في "اعتزال" يوسف زيدان!
24 نوفمبر 2014 | 0 تعليق
للمثقفين طقوسهم ونزوعاتهم الغريبة. ولهم قرارات تثير الاستهجان والتضامن في آن معاً. إنهم أشخاص حساسون إلى حد الهشاشة والتناقض، لأن نظرتهم إلى العالم مضمخة بالخيال والفيض الوجداني الذي يُغرق، أحياناً، عمل المنطق ويطوّح به بعيداً.
والوقائع على ذلك كثيرة، وليس آخرها عزم المثقف المصري البارز د. يوسف زيدان اعتزال الكتابة الصحفية والمجالس والندوات والفضاء العام، احتجاجاً، كما عبّر في بيانه/ رسالته، على تفاصيل وحيثيات تتصل بواقع الثقافة السياسية، أو السياسة الثقافية في مصر.
إذن، الأمر يغدو أقرب إلى "الحرد" منه إلى أي شيء آخر، لا سيما إذا علمنا أن أسباب "الإضراب الثقافي" لدى زيدان مردّها احتجاجه على قرار رئيس الوزراء المصري إبراهيم محلب، بتعيين د. إسماعيل سراج الدين، مدير مكتبة الإسكندرية، مستشاراً ثقافياً له.
وذهبت بعض الصحف إلى اعتبار موقف زيدان أقرب إلى "الشخصنة"، لا سيما وأن الرجل كان ضمن وفد المثقفين الذين التقاهم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عقب توليه الرئاسة. وتوقع بعضهم، بعدها، أن يتولى زيدان حقيبة الثقافة التي حظي بها غريمه د. جابر عصفور!
ورغم الصيحات والاحتجاجات التي أعقبت احتجاج زيدان واعتزاله، إلا أن ذلك يبقى في إطار الخيارات الشخصية للإنسان مهما كان موقعه أو مهنته، ومها علت رمزيّته، فهو في النهاية كائن يفرح و"يحرد"، ويضيق بالجماهير، ومن حقه أن يحتجّ، أو أن يخيّب ظن الناس.
وثمة أمر تستبطنه فكرة الاحتجاج والاعتزال يتصل بالصورة التي رُسمت للمثقف بوصفه مخلّصاً ومبشّراً وقائداً في يده بوصلة سحرية وتتبعه الجماهير الضالة من أجل بلسمة جراحها، ومداواة أرواحها المثلومة. وفي ذلك، في زعمي، مبالغة وشطط يدفعان الكاتب نحو اتخاذ قرارات من هذا القبيل، وفي ظنه أنه زعيم سياسي ستخرج الناس إلى الشوارع إن هو عزم الاستقالة أو أعلنها كما فعل جمال عبد الناصر!
بيْد أن التفرّس في الصورة يحيل إلى نتائج أخرى مفادها أن تأثير المثقف العربي في محيطه ما يزال محدوداً، ليس لأنه مثقف غير مهم أو غير مبدع، بل لأن حال الثقافة في المجتمعات العربية ضئيل الأثر، بسبب شحّ عملية القراءة، وتداول الكتاب، وتدني كعب المعرفة. فما بالك حين تكون المعرفة، كما هو دأب ما ينتجه زيدان، ذات طابع نخبوي وسياق ليس في مكنة القراء جميعاً أن يقتربوا من نار حكمته؟
ولعل تلك الصورة الرسولية التي قرّت في أذهان الناس عن المثقف وتأثيره ودوره المركزي في عملية التغيير هي، لربما، ما دفعت زيدان إلى مثل هذا القرار الاحتجاجي المفاجىء، وإلى الدخول في إضراب ثقافي!
بيْد أن الوقائع الخشنة، ولاسيما تلك التي رافقت ثورات الربيع العربي، وأطاحت أنظمة، وجاءت بأخرى قد لا تكون أفضل ممن سبقها، كشفت (أي الوقائع) عن التباس صورة المثقف، وأماطت اللثام عن تحولاته، وانفصاماته، وانتهازيته الشديدة، وتناقض خطابه مع سلوكه، ونزوعه إلى براجماتية ميكافيلية تنشد غايات بلا أدنى تحوّط لطبيعة الوسائل التي تقود إليها.
وكانت التجربة المصرية ميداناً فسيحاً لهذه الانشطارات التي عصفت بصورة المثقف، وكشفت تفسخاته النفسية العميقة، وانقلابه على خطابه وسيرته وصراعه الطويل مع العسف والطغيان ومصادرة الحريات، وتكميم الأفواه.
ما جرى في مصر، منذ إطاحة حسني مبارك حتى المجيء الانقلابي للسيسي مروراً بحكم "الإخوان" الذين أداروا الدولة بعقلية الجماعة الحزبية التي تنشد "التمكين" ولا هدفاً سواه.. كل ذلك منحنا فرصة ثمينة لتفحّص خطاب المثقفين في مصر، ومدى اقتراب ذلك الخطاب من فكرة الحرية والديمقراطية واحترام إرادة الناس في اختيار من يحكمها، والامتثال لصندوق الاقتراع..
في "أم الدنيا" رأينا العجب العجاب.. وسنبقى نرى، فمصر "ولّادة" كما يقول أشقاؤنا في أرض الكنانة، ومن ضمن ولاداتها أن ترى سجناء رأي وصحفيين ونساءً وأطفالاً مرميين في غيابة الجبّ، فلا يستثير ذلك فيك، أيها المثقف، أيَّ نأمة غضب، لأن الغضب مدّخر لما هو أحقّ وأوْلى، وهل ثمة أشد جدارة بالغضب والحرد والاعتزال من أن يكون سراج الدين مستشاراً ثقافياً لإبراهيم محلب؟!
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

