محمد مندور.. ناقد وسياسي ومعارك في جبهات شتى
25 اغسطس 2015 | 0 تعليق
محمد مندور
ولد محمد مندور في الخامس من يوليو 1907، وتعلم في كتاب القرية، ثم تلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة الألفي الابتدائية بمنيا القمح، والتحق بمدرسة طنطا الثانوية، وحصل منها على البكالوريا من القسم الأدبي عام 1925.
أثناء مرور طه حسين على طلبة دفعتي الحقوق والآداب بجامعة فؤاد الأول، حيث اجتمعا في نفس المدرج يتلقيان مواد تحضيرية، فألقى عليهم طه حسين محاضرة في ثلث ساعة عن «الشعوبية وانتحال الشعر»، وطلب منهم أن يكتبوا ملخصا لما يقوله في مدة لا تزيد عن خمس دقائق، وجاء طه في اليوم التالي ليعلن على الطلاب أن الطالب محمد عبد الحميد موسى مندور هو صاحب أفضل تلخيص.
اجتمع عميد الأدب العربي مع الطالب محمد مندور في مكتبه ناصحا له أن يدرس في كلية الآداب، وكان مندور متحمسا لدراسة الحقوق، طامحا أن يصبح مثل وكلاء النيابة الذين يأتون إلى قريته بمركز منيا القمح، "فتهتز لهيبتهم البلدة، فضحك طه حسين وأصر أن يدرس مندور معه بكلية الآداب، مقابل إعفائه من مصروفات الدراسة، فجمع مندور بين الدراسة بكلية الآداب صباحا والحقوق مساءً.
حصل مندور على ليسانس الآداب سنة ١٩٢٩، وليسانس الحقوق عام ١٩٣٠،وقد وقع عليه الاختيار ضمن البعثة المتجهة إلى باريس عاصمة النور، حيث التحق بالسربون ليدرس الدكتوراه في النقد العربي، ولم يكتف مندور بالمواد المدروسة بالجامعة، وإنما التهم الكثير من العلوم المساعدة الأخرى التي خلقت منه ناقدا مهما مثل: الآداب الفرنسية، وما يتصل بها من لغات كاليونانية القديمة، واللاتينية والفرنسية، وفقهها المقارن مع حضور محاضرات المستشرقين، ودرس الدكتوراه في الأدب العربي القديم مع أحدهم، كما "التفت إلى بعض الدراسات الصوتية واللغوية على سبيل تأكيد نظرته إلى مباحثه النقدية".
وكان وقع الرحلة إلى فرنسا ساحرا على الشاب محمد مندور، فمدينة النور باريس فتحت ذراعيها للشاب، كما استقبلت المفكرين المصريين الرواد بداية من الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي و قاسم أمين، مرورا بطه حسين، ومحمد حسين هيكل، وتوفيق الحكيم، وغيرهم من رجال الأدب والقانون الذين بهرتهم أضواء مدينة النور. قرر مندور أن يحفظ خريطة باريس عن ظهر قلب، وأن يخرج منها إلى باقي فرنسا، ثم إلى أوروبا، وأمضى تسع سنين في فرنسا يقرأ في كافة فروع المعرفة، وحصل على دبلوم في الاقتصاد السياسي والتشريع المالي، ولكنه لم يفز بالدكتوراه برغم مرور تلك الفترة على بقائه بفرنسا.
ساءت علاقته بأستاذه الدكتور طه حسين، ورفض تعيينه في كلية الآداب لتدريس اللغة العربية أو اليونانية أو اللاتينية، وكان ذلك في عام 1931، وعند حلول عام 1940 تمكن من الحصول على موافقة للتدريس في قسم اللغة الفرنسية، والمعهد العالي للصحافة، وفي عام 1942 أصدر الدكتور طه حسين قراراً بتعيينه لتدريس الأدب العربي والنقد القديم والحديث في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، بالإضافة إلى اللغة اليونانية في قسم الدراسات القديمة بها، ثم ساءت علاقته مرة أخرى بطه حسين، بعد أن عرف أن مندور بدأ في كتابة رسالته للدكتوراه تحت إشراف أحمد أمين، الذي اختلف معه طه حسن ودارت بينهما معركة كبرى.
كان موضوع أطروحة الدكتوراه «تيارات النقد العربي في القرن الرابع الهجري»، وأعلن وقتها الدكتور طه حسين أنه لن يعترف بها، ورفض أن يشترك في اللجنة التي قامت بمناقشتها، وأنجز مندور الرسالة في تسعة أشهر وحصل بها على درجة الدكتوراه عام ١٩٤٣.
استقال مندور لينغمس في العمل السياسي اليومي؛ مناضلا ضد السلطة الملكية الإنجليزية الرجعية السائدة آنذاك، مشاركا في تشكيل جبهة اليسار - الطليعة الوفدية - داخل صفوف حزب الوفد، ولكنه يواصل الجمع بين الفعل التنويري الثقافي والفعل التغييري السياسي.
يقول الناقد والمفكر محمود أمين العالم عن منهج محمد مندور :"إنه يجمع بين التحليل الموضوعي التاريخي الدقيق، والإنصات الأمين إلي رفيف الذات المبدعة، والحرص علي اكتشاف دلالة المضمون الأدبي ومدى فاعليته الاجتماعية وقيمته الجمالية، وإلى جانب هذا التراث الغزير الخصب في النقد والدراسة الأدبية، نجد هذا التراث الغني والخصب كذلك من المقالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت صداما جسورا مع مظاهر التخلف والاستبداد والتبعية في المجتمع المصري آنذاك، وتحريضا جسورا على التغيير والتجديد".
كان محمد مندور في طليعة المناضلين ضد الاستعمار وأذنابه في الداخل، متسلحا بتلك الثقافة الليبرالية الأصيلة التي اكتسبها في فرنسا، ومؤمنا بضرورة تدخل الدولة في بناء ودعم الاقتصاد الوطني، بناء على مشاهداته وقراءاته للحالة الأوروبية التي تبنت سياسات تدخلية للدولة، بعيدا عن لغو الليبرالية الكلاسيكية المؤمنة بشعار:"دعه يعمل، دعه يمر"، وترجم مندور كل الشعارات التي نشأ عليها في معارك ضد الاحتلال البريطاني، والملك والحكومات التابعة للملك التي أدارت معارك شرسة ضد مندور وغيره من المثقفين الوطنيين، وكان من الطبيعي كذلك أن يكون من أبرز قادة الفكر والثقافة عامة في مرحلة من أخطر المراحل في تاريخ مصر الحديث التي كانت إرهاصا لكل ما حدث بعدها من تغيير وتأزم وتوتر حتى يومنا هذا .
لذا دخل محمد مندور الحبس الاحتياطي أكثر من عشرين مرة بين عامي 1945 – 1946، وكان معارضا لاتفاقية صدقي- بيفن التي رأى أنها تكرس للاحتلال البريطاني لمصر . فكان محمد مندور من أبرز المعبرين عن هذه المرحلة والمناضلين في صفوف طلائعها والمشاركين في صياغة مفاهيمها وقيمها.
يقول محمود أمين العالم عن علاقة مندور بثورة يوليو:"كانت ثورة 23 يوليو 1952، بما رفعته من شعارات، وفي بعض ما حققته من منجزات، تعبيرا عن بعض أشواق محمد مندور وأحلامه التي شارك في صياغتها والنضال من أجلها في الأربعينيات، إلا أن الطابع العسكري البيروقراطي لهذه الثورة أرهق وأقلق ضمير محمد مندور وفكره، فقد كان يري في الديمقراطية وفي احترام حقوق الإنسان، مدخلا أساسيا لتحقيق أهداف أي تغيير ثوري صحيح.
ولهذا عكف محمد مندور علي ممارسة النقد الأدبي، مكرسا جهده الأكبر له، يعيش فيه كل أشواقه وأحلامه متسلحا بمنهج يجمع بين ذاتية التذوق وموضوعية الرؤية وبين التحليل الاجتماعي الإنساني للأدب والحرص علي قيمته الفنية الجمالية؛ ولهذا اقتصرت في الخمسينيات وحتى منتصف الستينيات معاركه - التي لم يتوقف عن خوضها - علي معارك الفكر والأدب، دفاعا عن الفكر الاشتراكي الذي ازداد التصاقا والتزاما به، وكشفا عن الدلالة الواقعية والاجتماعية والإنسانية والدعوة إليها في الأدب، فدخل مندور معارك أدبية شرسة مع كثير من النقاد المعاصرين له مثل: العقاد والكرملي وزكي نجيب محمود وسيد قطب ولويس عوض ورشاد رشدي وسامي الدروبي وذكريا إبراهيم.
وفي التاسع عشر من مايو ١٩٦٥ توفي محمد مندور ليستريح الجسد الذي أنهكته المعارك الفكرية والأدبية والسياسية عن ثمانية وخمسين عاما.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

