محمد الغزالي.. رحلة داعية مصري
16 اغسطس 2015 | 0 تعليق
الداعية المصري الراحل محمد الغزالي - (أرشيفية)
من نفس القرية التي أنجبت للمصريين والعالم العربي علامات مضيئة في هذا العصر وُلد الغزّالي، في نكلا العنب التي أنجبت الإمام محمد عبده، والشاعر العظيم محمود سامي البارودي والشيخ سليم البشري، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد المدني، والشيخ عبد العزيز عيسى، هي نفسها القرية التي وُلد فيها الغزّالي 22 سبتمبر/أيلول سنة 1914م .. وتُوفّي في 19 من شوال عام 1416هـ الموافق 9- مارس/ آذار عام 1996م.
قرأ التاريخ قراءة ناقد حصيف استفاد منه ونقد كثيرًا من مواقف الحكّام والمتسلطين، وتحدث عن الفساد السياسي دون خوف أو تردد، على عكس غيره من الدّعاة الجدد الذين يقفون مع الحكّام ويطبّلون لهم ليل نهار، كانوا على صواب أو خطأ، قارن ما يقوله الشيخ الغزالي في "ضوء على تفكيرنا الديني في مطالع القرن الخامس عشر الهجري" عن حافظ الأسد كمثال، وما يفعله الشيخ البوطي لبشّار الأسد منذ بدء ثورة سوريا التي تحوّلت إلى بحار من الدّم ولا تزال.
نقد الفقهاء الذين تقوقعوا في فتاواهم آخذين بكلام السابقين دون وعي للواقع، ودون امتثال لروح التعاليم الأولى، ودون نظر إلى ما يحتاجه إنسان اليوم!
تحدث عن دور المرأة ومكانتها في بناء العالم، ونقد النظرات العفنة التي ترى أن المرأة مكانها البيت مقبورة مهدورة، وما هي إلا دابة تلد، أو وعاء للشهوة!!
تحدّث الغزالي عن الاقتصارية الدينية والتكفير وعن أنماط البشر الكثيرين الذين يظنون أنهم على الحقّ وغيرهم من الكافرين. فأحسن وأجاد لكن جملة ممن أعرفهم يرونه لم يطبّق ذلك بشكل عملي، خاصة فيما يتعلّق بقضية فرج فودة ومقتله على أيدي جماعة ممن ينتسبون إلى الإسلام، وجرى اختصار جهود محمد الغزالي في هذه الواقعة فحسب .
وكان تعليقي على ذلك أن هناك شهادة لشيخ يسمّى طه جابر العلواني "عراقي لا يزال مقيمًا في مصر، وكان يرأس معهد الفكر الإسلامي العالمي" بخصوص قصة قتل فرج فودة، ويروي فيها حديثًا مطوّلاً عن "حكم الردّة في الإسلام" ينتهي إلى عدم وجود ما يفيد بقتل شخص ارتد فكرًا أو دينا .. هذه الشهادة يرويها عن "محمد الغزالي"!
أما عن فكر الغزالي الحديث، محمد الغزالي "داعية" أصفه بالنادر والناجح في مجال "الدعوة والإرشاد" أول مقالاته على ما أذكر نُشرت في "المنار" أفاد من فكر محمد عبده، وتأثّر برشيد رضا في بعض الممارسات التأويلية للأمور الدينية، كان هناك تياران في هذا الوقت في مصر "تيار المتحجّرين وأصحاب الخرافات في الأزهر" و"تيار المدرسة العلمية التي كانت تدعم الفكر اللاديني بشكل جاد" وبفضل اغتيال مشروع محمد عبده على يد تلميذه رشيد رضا تجلّت من التيار الأول مدرسة نبتت حديثًا في مصر، كان تحجّرها أسوأ من الأزهر، وهنا أصبح الصراع مع فريقين، ومِثْلُ الغزالي كان بارعًا في كشف عوار الفريقين خاصة أهل الأديان، وكان لديه منهج خاص به لمواجهة الفريقين ...وقد نجح برأيي في ذلك نجاحًا كبيرا، لم يعرفه المصريون إلاّ بعد موته، ويمكننا التعرف على ذلك باستدعائهم لمقولاته وأفكاره حين أصبحوا في المواجهة وجهًا لوجه مع أحد الفريقين المتحجّرين "النابتة من السلفيين".
وقد قدّم الرجل مشروعًا بديلاً لما هو مطروح وسائد في وقته، فقرأ القرآن والأحاديث قراءة مختلفة تنزع إلى الفهم والذوق مما يتسق مع عقل المسلم الحديث، وبالطبع لم تلق قراءته ترحابًا وصدرت بإزائها ردود كثيرة أقل توصيف له أنه خارج على الدين، والذي فُعل مع خصمه "فوده" فُعل معه من قبل كثيرًا، "تمامًا كما حدث مع عبد الصبور شاهين ونصر أبو زيد حين رفض الأول الأخير وأهاج المجتمع عليه فوجد من أهاج المجتمع عليه ثم كفّره في أخريات حياته لما طرحه في كتابه"أبي آدم" من رأي يخالف الأغلبية من أن آدم ليس أبو البشر، وأنه سُبق بأوادم من قبله، باعتباره مخالفًا لما ورد في القران !
كانت آراء الغزّالي "الدينية" ممتازة، وتقدم فهمًا أصبح غريبًا في مجتمعنا المصري، شرب فيه من نبع كان مبتغى به أن يدوم ويتجدد؛ فـ"المعتزلة" حاضرون في نقده للمدونة الحديثية، والصوفية حاضرون في تذوقه للقران، ومعاصروه ومن سبقوه من جيل "النهضة الدينية" عبده وطنطاوي جوهري وشلتوت وغيرهم حاضرون ، كان من الممكن أن أصف مدرسته بالمدرسة الوسطية إلاّ أن هذه الكلمة لا أراها معبرة بالفعل كما إني أستهجنها في الإطلاق.
هناك جانب آخر من كتابات الغزالي التي أراه قد أخطأ فيه، ومن ثم تحولت كتاباته فيما بعد تحريضية، ككتابه "ظلام من الغرب" الذي تحدّث فيه عن أركون وأبي زيد وغيرهم، وأذكر أن محمد أركون بكى حين علم أن الشيخ الغزالي يكفّر أقواله! وآراءه المبعثرة في كتاباته "الدعوية" عن أهل الأدب والصحافيين وغيرهم ممن لم يتقن هو مجالهم، كانت آراؤه في طه حسين والتابعي وفي بعض ما كتبه محفوظ وغيرهم صادمة بالفعل وأتباع الحركات الإسلامية آنذاك لم يلتفتوا إلى شيء بقدر التفاتهم إلى المبعثرات، وتبنّوا أفكاره بالفعل، وهو ما ضر وما أفاد لحظة وطوى رحلة الرجل "الدعوية" التي هي الأبرز ولأهم في تمثيل هذه الشخصية
خلاصة القول: الغزالي "الداعية ذو الثقافة الدينية النادرة في مجال الدعاة" كان صاحب نظرة "دينية" حرّة متجددة، وإن أخطأ في غير ذلك من المجالات التي لا يُعتمدُ فيها على رأي (رجل الدين).
تحدث عن مسؤولية الدعاة وحكى كثيرًا من نوادرهم التي كان المصريُّ البعيد عنها لو سمع بها ما صدّق، إلا أن ظهور "الإسلاميين" على المشهد السياسي اليوم، جعل المصريين يقرؤون ما لا يخطر في البال من فتاوى وآراء تنتمي إلى الخبل والجنون أكثر من انتمائها إلى طور الطفولة البشرية، تصدّى الشيخ وقتها لكل هذا الخبل بمفرده، ونبّه على خطورتها، ورأه مرض يسري في جسد الأمة المسلمة، واعتبر الإفراط والتفريط سواء في تزييف صورة الإسلام!
عاش محمد الغزّالي القرآن الكريم في حياته واختلط بدمه ولحمه، فأراد أن يكشف شيئًا من كنوزه، وينشر من بيانه على الناس ما يراه مساعدًا لهم في الحياة، فمن القرآن رأى أن الوحي أشبه بماء النيل، وما أحوجه إلى التنقية من أهواء الناس وشهواتهم، فعرض للعلوم النقلية عرضًا سعى فيه إلى التجديد، ففي عقيدة المسلم خطّ صفحات بعيدة عن زائف مشكلات علم الكلام، وفي خلق المسلم بث من مكنون درر الشخصية المحمدية ما يساعد المسلم على تمثّل حياة النبي العملية، وتجديد تجربته الكفاحية، كي يحيا بعيدًا عن التبعية والجموح!
وعلى عكس ما يراه بعضهم كان الشيخ مفتونًا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويعدّ نفسه تلميذًا من تلامذة المدرسة المحمدية، وجنديًّا من أجنادها، ففتن الشيخ بفن الذكر والدعاء عند النبي الأكرم، واستدعى تجربته كثيرًا كداعية ومعلّم طوال حياته الدعوية، فمحمد الذي أرهقه قومه ....
تحدّث الشيخ عن قصور التعليم في بلادنا وعن إخفاقه في إنتاج عقول مفكّرة حيّة، وكان مما قاله في "الطريق من هنا": أوليس مما يلفت النظر أن طلاب العلم في مدارسنا وجامعاتنا لا يهمهم إلا النجاح في الامتحان ولو كان عن طريق الغش! وأن المتفوقين علميًا من أبنائنا يسارعون إلى الهجرة إلى أوروبا وأمريكا مؤجرين عملهم لمن يقدره أدبيًا وماديًا ؟! تُرى هل من الممكن أن يكون لنا مستقبل إيجابي ونحن في حالة استرخاء فكريٍّ وخُلقيٍّ يسود حياتنا؟ وعمل الصالحات عنصر أساسي في الإسلام.
وفي سورة القصص شرحٌ لأحوال الاستبداد السياسي والطغيان الاقتصادي في قصتي فرعون وقارون، ثم ساق هذا القانون الحضاري العام: (تلك الدّارُ الآخرةُ نجعلها للذين لا يريدون علّوًا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين). إن عناصر العدل السياسي والاجتماعي من صميم الأعمال الصالحة التي تنداح دائرتها لتشمل الدنيا كلها وحرية الحركة فيها مطلقة، ويُلاحظ أن العبادات البدنية التي تُؤدى خلال غيبوبة عقلية كالقراءة بلا وعيٍ والركوع بلا خشوع لا فائدة منها، وعندما تنحط العبادات إلى هذا المستوى، فإن أعمالاً مدنية أخرى تشتد فيها حرارة الإخلاص ويتألّق فيها حُسن القصد تكون أرجح عند الله تعالى وأجدى على الحياة من تلك العبادات.
والإصلاح الذی یؤمن به الغزالي ودعا إليه في کتبه ومقالاته وخطبه ومحاضراته، یقوم علی جملة من العناصر: (تجدید الإیمان وتزكیة الانفس- حرب علی الفساد السیاسي- العدل الاجتماعي- الحریة ومقاومة الاستبداد السیاسي- تحریر المرأة والأسرة- -تصحیح التّدین المغلوط والمفاهیم الخطأ- تحریر الأمة والجماعة المسلمة- تنقیة الثقافة والتراث الإسلامي- إحیاء اللغة العربیة).
اعتبره الشيخ محمد رجب البيومي مدافعًا عن الإسلام يحارب بقلمه إلى جوار سيد قطب في معركة الحقِّ والإصلاح! نجح في تشخيص الداء وأعطى المحتاجين الدواء، فهم الفقه الإسلامي كما ينبغي، وأدرك أصوله ومنازعه إدراكًا يمده الذكاء الناقد والنقدُ البصير، ألمّ بمشكلاتِ عصره، وعلل مجتمعه، وأخذ يستلهم السماء في إصلاح الأرض، ويضمد بالوحي الإلهي والهدي النبوي جراح الأمّة الناغرة.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

