فريدريك نيتشه: فيلسوف المطرقة
25 مايو (أيار) 2014 10:07 | 0 تعليق |
رغم أن الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه قدِم من خارج الفلسفة، من مبحث الفيلولوجيا على وجه التحديد، فإنه مع ذلك أحدث انقلاباً هائلاً في ماهية الفلسفة، وفي المنطق الذي حكم تاريخها منذ فجرها الأول مع أفلاطون.
هذا الانقلاب طال كل التقليد الفكري الذي انتهى إلينا اليوم، كما طال المفاهيم المألوفة مثل: العقل والإنسان، والحقيقة، والهوية، والتاريخ، والديمقراطية والحداثة، بل إنه يرى في نفسه الديناميت الذي سيضع حداً لكل شيء من أجل فجر جديد.
ربما لهذا السبب، غلب على مؤلفاته حساسية نقدية خارقة، وضعت مفهوم النقد في موضع التساؤل، وأحلّت مكانه مفهوماً آخر هو الجينيالوجيا. لم يعد هم هذا الفيلسوف استعادة أصول ممتدةٍ بجذورها في الماضي، بل الوقوف عند البدايات الزمنية التي تحرر الحدث و تبرز تفرده واختلافه. هذا يعني أن نيتشه اهتم بالاختلاف الذي تنساهُ وحدة الفلسفة في تماسكها وتطابقها. لهذا اعتبره كثيرُ من الفلاسفة المعاصرين رائداً لفكر الاختلاف الذي عرف صداه في فلسفات هايدغر، ودريدا، وآخرين.
ولأن البدايات الزمنية تحظى بالأولوية عند نيتشه، فإن هذا الأمر لابد أن ينطبق عليه هو أيضاً. ما هي إذن البداية الفعلية لنشأة فكر هذا الفيلسوف؟ وما هي شروط إمكان فلسفته؟ وما هي أهم الكتب التي تجلت فيها حساسيته الفكرية؟
يجب ألا ننسى أن نيتشه تشبّع منذ صغره بمبادئ الدين المسيحي البروتستانتي، وتلقى دروساً في مدارسها و أن أباه كان قسيساً. وهذا يعني أنه لم يكن من الممكن أن يتجاوز التراث المسيحي و ينتقده إلا بعد أن تشبع به وأحبه. و قد ذهب الفيلسوف الألماني كارل ياسبيرز بعيداً عندما اعتبر أن نيتشه ظل مسيحياً في أعماق فكره، برغم كل ما كتبه ضد المسيح.
ولد نيتشه في روسيا بمدينة روكين ب لوتزين سنة 1844 وتوفي سنة1900 بألمانيا، أي عاش حياة قصيرة. لكنها لم تكن كذلك في ما أبدعه من كتب لازالت تحتل مرتبة مهمة في الفكر الفلسفي المعاصر. ومن أهمها نذكر: كتاب"الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي"، و"هكذا تكلم زارادشت"، و"ما وراء الخير والشر"، و"أفول الأصنام"، و"فجر الفكر"، و"جينولوجيا الأخلاق".
عُرف عن نيتشه في كتابه ما وراء الخير والشر، أنه يقوض وحدة الأخلاق وأسسها وكونيتها كما وضعها كانط، وتبناها لاحقاً المنتظم الأممي، لكن لم يكن لهذا الأمر أن يحصل لولا علمه الرصين بفقه اللغة، أي الفيلولوجيا، وقدرته الفائقة على رد الأخلاق إلى معقلها اللغوي، وهكذا فإن مفهوم الخير لم يكن عنده جوهراً قائماً بذاته ولا كائناً خالصاً طاهراً، بل هو صيرورة تتشكل من عناصر غريبة عنها ومن إرادات تتصارع باستمرار، لذلك يرى نيتشه أن إستراتيجيات التسمية هي إستراتيجيات تخضع لإرادة، القوة لهذا فإن السيد لا العبد هو من يضع الأسماء لتصبح بعد ذلك لحمة الشيء وماهيته.
يظهر أن نيتشه يفضح ما يدعيه الخطاب الأخلاقي من خلال إبراز محدداته وشروطه أللأخلاقية. ولا عجب إن قام الفيلسوف الفرنسي المعاصر فوكو لاحقاً بوضع نيتشه إلى جانب ماركس وفرويد في مقالٍ يحمل عنوان "ماركس، فرويد، نيتشه"، باعتباره حلقة أساسية في باراديغم جديد يشخص الوضع البشري، ويرسم معالمه التي طُمست من قبل. لكن ماذا بقي بعد هذا التقويض النتشوي للأخلاق الكانطية؟ بقيت الصيرورة في براءتها المرتبطة بقوى الحياة والمتصلة مباشرة بسؤال الفن.
نستطيع أن نقول في النهاية إن نيتشه ليس موقفاً فلسفياً، بل هو مجموع مواقع في حركةٍ دؤوبة خلفت صداها الكبير في الفلسفة من خلال تحرير الفكر وربطه بزمانيته، والأدب بنحت نمطٍ جديدٍ في الكتابة؛ هي الكتابة الشذرية التي يقول عنها دولوز إنها أ كثر سرعةً من غيرها، وأنها تبلغ مرماها قبل الأوان. والفن من خلال مصالحته بالقوى الحية والأسلوب الرفيع في الحياة. والعلم من خلال تحرير الفلسفة من عقدة النقص أمام النماذج التي كرسها في التفكير والفهم.
أضف تعليقاً
* اختياري
