد المعرفي الصرف لتفرض نفسها على ما هو أعمق من ذلك بكثير، ولسنا نبالغ إن اعتبرناها إحراجات تقف أمام إنسان اليوم في أبعاده الأنطولوجية، وما انتهى إليه الوجود البشري اليوم بعد تلكم الوثبات الحضارية التي مر منها عبر التاريخ الغربي الذي يراد له أن يكون تاريخا كونيا مع هذا النمط الثقافي الكاسح باسم العولمة.

إذن يقتضي الاعتراف بالكينونة المركبة للكائن البشري ضرورة استحضار الدين من حيث هو العنصر الأساسي، الذي لا مندوحة عنه في تحقيق الرؤية المطمئنة واستعادة المعنى الموؤود، وإعادة الاعتبار للإنسان في سلم الوجود والتسييد له، بما يتوافق مع الرؤية الغائية الاستخلافية، فحاجة الإنسان إلى الدين تنبثق من أعماقه ولا يمكن إلغاؤها"، وحتى لو اجتاحت بعض المجتمعات جائحة تناقض الدين وما يتصل به، فإنها سرعان ما تضمحل وتعاود الظواهر الدينية حضورها الأبدي من جديد، وربما بفاعلية وضراوة. ففي القرن التاسع عشر، تحدث فيورباخ وماركس ونيتشه... وغيرهم، عن غياب الإله، أو "موت الله" بتعبير نيتشه، غير أن الله انتقم لنفسه، فعاد الإيمان به يتسع بمرور الأيام،

يقتضي الاعتراف بالكينونة المركبة للكائن البشري ضرورة استحضار الدين الذي لا مندوحة عنه في تحقيق الرؤية المطمئنة، واستعادة المعنى الموؤود

وتحقق ما قاله أندريه مالرو: (إن القرن الحادي والعشرين سوف يكون روحيا أو دينيا، أو إنه لن يكون)، صحيح أنه قد مات نمط التصور القروسطي للإله، وتشكلت صورة بديلة عنه. أما الله تعالى، فإنه حي لا يموت، وهو ظاهر ما غاب قط، وإن كانت أنحاء تصورات الإنسان عنه تموت وتغيب لتحل بدلا عنها تصورات أخرى[3].

هذه العودة إلى التصورات الدينية بقدر ما تعبر عن ذلك التفلت لكينونة الإنسان من كل أنماط الاختزال، الذي مورست عليه باسم العلم تارة، أو باسم العقل والعقلانية تارة أخرى، هي تعبير في الآن ذاته عن الوجه الآخر للأزمة؛ ففي عالمنا الإسلامي، حيث تتبدى الرجعة إلى الدين معتمدة دينا ساكنا – بتعبير الباحثة نورة بوحناش- تتطور حركته تطورا أيديولوجيا، مع تجاوز حال النهوض الأخلاقي الذي يعد روح هذا الدين. من هذا الباب، تمثل العودة إلى الدين في العالم الإسلامي، بوصفه الأيديولوجي، صورة من صور الأزمة الأخلاقية التي يحياها الإنسان الحديث والإنسانية المحايثة له، بما أن هذا العود حالة دفاعية وليس حالة بنائية للإنسان[4].

إن تنامي خطاب "جاهلية القرن العشرين"، وما يختزنه من مقولات التكفير والولاء والبراء ودار الحرب والردة... إلخ، دون أدنى ممارسة معرفية تقارب هذه المفاهيم في سياقها التاريخي، أفضى إلى هلاك الأمة وتقهقرها، كما أفضى إلى موت القيم الإنسانية النبيلة التي شكلت جوهر الرسالات الدينية، ورسالة الإسلام على الخصوص، فهل من حل لهذه المعضلة؟

هي إذن، استشكالات تطرح نفسها اليوم بشكل أكثر حدة مما كان عليه الوضع العربي في العقود الماضية، ولسنا ندعي الإلمام بتفاصيل الأزمة، بله أن نكون ممن يقترح حلولا جاهزة، إنما نروم ملامسة المسألة في جوانب محدودة، علها تفتح الباب أمام العقل العربي، لتحقيق الوعي بضرورة التساؤل وفتح بدايات جديدة في جغرافية الفكر الإسلامي.

لذلك، اقترحنا أن يتضمن هذا الملف الذي خصصته مجلة "ذوات" لسؤال المعنى والقيم،

إن تنامي خطاب "جاهلية القرن العشرين" وما يختزنه من مقولات التكفير والولاء والبراء ودار الحرب والردة... إلخ، أفضى إلى هلاك الأمة وتقهقرها    

محاور محددة تتناول الإشكالية من زوايا مختلفة، وحرصنا على مراعاة التنوع لإيماننا بالحرية وبالغنى الكامن في اختلاف المقاربات، لذلك سيجد القارئ نفسه أمام دراسات تتعدد من حيث التصور والرؤية وطريقة المعالجة.

فقد جاء حوار الملف مع الباحث الجزائري حاج أوحمنة الدواق، ليتناول سؤال المعنى الديني في السياق الحداثي، وإلى أي حد استطاعت الحداثة بمنطلقاتها المرجعية أن تعيد للإنسان كينونته؟

أما الباحث المغربي عبد الله هداري، فقد جاءت دراسته المعنونة بـ"الله والإنسان والعالم: فرضيات في إنتاج المعنى" لتقارب سؤال المعنى من زاوية دلالية تستند الرؤية للعالم، كما يقدمها القرآن بأفق تأويلي.

وفي الجدل بين الخصوصة والكونية، جاءت دراسة الباحث المغربي محمد همام "البحث عن المعنى الديني جدل السلوك والتأويل"مقدمة مقاربة مقارنة بين علمين كبيرين؛ هما المفكر والإصلاحي التركي فتح الله كولن، والألماني شلاير ماخر ملامسة الأطروحة الأخلاقية، ودور الدين في إنتاج المعنى عند كل واحد منهما.

 وقدمت الباحثة التونسية إيمان المخينيني دراسة بعنوان "الانتماء العقديّ والفعل السّياسيّ في الطّرح الكلاميّ الجديد"، لتعيد من خلالها طرح قضيّة العلاقة بين المشروع السّياسيّ الحديث والطّرح الإسلاميّ- التّشريعيّ في المجتمعات الإسلاميّة المعاصرة، كما صيغت في المدونة الكلامية الجديدة، وأفق التأويل والترشيد التي تقدمها هذه المدونة.

 وفي نفس السياق التحليلي، يقدم الباحث السوري نبيل علي صالح مقاربة لسؤال القيم والمعنى في دراسته الموسومة بـ"معاني الدين والحياة الحديثة"، ملامسا في دراسته واقع الحال مع فكرة الدين ومعنى الدين وقيمة التدين والعلاقة بين الدين والحداثة، ومدى الإمكانية القائمة لولوج مجتمعاتنا (المتدينة بالإٍسلام) في ركب التطور الحضاري العلمي والتقني الكوني المتسارع.

أما الدراسة الأخيرة ضمن هذا الملف، فهي للباحث المصري محمود كيشانه وقد جاءت بعنوان "التدين الشعبي... والتدهور الحضاري"منطلقا من فرضية التمييز بين الدين، وباحثا عن مظاهر التدين الشعبي الذي كان له أكبر الأثر في ما يشهده واقعنا العربي من تدهور حضاري، وتخلف في سباق الأمم نحو التقدم، إيمانًا بأن ما يعوق نهضتنا الآن، إنما هو نوع من التدين الكاذب الذي يقود الأمة إلى نوع من التواكل والخنوع.

 

[1]- بلقزيز عبد الإله، "مجلة التفاهم" العدد الثالث والأربعون، السنة الثانية عشرة 1435/2014

[2]- كوخ أدريين، "آراء فلسفية في أزمة العصر"، ترجمة محمود محمود، المكتبة الإنجيلية ومؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، 1963، 184

[3]- نفسه، ص 158

[4]- بوحناش نورة، "الأخلاق والرهانات الإنسانية"، م س، ص ص 09/10

 

* مقال تقديمي لملف العدد الرابع عشر من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية "المعرفة الدينية وسؤال القيم"

* لتصفح  العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/SZNgyH

* لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق