أنور عبد الملك ومحاولة لتغيير العالم وفق أصولنا الحضارية
14 اغسطس 2015 | 0 تعليق
الراحل أنور عبد الملك
ولد الدكتور أنور عبد الملك يوم الخميس الموافق الثالث والعشرين من أكتوبر 1924م من أسرة قبطية وطنية ميسورة الحال، حيث ينتمي الأب "إسكندر عبد الملك" إلى أسرة قاهرية عريقة منذ القرن الثامن عشر، وقد شارك الأب في قيادة "اليد السوداء" منظمة الكادر الثوري في قلب "التنظيم السري" للوفد المصري خلال ثورة 1919.
يقول الراحل أنور عبد الملك: "سميت بهذا الاسم تيمنا بالفريق أول أنور باشا رئيس هيئة الأركان العامة للجيش العثماني، ورائد حركة "الأتراك الشباب" ثم جمعية "الاتحاد والترقي" التي كان لها أبلغ الأثر على شباب الحركة الوطنية المصرية في مطلع هذا القرن".
ويستأنف عبد الملك حديثه عن المؤثرات التكوينية في شخصيته في مجلة المصور، والتي جمعته بعد ذلك في كتاب "التكوين..حياة المفكرين والأدباء والفنانين..بأقلامهم" الصادر عن دار الهلال في فبراير 1998 العدد 566، فيرى أن هذا الأب الوطني الذي قضى كل يوم بين الثالثة والثامنة من عمر المفكر أنور عبد الملك يعلمه التاريخ والجغرافيا وحضارة مصر والاكتشافات البحرية والمعارك الكبرى،وكثيرا ما ردد على مسامع الفتى الصغير :"عندما تصبح رجلا تتولى هذه الأمور مع زملائك، مثلنا اليوم" قاصدا الانضمام للحركة الوطنية هو المؤثر الأول في تكوينه، والمؤثر التكويني الثاني: "مدرسة العائلة المقدسة" لهيئة اليسوعيين (1929-1940) في القسم العربي منها، وهي المدرسة المرموقة لمن أراد أن يجمع بين التكوين الفكري والروحي والأخلاقي والوطنية الجارفة وحب مصر، كما فتحت أمامه باب التعمق في آداب اللغة العربية.
توفي الأب عن عمر يناهز التاسعة والثلاثين عاما في عام 1932م، لتضطرب الأحوال حول الفتى أنور عبد الملك، حيث كانت الظروف الاقتصادية صعبة جدا، وسعى أصدقاء والده لسد الفراغ المعنوي الذي تركه الوالد، فيذكر منهم عبد الملك عمه فؤاد بك عبد الملك مؤسس "جمعية أصدقاء الفنون الجميلة"، والمشارك في توجيه العديد من المؤسسات، مثل :"الجمعية الزراعية الملكية" و"الجمعية الجغرافية الملكية" ومستشار الملك فؤاد ثم الملك فاروق، وعبد الحليم البيلي بيك قائد جماعة "اليد السوداء" التي شارك فيها الأب.
انجذب عبد الملك إلى القراءة، فكان يقرأ كتابا كل يوم خلال وبعد ساعات الدراسة، ونتيجة لتدهور أوضاع الأسرة الاقتصادية عمل الفتى في "البنك الأهلي المصري" في مركزه الرئيسي بقصر النيل من خريف 1940 حتى ربيع 1943، ثم انتقل موظفا في البنك العقاري المصري ثلاث سنوات بالقسم القانوني (1943- 1946)، وبعد الانتهاء من العمل اليومي درس اللغة الإنجليزية لأربع سنوات في المعهد البريطاني، ليحصل على الثانوية العامة البريطانية والتوجيهية المصرية عام 1944.
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، بدأ الشاب في البحث يمينا ويسارا عن حل ومخرج لأزمة مصر التاريخية كدولة خاضعة للاحتلال البريطاني، ملتهما الكتب السياسية والفلسفية، فقد أدرك الفتى أن مع كل أزمة دولية تمسك بتلابيب الدول العظمى كالحروب العالمية لابد أن يتغير معها أوضاع المستعمرات والدول الخاضعة لهيمنة الدول العظمى، وقد حدث هذا بعيد الحرب العالمية الأولى فلما لا يتكرر بعيد الحرب العالمية الثانية؟!
تساؤلات تلو تساؤلات تعصف بعقل أنور عبد الملك حول معنى التحرير أو الاستقلال الحقيقي بعد أن ثبت أن معاهدة 1923 لم تمنع مصر من أن تصبح دولة تابعة للاحتلال الغربي والسيطرة الاقتصادية والسياسية للحليف البريطاني؟ ما العلاقة بين الاستقلال الحقيقي والنظام الداخلي السياسي؟ كيف يمكن تأمين سيادة القانون وتمثيل إرادة الشعب في البرلمان والحكم وكذا دعم الاقتصاد المصري زراعة وصناعة ومالا؟ ثم ما علاقة بين هذا كله والمعاني الكبرى التي أحاطت بتحرك مصر منذ منتصف القرن الثامن عشر وخاصة منذ محمد علي وثورة 1881 وثورة 1919 وما تلاها من وثبات ثورية شعبية حادة؟ وما العلاقة بين الثورة والنهضة؟
ومع تلك القراءات العريضة اكتشف الفتى الفلسفة؛ فأحب محاورات أفلاطون والفلسفة التساؤلية وأشعار أبي العلاء المعري والفارابي وابن سينا، واكتشف مقدمة ابن خلدون وفلسفة التاريخ الهيجيلية، وكتب الموسوعيين الفرنسيين وبعد المقاومة البطولية للاتحاد السوفيتي والتضحيات التي قدمها الشعب السوفيتي وانتصاره على النازية، بدأ جيل كامل في الالتفات إلى تلك التجربة التنموية والعسكرية الجبارة، فبدأ عبد الملك يقرأ في التراث الاشتراكي الماركسي ومدارسه المتنوعة التي حققت على أرض الواقع انتصارات هائلة، مثل: الماوية التى كتب عنها الصحفي الأمريكي "ادجار سنو" كتابه:"النجم الأحمر فوق الصين" الذي كشف حقيقة ثورة الصين التحررية.
بدأ الفتى يجمع أصدقاءه لعقد حلقة لدراسة الاشتراكية وسبل تحرير مصر، حوارات وسجالات ساخنة جمعت الفتى وأصدقاءه حول تلك التساؤلات التي كانت عبئا حقيقيا ثقيلا على هذا الجيل الذي كان على موعد مع القدر والصراع ضد الدولة، والدخول معها في معركة تكسير عظام.
جلس الشاب أنور عبد الملك إلى المرشد العام حسن البنا يستمع لخطبته الأسبوعية، ويتحسس معها استجابات الجمهور ليتعرف على مشاعر وتوجهات إخوانه في الوطن.
ومع تجربته السياسية يعود إلى عالم الفلسفة، ليعيد اكتشاف هيجل ويربط مقولاته بمقولات "كتاب الموتى" المصري القديم، ومنه إلى ماركس:"لقد اكتفى الفلاسفة حتى الآن بتفسير العالم، وقد آن الآوان لتغييره"، وربط تلك المقولة بقول الله في كتابه الكريم:"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم" الصلة التي لا تنفصم بين الفكر والعمل.
وتأخذ التجربة منعطفا جديدا حينما قابل أنور عبد الملك مفتش اللغة الإنجليزية شهدي عطية الشافعي في دار الأبحاث العلمية، ليصبح انضمامه إلى الحركة الاشتراكية واقعا لا لبس فيه، وتدور ماكينة الاعتقال في عهد رئيس الوزراء إسماعيل صدقي، فيهرب الفتى حتى يتم الإفراج عمن تم اعتقالهم.
ويصر نسيبه الأستاذ الدكتور "جرجس متى" على الاستمرار في التعليم الجامعي، فيستثنيه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين من الروتين، ويلتحق بقسم الفلسفة جامعة عين شمس، ويلتقي بالدكتور عبد الرحمن بدوي في قاعة المحاضرات، ويصبح من حوارييه برغم اختلافهما، فأستاذ فلسفة وجودي النزعة يعلي من الذاتية والفردية، والطالب ماركسي شديد الإيمان بحتمية تثوير الواقع، يقول أنور عبد الملك:"تعلمت منه، على وجه التخصيص، أن واجب المفكر المصري أن ينكب على أصول الفكر والثقافة الوطنية ليطورهما." وكان لبدوي الفضل في اختيار عنوان لموضوع رسالة دكتوراه الدولة في الآداب التي تمت بين (1955-1969) عن "تكون الأيدلوجية في نهضة مصر القومية(1805-1892) بعيدا عن فلسفة التاريخ عند هيجل الموضوع الذي استوقفه قبل أن يرى أستاذه بدوي، وينجح في فرنسا، وينضم للمركز القومي للبحث العلمي بباريس 1960م، ليصبح مدرسا ثم أستاذا للأبحاث ثم مديرا للبحوث عام 1970.
كان هدف عبد الملك من وراء اطروحته الجامعية أن يعي لماذا أقصى جمال عبد الناصر اليساريين وأودعهم المعتقلات التي دمرت الأغلبية منهم في "أبي زعبل" ثم "الواحات"، فخرجت تلك الأفكار في كتابه "نهضة مصر".
وتتكرر نصائح عبد الرحمن بدوي لتلميذه النجيب، وينصحه أن يقرأ لمارتن هيدجر صاحب "الزمن والكينونة"، فتجذبه دراسته "ما الميتافزيقا"، ويكتشف مع هيدجر أن العقل أعدى أعداء الفكر، فالفكر مقولة تستوعب العقل والتحليل والتركيب والعيان الوجداني والإيمان ومنهج واقعية الإنجاز العلمي.
وفي عام 1943م، يجد بالصدفة كتاب "الزمان، النهر المنعش" في مكتبة الأنجلو المصرية لجوزيف نيدهام، ليجد فيه مزيجا من التنقيب في الاشتراكية، وفي الأديان، وحضارات الشرق، والعلاقة بين التحليل الفلسفي وعلم الفيزيولوجيا والطب، ويراسل عبد اللملك الكاتب، ويدعو نيدهام الشاب إلى زيارته بجامعة كامبريدج، ليكتشف معه معنى الشرق الحضاري .
وفي القاهرة يقابل عبد الملك المفكر الجزائري مالك بن نبي، ليعي معه مفاهيم الحركة الإفريقية-الآسيوية وخاصة الإسلام الحضاري العصري، ويتزامن مع الحديث عن الإسلام الحضاري موجة تجديد لاهوتي وحضاري في الكنيسة الكاثوليكية تحت عنوان لاهوت التحرير على يد الرئيس الأعلى السابق لهيئة اليسوعيين "بيدرو أروبيه"، الذي آمن بالحوار بين الحضارات والتثاقف بينهم.
كل تلك الشخصيات والتجارب جعلت البعد الحضاري هو المحور الرئيس لأفكاره واجتهاداته، ليصدر العديد من الكتب عن الخصوصية الحضارية، مثل: ريح الشرق، في أصول المسألة الحضارية، تغيير العالم؛ رافضا وجود قالب غربي واحد ثابت تتشكل داخله الحضارة، دون مراعاة للخصوصيات الثقافية.
توفي عبد الملك في 17 يونيو 2012 بباريس، حيث كان يقيم عن ثمانية وثمانين عاما ليترك للأجيال من بعده تراثا فكريا، واجتهادا اصيلا في معنى وشروط تقديم نموزج حضاري مختلف.
التعليقات السابقة
لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق
أضف تعليقاًً
* اختياري

